أحدث كتب

تعرف على عالم الاجتماع يورغن هابرماس _ Jürgen Habermas

تعرف على عالم الاجتماع يورغن هابرماس _ Jürgen Habermas 

تعرف على عالم الاجتماع يورغن هابرماس _ Jürgen Habermas
تعرف على عالم الاجتماع يورغن هابرماس _ Jürgen Habermas 

المقدمة

يورغن هابرماس هو فيلسوف وعالم اجتماع ألماني معاصر، وأحد أهم منظري مدرسة فرانكفورت النقدية. ولد في عام 1929 وعاش تحت حكم النازية وشهد فظائعها. اهتم بقضايا الحداثة والتواصل والديمقراطية والحق، وحاول تأسيس أخلاق تواصلية تقوم على الاعتراف بالآخر والتحاور معه في فضاء عمومي مشترك. كتب العديد من الكتب والمقالات في مجالات مختلفة من الفلسفة والعلوم الاجتماعية، وحصل على العديد من الجوائز والشهادات الفخرية. يعتبر هابرماس واحدا من أكثر الفلاسفة الألمان تأثيرا وشهرة في العصر الحديث.

في هذه المقالة، سنتعرف على سيرته الذاتية ونظريته الفلسفية والاجتماعية، وسنستعرض أهم أعماله وجوائزه وتكريماته، وسنقيم أهمية وتأثير مساهماته في الفكر الألماني والعالمي.

السيرة الذاتية

ولد يورغن هابرماس في 18 يونيو 1929 في مدينة دوسلدورف الألمانية، وهو الابن الأكبر لثلاثة أبناء لأب يعمل كمدير تجاري وأم ربة منزل. نشأ في بيئة محافظة ومتدينة، ولم يتعرض للتأثير النازي بشكل مباشر، لكنه شهد الحرب العالمية الثانية والقصف الجوي الذي دمر مدينته ومنزله. بعد الحرب، انتقل إلى مدينة غوتنغن، حيث درس الفلسفة والتاريخ والعلوم السياسية والاقتصاد والعلوم الاجتماعية في جامعة غوتنغن وجامعة بون وجامعة زيورخ. تخرج في عام 1954 بدرجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة بون، بإشراف الفيلسوف الألماني إريك فويلين، وكان عنوان رسالته “النزاع الأخلاقي في شيلر”.

بعد تخرجه، عمل هابرماس كمساعد بحثي للفيلسوف الألماني ماكس هوركهيمر، مؤسس مدرسة فرانكفورت النقدية، والتي تضم مجموعة من الفلاسفة والعلماء الاجتماعيين الذين ينتقدون الحداثة والرأسمالية والفاشية والاستبداد. تأثر هابرماس بأفكار هوركهايمر وزملائه، مثل تيودور أدورنو وهربرت ماركوزه وفالتر بنيامين، وأصبح عضوا في مدرسة فرانكفورت الثانية، التي تحاول تجديد النقد الاجتماعي والفلسفي في ضوء التغيرات التاريخية والثقافية. في عام 1956، انتقل هابرماس إلى معهد البحوث الاجتماعية في فرانكفورت، حيث عمل كباحث ومحاضر ومدير. في عام 1961، حصل على درجة الأستاذية في الفلسفة من جامعة ماربورغ، بإشراف الفيلسوف الألماني فولفغانغ أبندروف، وكان عنوان رسالته “الهيكل التغيري للنشاط العام”.

في عام 1964، تولى هابرماس منصب أستاذ الفلسفة والعلوم الاجتماعية في جامعة فرانكفورت، وأصبح خليفة هوركهايمر وأدورنو في قيادة مدرسة فرانكفورت. في عام 1971، أسس مركز البحوث الاجتماعية في جامعة فرانكفورت، والذي يهدف إلى تطوير النظرية الاجتماعية والفلسفية والتحليل النقدي للمجتمع الحديث. في عام 1981، انتقل هابرماس إلى جامعة ميونخ، حيث عمل كأستاذ للفلسفة والعلوم الاجتماعية حتى تقاعده في عام 1994. بعد تقاعده، استمر هابرماس في الكتابة والمحاضرة والمشاركة في النقاشات العامة حول قضايا معاصرة، مثل الاتحاد الأوروبي والإسلام والإرهاب والعولمة والبيئة والدين والعلم والقانون والديمقراطية.

النظرية

يعتبر هابرماس واحدا من أبرز المنظرين النقديين للحداثة والتنوير، والذين يحاولون تفسير وتحليل وتقييم وتصحيح الأزمات والمشاكل والتحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة. يرى هابرماس أن الحداثة هي مشروع غير مكتمل، وأنه يمكن إنقاذه وإكماله من خلال تطوير نظرية تواصلية تربط بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية والتاريخ والنقد. يقوم هابرماس بتمييز بين ثلاثة أنواع من العقلانية: العقلانية الأداة، والتي تتعلق بالكفاءة والفعالية والتحكم في الطبيعة والمجتمع، والعقلانية القيمية، والتي تتعلق بالمعايير والأهداف والمعنى والقيم، والعقلانية التواصلية، والتي تتعلق بالتفاهم والتوافق والتضامن والحوار. ينتقد هابرماس العقلانية الأداة لأنها تهمش وتقمع العقلانية القيمية والتواصلية، وتؤدي إلى تشويه وتحول العمل واللغة والثقافة والفن والدين والسياسة إلى سلع وأدوات للسيطرة والاستغلال. يدعو هابرماس إلى إعادة توازن العقلانية الأداة مع العقلانية القيمية والتواصلية، وإلى تحرير القوى الإبداعية والنقدية والتحولية للعقل البشري.

لتحقيق هذا الهدف، يقدم هابرماس نظرية الفعل التواصلي، والتي تهدف إلى تحليل وتفسير وتحسين العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية في المجتمعات الحديثة. يعتبر هابرماس أن الفعل التواصلي هو النوع الأساسي والأصلي من الفعل الإنساني، والذي يقوم على استخدام اللغة للتفاهم والتعاون والتنسيق مع الآخرين. يرى هابرماس أن الفعل التواصلي يتطلب الالتزام بأربعة أنواع من الادعاءات أو المطالبات الحقيقية: الحقيقة، والتي تتعلق بالمطابقة بين الكلام والواقع، والصحة، والتي تتعلق بالمطابقة بين الكلام والقواعد والمعايير، والصدق، والتي تتعلق بالمطابقة بين الكلام والنوايا والمشاعر، والملاءمة، والتي تتعلق بالمطابقة بين الكلام والسياق والظروف. يعتقد هابرماس أن هذه الادعاءات الحقيقية يمكن أن تكون موضع تحدي وتبرير ونقاش في فضاء عمومي مفتوح وديمقراطي، وأنها تشكل أساسا للتوافق والتضامن والعدالة.

يستخدم هابرماس نظرية الفعل التواصلي لتحليل التحول الهيكلي في المجال العام، والذي يعني مجموعة من المؤسسات والمنتديات والوسائط التي تسمح بالمشاركة والتأثير في الشأن العام. يرى هابرماس أن المجال العام قد مر بثلاثة مراحل تاريخية: المجال العام الأصيل، والذي كان موجودا في العصور الوسطى والمبكرة الحديثة، والذي كان يتميز بالتفاعل المباشر والمشاركة الشعبية والتنوع الثقافي والديني، والمجال العام الليبرالي، والذي ظهر في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، والذي كان يتميز بالنقاش العقلاني والنقدي والسياسي والاجتماعي بين النخبة المثقفة والمدنية، والمجال العام الإداري، والذي بدأ في القرن العشرين والحادي والعشرين، والذي يتميز بالتأثير الهائل للدولة والسوق والإعلام والتكنولوجيا على الرأي العام والمشاركة السياسية. ينتقد هابرماس المجال العام الإداري لأنه يقوض العقلانية والديمقراطية والتواصلية، ويؤدي إلى تفكك وتبعية وتسلط وتحول العموم إلى خاص. يدعو هابرماس إلى إحياء وتجديد المجال العام الليبرالي، وإلى توسيعه وتعميمه وتعدديته وتشاركيته، وإلى تحويله إلى مجال عام تواصلي، يضم جميع الفئات والجماعات والهويات والمصالح في المجتمع.

الأعمال الرئيسية

كتب هابرماس العديد من الكتب والمقالات في مجالات مختلفة من الفلسفة والعلوم الاجتماعية، والتي تعكس تطور وتنوع وتعقيد نظريته. من أهم أعماله:

  • النزاع الأخلاقي في شيلر (1954): هي رسالة الدكتوراه الأولى لهابرماس، والتي تتناول العلاقة بين الفلسفة والأدب والسياسة في مسرحيات شيلر، وتحلل الصراع بين الأخلاق الكانطية والأخلاق الأرسطية في فكره.
  • تغير الوظيفة للفلسفة (1962): هي رسالة الأستاذية الثانية لهابرماس، والتي تبحث في تاريخ الفلسفة الألمانية من كانط إلى هيغل، وتنتقد الفلسفة الميتافيزيقية والموضوعية والمثالية، وتدعو إلى فلسفة نقدية وتواصلية وتاريخية.
  • العلم والتقنية كأيديولوجيا (1968): هي مجموعة من المقالات التي تناقش الدور والتأثير والحدود للعلم والتقنية في المجتمع الحديث، وتنتقد العقلانية الأداة والتقدمية والتحليلية، وتقدم نموذجا للعقلانية التواصلية والنقدية والتحولية.
  • المعرفة والمصلحة الإنسانية (1968): هي كتاب يحاول تأسيس نظرية اجتماعية نقدية تربط بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية، وتميز بين ثلاثة أنواع من المصالح الإنسانية التي تحدد ثلاثة أنواع من المعرفة: المصلحة الفنية، والتي تنتج المعرفة التجريبية والتحليلية، والمصلحة العملية، والتي تنتج المعرفة التفسيرية والتاريخية، والمصلحة النقدية، والتي تنتج المعرفة النقدية والتواصلية.
  • نظرية الفعل التواصلي (1981): هي كتاب مكون من مجلدين، وهو أهم وأشهر عمل لهابرماس، والذي يقدم نظرية شاملة ومتكاملة للمجتمع والثقافة واللغة والعقل والعمل والقانون والديمقراطية، ويستند إلى مفهوم الفعل التواصلي والعقلانية التواصلية، ويحاول تجاوز المناهج الإيديولوجية والميتافيزيقية والموضوعية والوظيفية في النظرية الاجتماعية.
  • الحداثة غير المكتملة (1985): هي مجموعة من المقالات التي تناقش الأبعاد الفلسفية والاجتماعية والسياسية والثقافية للحداثة والتنوير والمجال العام، وتنتقد النظريات الحديثة والما بعد الحديثة والمحافظة والماركسية، وتدافع عن مشروع الحداثة والتنوير والديمقراطية والتواصلية.
  • القانون والديمقراطية (1992): هي كتاب يحاول تطبيق نظرية الفعل التواصلي على القانون والديمقراطية والحقوق الإنسانية والمواطنة والهوية والتعددية والعولمة، ويناقش الشروط والمعايير والمشاكل والحلول لإنشاء مجتمع ديمقراطي تواصلي.
  • الإيمان والمعرفة (2001): هي مجموعة من المقالات التي تتناول العلاقة بين الدين والعلم والفلسفة والعلمانية والحداثة، وتنتقد العقلانية العلمية والتقنية والتحليلية، وتقدم نموذجا للعقلانية التواصلية والنقدية والتحولية، وتدعو إلى حوار بناء بين المؤمنين والملحدين والمعتدلين والمتطرفين.

الخاتمة

في هذه المقالة، تعرفنا على الفيلسوف والعالم الاجتماعي الألماني يورغن هابرماس، وسيرته الذاتية ونظريته الفلسفية والاجتماعية، وأهم أعماله وجوائزه وتكريماته. رأينا كيف أن هابرماس هو واحد من أبرز المنظرين النقديين للحداثة والتنوير، والذين يحاولون تفسير وتحليل وتقييم وتصحيح الأزمات والمشاكل والتحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة. شاهدنا كيف أن هابرماس يقدم نظرية تواصلية تربط بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية والتاريخ والنقد، وتستند إلى مفهوم الفعل التواصلي والعقلانية التواصلية، وتهدف إلى تطوير العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية في المجتمعات الحديثة. تقيمنا أهمية وتأثير مساهمات هابرماس في الفكر الألماني والعالمي، وتأثيره على النقاشات والقضايا المعاصرة.

يمكننا القول إن هابرماس هو فيلسوف وعالم اجتماعي متميز ومبدع ونقدي وتواصلي، وأنه يقدم رؤية واقعية ومنهجية ومنصفة ومتوازنة للحداثة والتنوير والمجال العام. يمكننا أن نستفيد من أفكاره ومنهجه في فهم وتحسين وتحول مجتمعاتنا وثقافاتنا وسياساتنا وقانوننا وديمقراطيتنا. نأمل أن تكون هذه المقالة قد أثارت اهتمامك وفضولك بالتعرف أكثر على هابرماس وأعماله ونظريته. شكرا لقراءتك. 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-