📁 آخر الأخبار

سوسيولوجيا كرة القدم: من "الفوران الجماعي" إلى صناعة الهوية

سوسيولوجيا كرة القدم: من "الفوران الجماعي" إلى صناعة الهوية

قراءة تحليلية في سيكولوجية الجماهير على ضوء منافسات كأس أمم أفريقيا

إعداد: فريق بوك ألترأ

ملخص الدراسة (Abstract)

​تهدف هذه المقالة إلى تفكيك ظاهرة التشجيع الرياضي، وتحديداً في سياق كرة القدم، من خلال عدسات علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي. بالتزامن مع فعاليات كأس أمم أفريقيا (CAN 2025)، تتجاوز هذه القراءة حدود "المستطيل الأخضر" لتستقصي الجذور العميقة لسلوك الجماهير. نعتمد في هذا التحليل على مفاهيم "الفوران الجماعي" لإميل دوركايم، ونظريات "سيكولوجية الجماهير" لغوستاف لوبون، ومقاربات الهوية الاجتماعية، لنفهم كيف تتحول لعبة رياضية إلى طقس ديني علماني، وكيف يذوب الفرد في "روح الجماعة"، محولاً النصر أو الهزيمة إلى مسألة وجودية تمس الكرامة والهوية.


سوسيولوجيا كرة القدم: من "الفوران الجماعي" إلى صناعة الهوية
سوسيولوجيا كرة القدم: من "الفوران الجماعي" إلى صناعة الهوية.

1. مقدمة: كرة القدم كـ "ظاهرة اجتماعية كلية"

​في هذه الأيام، ومع اشتعال المنافسات القارية، لا تكاد تخلو شاشة أو مقهى أو منصة تواصل اجتماعي من ضجيج كرة القدم. لكن، بالنسبة للباحث في العلوم الاجتماعية، فإن هذا المشهد ليس مجرد ترفيه عابر، بل هو تجسيد حي لما أسماه عالم الأنثروبولوجيا مارسيل موس (Marcel Mauss) بـ "الظاهرة الاجتماعية الكلية" (Fait social total). فهي حدث تتشابك فيه الأبعاد النفسية، الاجتماعية، الاقتصادية، وحتى السياسية، لتشكل نسيجاً يعكس قيم المجتمع وتناقضاته.

​تطرح علينا هذه "الحمى الجماعية" إشكالية جوهرية: لماذا يستثمر الأفراد هذا الكم الهائل من العاطفة، والوقت، والمال في لعبة نتيجتها لا تؤثر مادياً وعقلانياً على حياتهم اليومية؟ وكيف يتحول الفرد العاقل والمتزن، بمجرد انخراطه في الكتلة الجماهيرية، إلى كائن تحركه الغرائز والانفعالات القصوى؟

​للإجابة على هذه الإشكالية، لا بد من تجاوز التفسيرات السطحية التي تحصر الأمر في "حب اللعبة"، والغوص في البنى اللاواعية التي تحكم سلوك القطيع والحاجة البشرية الأزلية للانتماء.

2. المحور الأول: "الفوران الجماعي".. الملعب كمعبد حديث

​عند العودة إلى الأب الروحي لعلم الاجتماع، إميل دوركايم (Émile Durkheim)، وتحديداً في كتابه ""الأشكال الأولية للحياة الدينية""، نجد المفتاح الأول لفهم ما يحدث في مدرجات "الكان".

أ. الطقوس والبحث عن "المقدس"

​يرى دوركايم أن المجتمعات تحتاج دورياً إلى الاجتماع لتجديد شعورها بالوحدة والتضامن. في المجتمعات البدائية، كانت الطقوس الدينية والاحتفالات القبلية هي الوسيلة لتحقيق ذلك. في مجتمعنا المعاصر الذي طغت عليه العلمانية والفردانية، أصبحت كرة القدم هي "الدين الجديد".

  • الملعب: هو "المعبد" المقدس الذي يحج إليه الآلاف.
  • النشيد الوطني/أهازيج الفريق: هي التراتيل التي توحد الحناجر.
  • اللاعبون: هم "الرموز الطوطمية" (Totems) التي تمثل قوة القبيلة (الفريق/الوطن).

ب. ميكانيزم "الفوران الجماعي" (Collective Effervescence)

​يصف دوركايم حالة "الفوران الجماعي" بأنها لحظة يتسامى فيها الأفراد عن وعيهم الفردي ليذوبوا في وعي جمعي موحد. عندما يهتز الملعب بصيحة واحدة بعد تسجيل هدف، تتولد طاقة كهربائية نفسية لا يمكن للفرد أن يختبرها وهو وحيد. هذه الطاقة تمنح الفرد شعوراً بالقوة اللامتناهية، وتخرجه من رتابة حياته اليومية (المدنس) إلى عالم من الحماس المطلق (المقدس).

إذن، نحن لا نذهب للملعب لمشاهدة المباراة فحسب، بل لنشعر بأننا جزء من كيان أكبر منا، لنشعر بـ "حرارة" الجماعة التي تذيب عزلة الإنسان الحديث.

3. المحور الثاني: سيكولوجية الجماهير واختفاء الشخصية الواعية

​إذا كان دوركايم يفسر "لماذا نجتمع"، فإن غوستاف لوبون (Gustave Le Bon) في كتابه الشهير "سيكولوجية الجماهير" يفسر "كيف نتصرف عندما نجتمع".

أ. قانون الوحدة العقلية للجماهير

​يقرر لوبون أن الفرد، بمجرد انخراطه في جمهور (Crowd)، يفقد خصائصه الشخصية المميزة (مثل التفكير النقدي، الحذر، والمسؤولية الفردية) وتظهر لديه خصائص جديدة مشتركة مع الجمهور. تتلاشى الشخصية الواعية للفرد، وتسيطر عليه "الروح الجماعية".

في سياق مباريات كرة القدم، يفسر هذا لماذا قد يقوم شخص (طبيب، مهندس، أو أستاذ جامعي) بتصرفات لا عقلانية، كالصراخ الهستيري، البكاء المرير، أو حتى العنف اللفظي، وهو ما لن يفعله أبداً في سياق فردي.

ب. العدوى العاطفية (Emotional Contagion)

​تسري العواطف داخل الجمهور كما تسري العدوى الجرثومية، ولكن بسرعة أكبر. الحماس، الغضب، أو الخوف ينتقل من مشجع لآخر بالتلقين ودون تفكير. في مدرجات كرة القدم، يتم تضخيم العاطفة إلى أقصى حد؛ فالإشارة البسيطة من لاعب أو حكم قد تشعل مدرجاً كاملاً. هذا "التنويم المغناطيسي الجماعي" يجعل الجمهور يتحرك ككتلة بيولوجية واحدة، لها عقل بدائي لا يعرف المنطق، بل تحركه الصور والانفعالات.

4. المحور الثالث: جدلية "نحن" و"الآخر".. الهوية الاجتماعية والصراع الرمزي

​إذا كان "الفوران الجماعي" يفسر شدة الانفعال، فإن نظرية الهوية الاجتماعية (Social Identity Theory) التي طورها هنري تاجفيل (Henri Tajfel) تفسر اتجاه هذا الانفعال: لماذا هذا الفريق بالذات؟ ولماذا نكره المنافس؟

أ. التصنيف الاجتماعي (Social Categorization)

​يقوم العقل البشري بتبسيط العالم المعقد من خلال تصنيف الناس إلى مجموعات: "مجموعتنا" (In-group) و"المجموعة الخارجية" (Out-group). في سياق كرة القدم، يصبح تشجيع المنتخب الوطني أو النادي المفضل هو الآلية الأساسية لتعريف الذات.

عندما يقول المشجع: "لقد فزنا" (رغم أنه لم يركض دقيقة واحدة في الملعب)، فهو يمارس عملية تماهي (Identification) كاملة. نجاح الفريق يرفع من تقدير الذات (Self-esteem) لدى المشجع، وخسارته تُشعر المشجع بنقص في قيمته الشخصية.

ب. الحرب الطقوسية (Ritual Warfare)

​يرى عالم الحيوان والإثنولوجيا ديزموند موريس (Desmond Morris) في كتابه "القبيلة الكروية" (The Soccer Tribe)، أن مباراة كرة القدم ليست سوى بقايا متطورة لطقوس الصيد والحروب القبلية القديمة.

  • ​الساحة (الملعب) هي أرض المعركة.
  • ​الكرة هي الطريدة أو الرمز الذي يتم التنازع عليه.
  • ​الهتافات هي طبول الحرب. هذا الصراع الرمزي يسمح للمجتمعات الحديثة بالتعبير عن النزعة القومية أو المناطقية بشكل آمن نسبياً. وكما وصفها الكاتب جورج أورويل بحدة: "الرياضة الجدية هي حرب بلا إطلاق نار". هي المنفذ الوحيد المسموح فيه بكراهية "الآخر" علناً تحت غطاء التنافس الرياضي.

5. المحور الرابع: التنفيس (Catharsis) وإسامة الغرائز

​من منظور التحليل النفسي الفرويدي، يعتبر الكبت سمة أساسية في الحضارة. نحن نكبت عدوانيتنا وغضبنا لنكون مواطنين صالحين. هنا تأتي كرة القدم كأداة للتنفيس (Catharsis).

أ. صمام الأمان المجتمعي

​تسمح الـ 90 دقيقة للمشجع بالتحرر من قيود "الأنا الأعلى" (الضوابط الأخلاقية والاجتماعية الصارمة). الصراخ، الشتم، والقفز الهستيري هي سلوكيات "نكوصية" (Regressive) تعود بنا إلى مراحل طفولية أو بدائية، لكنها ضرورية للصحة النفسية للجماهير.

تفريغ شحنات الغضب في "الخصم الرياضي" (الحكم أو الفريق المنافس) يقلل -نظرياً- من احتمالية تفريغ هذا العنف في الحياة اليومية أو السياسية. إنها عملية إعلاء (Sublimation) للغرائز العدوانية وتحويلها إلى نشاط مقبول اجتماعياً.

6. خاتمة: نحو تشجيع واعٍ.. المقاربة الرواقية

​ختاماً، يتضح لنا أن كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل هي مرآة مكبرة للطبيعة البشرية، تعكس حاجتنا للانتماء، وطقوسنا المقدسة، وغرائزنا المكبوتة. إن فهم هذه الدوافع السيكولوجية والسوسيولوجية لا يفسد متعة اللعبة، بل يجعلنا نعيشها بوعي أكبر.

​وهنا، يمكننا استدعاء الحكمة الرواقية (Stoicism) لتقديم "وصفة علاجية" للتعامل مع ضغط المباريات:

يعلمنا إبكتيتوس مبدأ "ثنائية السيطرة" (Dichotomy of Control). نتيجة المباراة، أخطاء التحكيم، وأداء اللاعبين هي أمور خارجة عن سيطرتنا تماماً. أما رد فعلنا، توازننا النفسي، وطريقة تعبيرنا عن الفرح أو الحزن، فهي أمور تحت سيطرتنا.

​إن المشجع الواعي هو الذي ينغمس في "الفوران الجماعي" ويستمتع بالانتماء، لكنه يحتفظ بمسافة نقدية (Critical Distance) تمنعه من رهن سعادته بكرة تتدحرج، مدركاً أن القيمة الحقيقية تكمن في التجربة المشتركة، لا في النتيجة الرقمية.

قائمة المراجع المقترحة (للاستزادة):

  1. إميل دوركايم، الأشكال الأولية للحياة الدينية (1912).
  2. غوستاف لوبون، سيكولوجية الجماهير (1895).
  3. ديزموند موريس، القبيلة الكروية (The Soccer Tribe) (1981).
  4. هنري تاجفيل، الهوية الاجتماعية والعلاقات بين الجماعات.
  5. نوربرت إلياس، السعي للإثارة: الرياضة والترفيه في عملية الحضارة.

تعليقات