تفكيك الثنائيات: من سلطة السمع إلى دينامية النظر قراءة في ثقافة الأذن وثقافة العين لعبد السلام بنعبد العالي
أيمكن لحاسة أن تختزل مصير حضارة؟
عندما نصغي اليوم إلى خطاب سياسي أو ديني أو ثقافي عربي، هل نُعمل فيه أدوات النظر والتمحيص، أم ننصاع له انصياع الأذن للصوت؟ أيمكن لحاسة أن تختزل مصير حضارة بأكملها؟ هذا هو السؤال المركزي المؤسِّس الذي يطرحه الفيلسوف والمفكر المغربي عبد السلام بنعبد العالي في كتابه “ثقافة الأذن وثقافة العين”، الصادر في طبعته الثانية سنة 2008 عن دار توبقال للنشر بالدار البيضاء. في هذا العمل الفلسفي الرصين، ينطلق المؤلف من ثنائية حسية بسيطة ظاهرياً، ليحولها إلى مفتاح إبستيمولوجي لتفكيك أعطاب العقل العربي المعاصر؛ إذ يرى أن هيمنة “ثقافة الأذن”، القائمة على القرب والطاعة والتسليم، تشكّل العائق الأعمق أمام قيام فكر نقدي عربي قادر على إنتاج المعرفة بدل استهلاكها. وبينما يبدو الكتاب للوهلة الأولى تأملاً في فلسفة الحواس، فإنه سرعان ما يكشف عن مشروع نقدي متكامل يطال مفهوم الهوية، وطريقة التعامل مع التراث، وآليات اشتغال الإيديولوجيا، ودور المثقف في المجتمع العربي الراهن.
![]() |
| كتاب ثقافة الأذن وثقافة العين - عبد السلام بنعبد العالي. |
الأذن والعين: من فينومينولوجيا الحواس إلى أنطولوجيا الثقافة
الأذن: “لا عجب إذن أن تكون ثقافة الأذن ثقافة السمع والمحافظة. إنها ثقافة الوثوقية والتقليد، ثقافة ترضخ للصوت-المنبع، ولا تبتعد عنه بما يكفي كي تعمل فيه ‘فكرها’. ثقافة الأذن هي على الدوام ثقافة سلطة: فكل سمع طاعة“. الأذن حاسة القرب والاتصال والزمان، وهي لا تعمل إلا في ظل التصاق الصوت بها، مما يجعلها عرضة دائمة للانفعال والتلقي السلبي. ولهذا قرنها التراث العربي واليوناني واللاتيني بالطاعة والحفظ والنقل، وليس بالفهم والتحليل.
العين: ”أما العين، فلما لها من قوة قلب ذاتي على شبكيتها، ولما لها من قدرة على تعديد منظوراتها وزوايا نظرها، فهي تجعل الثقافة التي تعتمدها ثقافة نقدية تسلّم، منذ البداية، بأن التأويل يتعدد وأن المنظورات تختلف، وأن كل معرفة تصحيح لأخطاء“. العين حاسة المسافة والانفصال، فهي لا ترى موضوعها على نحو جيد إلا إذا ”ثبّته“ وحدد أبعاده. ولهذا ارتبطت، عبر التاريخ اللغوي والفلسفي، بالبصيرة والنظر العقلي، القادر على قلب المنظورات وتعديد زوايا الرؤية.
الثقافة العربية الكلاسيكية، كما يرى بنعبد العالي، ظلت أسيرة النموذج السمعي الشفوي الذي يقدّس المنبع والصوت الأول، في حين أن الثقافة الغربية الحديثة تأسست على النموذج البصري الذي يسمح بالتباعد والتشكيك وإعادة البناء. وهكذا، فإن الدعوة إلى الانتقال من ثقافة الأذن إلى ثقافة العين ليست مجرد استعارة أدبية، بل هي مشروع فكري وسياسي يهدف إلى إعادة تأسيس العقل العربي على أسس نقدية تعددية.
التراث والهوية: من الاجترار إلى الحفر
أحد أبرز تجليات ثقافة الأذن هو الطريقة التي يتعامل بها العقل العربي المعاصر مع التراث والهوية. يلاحظ بنعبد العالي أن ”كلما طرحت قضية الهوية عبر التاريخ طرحت معها قضية التراث والتجذر التاريخي“، لافتاً إلى أن هذا الاقتران ليس بريئاً، بل هو اقتران تاريخي ظهر في لحظات التهديد والاستعمار، وسرعان ما تحول إلى هوس مرضي. ينتقد المؤلف الاستعارة الغذائية لتملك التراث (الالتهام، الهضم، التمثل)، ويعيد تعريف التملك الحقيقي بقوله: ”ليس تملك التراث قضايا وهضماً وغذاءً وإحياءً لنفوس خالدة بغية تقوية الوهم بالخلود، وإنما هو إصغاء لأصواته المتعددة، وتملك لفراغاته، وحفريات لصمته والتفات إلى المنسي منه“. إن الأذن المطيعة لا تسمع من التراث إلا صوتاً واحداً هو صوت السلف والمنبع؛ أما العين الناقدة فترى فيه تصدعاتٍ ومسكوتاً عنه وطبقات من الصراع. ومن هذا المنظور، تنتقل الهوية من جوهر ثابت إلى ”مشروع هوية“ هو ”في الوقت نفسه مشروع انفصال عن الآخر واتصال دائم معه“، هوية لا تكتمل ولا تطابق ذاتها، بل تظل في حركة انفصال واتصال دائم.
الإيديولوجيا والسر: منظومتا حقيقة متعارضتان
يعالج بنعبد العالي مفهومي ”الإيديولوجيا“ و”السر“ بوصفهما نموذجين متباينين لإنتاج الحقيقة وإخفائها. فالإيديولوجيا تقوم على الوهم والوعي المغلوط، وتحتاج إلى لحظة انكشاف وفضح ينهض بها المثقف بصفته ”ضمير العصر“. أما السر، فيشتغل بآلية معاكسة: إنه لا يُعرف عن طريق الكشف والتحليل، وإنما فقط في الحفاظ عليه بما هو سر. ويسوق المؤلف نتيجة لافتة هي أن تضاؤل دور المثقف التقليدي يعود جزئياً إلى تحول المجتمع من نظام الإيديولوجيا إلى نظام الأسرار، فـ”المجتمعات المعاصرة لم تعد في حاجة إلى توعية لإدراك حقائق الأمور لأن هذه الحقائق لم تعد تخفى على أحد“. في هذا السياق، يصبح المثقف الذي يلهث وراء الكشف والفضح كائناً بلا وظيفة، ما لم يتحول هو نفسه إلى ممارس لاستراتيجية تفكيكية لا تكتفي بقلب الثنائيات، بل تعمل على خلخلتها من الداخل.
التفكيك بوصفه استراتيجية نقدية لا متناهية
ينتصر بنعبد العالي للتفكيك بوصفه ممارسة فكرية تختلف عن النقد الإيديولوجي التقليدي، فالتفكيك ليس هدماً عدمياً ولا تشكيكاً مطلقاً، بل هو ”نقش على النصوص“ يكشف القوى المتوافرة فيها: ”ففي النص نفسه قوى متوافرة يكون على استراتيجية التفكيك أن تعمل على إبرازها. غير أن هذه القوى لا تعطي نفسها مباشرة. فالنص لا يكون نصاً إلا إذا أخفى عن النظرة الأولى قاعدة لعبته ونسيجه العنكبوتي“. هذه الاستراتيجية تنصب حتى على ذاتها، فلا تمايز بين نص وآخر أياً كان موقعه الأيديولوجي. وبهذا المعنى، يستعيد التفكيك حيوية الفكر النقدي بعد التحجر الذي أصاب مفهوم النقد ذاته، ويحول عملية المعرفة من بناء تراكمي سلمي إلى ”حرب معلنة على الأوهام التي لا تنفك تتلون وتتقنع“.
المثقف بين سلطة الأذن ونقد العين: من المفتي إلى المفكك
يرسم بنعبد العالي صورة قاتمة للمثقف العربي الذي تحول، في ثقافة الأذن، إلى ”مفتٍ بالأقوال“ يوزع اليقينيات ويحتكر الحقيقة بصفته ضمير العصر والناطق باسم المظلومين. وهو يربط هذه الظاهرة بتراجع مفهوم الإيديولوجيا وصعود مفهوم السر: ”إذا ما أراد معرفة الواقع يكون عليه أن يتخلى عن ‘ثقافته’ لينقض الأسرار ويتصيد الأخبار، لا من الكتب والمدارس والجامعات، وإنما من مستودعات الأسرار التي يحفل بها المجتمع المعاصر“. والحل، في تقديره، هو مثقف يمارس التفكيك، ويميز بين ”خطاب الرأي“ المنغلق و”خطاب الفكر“ الذي ”يفصح عن فراغ ونقص وعوز“، ويكون منحازاً للسؤال لا للجواب، وللترحال الفكري النقدي لا للحل والثبات الدوغمائي. إنه المثقف الذي يجرؤ على الانتقاد ولا يقف عند البداهات، ”فيتحرر بذلك من ممارسة العنف على نفسه أولا، وعلى غيره فيما بعد“.
من التأريخ السكوني إلى التاريخ الحي
يوجه بنعبد العالي نقداً لاذعاً للطريقة التي يتعامل بها المفكر العربي مع تاريخ الأفكار؛ فهو يتعامل مع التراث الفكري ”كمؤرِّخ بالدرجة الأولى... لا بما هو فكر وقضايا وأسئلة، وإنما بما هو مذاهب وفرق وأسماء أعلام“. هكذا يؤول تاريخ الفكر إلى ”متحف تعرض فيه بضاعة ستؤخذ كلها أو تترك كلها“. ويخلص إلى أن الخروج من هذا المأزق لا يكون إلا بالتخلي عن الانشغال التاريخي الموهوم، والتعامل مع تاريخ الفكر كقضايا ومسائل: ”فلو أننا تخلينا عن هذا الانشغال التاريخي الموهوم كي نتعامل مع تاريخ الفكر كقضايا ومسائل، مدركين أن وراء المذاهب وأسماء الأعلام مخاضاً فكرياً ينبغي الخوض فيه، فربما خرجنا من التأريخ لندخل التاريخ“. الحداثة، وفقاً لهذا المنظور، ليست منجزات جاهزة أو حقبة زمنية، بل ”عمليات إرساء لا متناهية للتحديث والدمقرطة والعقلنة“. ولهذا فإن محاولة استيراد الحداثة بوصفها منتوجاً نهائياً، من دون المرور بمخاضها التاريخي، لا تنتج سوى ”حداثة مشهد لا حداثة حركة ومسار“.
خاتمة: العين التي ترى التعدد حيث لا تسمع الأذن إلا الواحد
يمكن النظر إلى مشروع عبد السلام بنعبد العالي في ”ثقافة الأذن وثقافة العين“ بوصفه ممارسة منهجية على التفكيك لا تقدم نظاماً فكرياً بديلاً يمتلك الحقيقة، بل تفتح فضاءً للاشتغال النقدي المتواصل. إن الانتصار للعين على الأذن ليس استبدالاً لسلطة بأخرى، بل هو دعوة لإدماج المسافة داخل صميم الوعي، وللاعتراف بأن الفكر لا يتقدم إلا عبر مراجعة بداهاته، والاستماع إلى صمته وفراغاته لا إلى صوته الجهوري وحده. يذكّرنا الكتاب بأن ”وحده المستقبل يحدد الماضي“، وأن كل أصل يظل قابلاً لإعادة التأسيس، شريطة أن نجرؤ على قلب المنظور، وأن نمارس ثقافة العين التي ترى التعدد حيث لا تسمع الأذن إلا الواحد. وهي خلاصة تشكل، في آنٍ معاً، تشخيصاً لعلل الثقافة العربية المعاصرة، وأفقاً لتحررها من سطوة الأنساق الوثوقية.
بطاقة معلومات
| العنوان الكامل للكتاب | ثقافة الأذن وثقافة العين |
| المؤلف | عبد السلام بنعبد العالي (فيلسوف ومفكر مغربي، أستاذ جامعي بجامعة محمد الخامس بالرباط) |
| دار النشر | دار توبقال للنشر |
| مكان النشر | الدار البيضاء، المغرب |
| الطبعة | الطبعة الثانية، 2008 |
| الطبعة الأولى | 1994 |
| عدد الصفحات | 140 صفحة تقريباً |
| اللغة | العربية |
| تصنيف الكتاب | فلسفة معاصرة – نقد ثقافي – إبستيمولوجيا – دراسات فكرية عربية |
| الجمهور المستهدف | باحثون في الفلسفة والدراسات الثقافية والنقد الأدبي، طلبة الدراسات العليا، والمهتمون بقضايا الفكر العربي المعاصر |
| الكلمات المفتاحية | ثقافة الأذن وثقافة العين، عبد السلام بنعبد العالي، تفكيك الثنائيات، العقل العربي، الهوية، الإيديولوجيا، الحداثة العربية، نقد التراث، فلسفة الحواس، المثقف العربي، سلطة السمع، نقد البصر |
أسئلة شائعة
1. ما هي القضية الأساسية التي يعالجها الكتاب؟
تتمحور الفكرة المركزية حول الحاجة الماسة للانتقال من "ثقافة الأذن" – المتمثلة في التلقي السلبي، والطاعة، والامتثال للموروث – إلى "ثقافة العين" – التي تعتمد على النقد، والمسافة المعرفية، وتعدد الرؤى. يعتبر المؤلف هذا الانتقال شرطاً أساسياً لتحرير العقل العربي من الجمود والدوغمائية.
2. ما الفرق بين "ثقافة الأذن" و"ثقافة العين" في منظور المؤلف؟
- ثقافة الأذن: تمثل المنهج المعرفي القائم على حاسة السمع؛ وهو منهج يكرّس التبعية، ويُعلي من شأن النقل، والتقليد، والتسليم المطلق للسلطة المعرفية.
- ثقافة العين: تجسد المنهج النقدي المرتبط بحاسة البصر؛ حيث تفرض مسافة بين الذات والموضوع، مما يتيح التعددية في النظر، وتفكيك الزوايا المختلفة، والاعتراف بأن المعرفة هي عملية مستمرة لتصحيح الأخطاء.
3. كيف يعيد الكتاب تعريف العلاقة بين التراث والهوية؟
يرفض الكتاب النظرة الاستهلاكية التي تتعامل مع التراث ككتلة صلبة تُستدعى لتثبيت هوية جامدة. وبدلاً من ذلك، يدعو إلى تبني منهج "حفري" يقوم على تفكيك التراث والإصغاء إلى مسكوتاته وتناقضاته، جاعلاً من الهوية مشروعاً حيوياً ومفتوحاً للتحول والاختلاف، وليس جوهراً ثابتاً ومكتملاً.
4. ما التمييز الذي يقيمه المؤلف بين "الإيديولوجيا" و"السر"؟
يرى المؤلف أن الإيديولوجيا تعتمد على التزييف والوهم، مما يجعلها بحاجة لمثقف يكشفها ويفضحها. في المقابل، يعمل السر بمنطق معاكس؛ فقوته تكمن في بقائه مخفياً ولا يُعرف بكشفه. هذا الانتقال في المجتمعات الحديثة من هيمنة "الإيديولوجيا" إلى عصر "الأسرار" هو ما يفسر تراجع دور المثقف التقليدي الذي اعتاد لعب دور "الكاشف".
5. ماذا يعني "التفكيك" وفقاً لرؤية بنعبد العالي؟
التفكيك هنا لا يُرادف الهدم أو العدمية، بل هو أداة نقدية عميقة تستهدف النصوص لكشف الديناميات والقوى الكامنة تحت سطحها. إنه يتخطى النقد التقليدي الذي يكتفي باستبدال حقيقة بأخرى، ليعمل بدلاً من ذلك على زعزعة الثنائيات الميتافيزيقية الراسخة وخلخلتها من الداخل.
6. ما هي ملامح المثقف المنشود في الواقع العربي المعاصر؟
يطمح الكتاب إلى ظهور مثقف متبنٍ لـ"ثقافة العين" النقدية؛ مثقف يتخلى عن دور "المفتي" الواثق الذي يوزع الإجابات الجاهزة واليقينيات. هذا المثقف الجديد يراجع خطابه الخاص ويفككه، ويكون ولاؤه الدائم للسؤال المستمر والبحث الفكري، بدلاً من الانغلاق على الرأي الواحد.
7. كيف ترتبط ثنائية (الأذن/العين) بمشروع الحداثة؟
يؤكد المؤلف أن الحداثة لا تُستورد كمنتجات جاهزة، بل هي مسار مستمر من التحديث والعقلنة. هذا المسار المعقد يحتاج إلى "عين" ناقدة قادرة على المراجعة الدائمة والحفاظ على المسافة التحليلية، ولا يمكن تحقيقه عبر "أذن" سلبية تكتفي باستهلاك مظاهر الحداثة دون الانخراط في مخاض إنتاجها الفكري والتاريخي.
رابط تحميل الكتاب PDF:
اضغط هنا لتحميل كتاب ثقافة الأذن وثقافة العين - عبد السلام بنعبد العالي
