📁 أحدث المراجع الأكاديمية

كتاب أزمة الطبقات الوسطى في المشرق العربي - إليزابيت لونغنيس_.pdf

أزمة الطبقات الوسطى في المشرق العربي: ملخص شامل لكتاب إليزابيت لونغنيس عن المهن العليا والتغيير الاجتماعي​ 

​مقدمة:

​هل يمكن أن تتحول "النخب المعصرنة"، التي حملت لواء التقدم والعلم في المشرق العربي، إلى وقود لأزمة اجتماعية طاحنة؟ في كتابها الصادر عن المركز الوطني للأبحاث العلمية في ليون، لا تكتفي الباحثة إليزابيت لونغنيس برصد سير المهن العليا، بل تطرح سؤالاً وجودياً: كيف تحول المهندس والطبيب والمحامي، الذي كان يُنظر إليه باعتباره ركيزة "التنمية" ودولة ما بعد الاستعمار، من بطلٍ للنهضة إلى عنصر يعاني من البطالة والتهميش وصراعات التصنيف؟ عبر خمسة عشر عاماً من البحث الميداني في سوريا ومصر ولبنان والأردن، يقدم الكتاب تشريحاً سوسيولوجياً عميقاً لأزمة ليست اقتصادية فحسب، بل هي أزمة "نموذج إدراكي" كامل.

غلاف كتاب أزمة الطبقات الوسطى في المشرق العربي
غلاف كتاب أزمة الطبقات الوسطى في المشرق العربي.

​بطاقة معلومات الكتاب

  • العنوان الكامل: أزمة الطبقات الوسطى في المشرق العربي: المهن العليا ودورها في التغيير الاجتماعي
  • المؤلفة: إليزابيت لونغنيس (Élisabeth Longuenesse)
  • الترجمة: رندة بعث (مع إشراف المؤلفة على الترجمة والتصحيحات).
  • المجال: سوسيولوجيا المهن، التاريخ الاجتماعي للمشرق العربي.
  • الفضاء الجغرافي المدروس: مصر، سوريا، لبنان، الأردن.
  • الفترة الزمنية: من التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر حتى أواخر القرن العشرين.
  • المنهجية: بحث ميداني، مقابلات معمقة مع مهنيين، تحليل تاريخي مقارن.

​ملخص الكتاب: من "العصر الذهبي" إلى صراعات التصنيف 

​1. ما وراء النموذج الإدراكي: نقد السوسيولوجيا المركزية أوروبياً

​تبدأ لونغنيس كتابها باعتراف منهجي شجاع في النسخة العربية، حيث تقر بأنها تكتب من "وجهة نظر أوروبية" تحاول اختراق "المركزية الأوروبية" لعلم الاجتماع. تهدف الكاتبة إلى طرح أسس سوسيولوجيا للمهن في المشرق العربي، متجاوزةً النماذج الغربية الجاهزة. يركز الكتاب على "المجموعات المهنية" التي ارتبطت عضوياً بمشروع "التنمية" الوطني، وفي مقدمتهم المهندسون والأطباء. وتجادل بأن شرعية هذه المهن الجديدة لم تعد تستند إلى التقليد العلمي العربي الإسلامي القديم، بل إلى "استيراد العلوم الأوروبية"، مما خلق قطيعة جذرية في المعرفة والممارسة.

​2. جذور الأزمة: من التنظيمات العثمانية إلى الدولة التنموية

​يؤصل الكتاب للأزمة بالعودة إلى القرن التاسع عشر، مع سياسة "التنظيمات" العثمانية ومن ثم مشاريع محمد علي في مصر. تُبرز لونغنيس شخصية علي باشا مبارك كرمز لتمثّل الدولة الحديثة، حيث اندمجت الهندسة بالخدمة العامة. ومع الانتدابين الفرنسي والبريطاني، تعززت بيروقراطيات حديثة احتاجت إلى كفاءات محلية. في هذه الحقبة، تشكل ما تسميه الكاتبة "النخب المعصرنة" أو "الطبقات الوسطى الجديدة" ، وهي فئة ارتبط صعودها بتملك المعرفة التقنية الحديثة.

اقتباس من الكتاب (صفحة 15):

"في القرن التاسع عشر، أدّى نشر العلوم الأوروبيّة في المشرق العربي إلى قطيعة جذريّة مع المعارف والممارسات الموروثة من التقليد العلمي العربي - الإسلامي القديم. بتنا نشهد إعادة اختراع لمهن أصبحت شرعيّتها تستند إلى استيراد العلوم الأوروبيّة."

​3. المهندسون في سوريا: مثُال للصعود والسقوط

​تتخذ لونغنيس من المهندسين السوريين مختبراً لتحليل الظاهرة. مع تأسيس جامعة دمشق وتوسع التعليم العالي المجاني، تحول المهندس إلى نموذج للحراك الاجتماعي الصاعد. لعقود ما بعد الاستقلال، كان المهندس يجد مكانه الطبيعي في مؤسسات الدولة أو في القطاع الخاص الناشئ. لكن هذه الصورة المثالية لم تدم. فمع تضخم أعداد الخريجين بشكل جنوني (من بضع مئات إلى عشرات الآلاف)، وفشل مشاريع التصنيع الثقيل، انهارت المعادلة. توقفت الدولة عن التوظيف المضمون، ودخل آلاف المهندسين الشباب في دوامة البطالة أو العمل في وظائف لا تليق بمؤهلاتهم.

اقتباس من الكتاب (صفحة 118):

"نالت جميع الخريجيات الجدد وظيفةً إذاً. في الواقع، تنامت نسبة الإناث في مكاتب الدراسات، والدوائر الفنية في الوزارات، والجامعات. وفي حين أنّ..."

(توثق الكاتبة هنا ذروة الثقة في التوظيف الحكومي قبل أن تتحول إلى سراب).

​4. النقابات المهنية: بين التعبئة الوطنية وصراع الإسلاميين واليسار

​يخصص الكتاب فصلاً هاماً لدور النقابات المهنية (كنقابتي المهندسين والأطباء) كفضاءات للتعبئة السياسية. ترى لونغنيس أن هذه النقابات، التي تأسست في سياق النضال ضد الاستعمار، كانت تحمل مشروعاً مزدوجاً: الدفاع عن المهنة واحتكارها، والمساهمة في بناء الدولة الوطنية. لكن مع الأزمة الاقتصادية، تحولت هذه النقابات إلى ساحات صراع بين القوى السياسية، خصوصاً بين اليسار والإخوان المسلمين. في سوريا، تشير الكاتبة إلى أن سيطرة الإسلاميين على نقابة المهندسين في السبعينات كانت تعبيراً عن أزمة جيل جديد من المهندسين، معظمهم من أصول ريفية أو من أبناء المدن الصغرى، شعروا بالإحباط والغبن مقارنة بالجيل الليبرالي الأول.

اقتباس من الكتاب (صفحة 124):

"كانوا يحملون التحوّل العميق في المجتمع السوري في السبعينات، وهو تحوّل يختلط فيه الأمل والإحباطات وأزمة القيم اختلاطاً لا تمييز فيه."

​5. صراعات التصنيف: المهندس مقابل الفنّي والخبير

​في الفصل الرابع، تغوص لونغنيس في مفهوم "صراعات التصنيف". مع ازدياد أعداد حملة الشهادات الجامعية، أصبح مجرد الحصول على لقب "مهندس" غير كافٍ لضمان المكانة الاجتماعية. تشرح الكاتبة كيف حاولت النقابات المهنية الدفع باتجاه قوانين تحصر ممارسة المهنة في حملة شهادات معينة، مستبعدةً "الفنيين" و"خريجي المعاهد المتوسطة". كما تتناول حالة المحاسبين القانونيين في الأردن ولبنان ومصر، موضحة كيف يتم استخدام القوانين والمعايير الدولية (مثل معايير المحاسبة الدولية) كأدوات لإعادة إنتاج النخبة الاقتصادية واستبعاد صغار الممارسين.

اقتباس من الكتاب (صفحة 162):

"الأمر يتعلق حقاً بجهدٍ لحصر الممارسة بمهنيين أكفاء. لكن الأنداد هم الذين يحكمون بدايةً على الكفاءة."

​6. نخب ما بعد الأزمة: "المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا"

​بينما يعاني عموم المهندسين من انحدار المكانة، ترصد لونغنيس بذكاء محاولات النظام السوري لخلق "نخبة تقنية جديدة" فوق الأزمة. تستعرض قصة بسام ونيه والمعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا في دمشق. هذا المعهد، الذي تأسس عام 1976 ويديره مقربون من الجيش، صُمم لاستقطاب أذكى الطلاب لتدريسهم بالفرنسية وإرسال أفضلهم إلى المدارس الكبرى في فرنسا. الهدف كان إنتاج جيل جديد من المهندسين لخدمة مركز الدراسات والأبحاث العلمية العسكري والصناعات الدقيقة. إنها استراتيجية "تجاوز" الأزمة عبر خلق مسار تعليمي نخبوي منعزل، مما يعمق الشرخ داخل الطبقة الوسطى نفسها.

اقتباس من الكتاب (صفحة 130):

"كان المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا يهدف إلى تأهيل مهندسين رفيعي المستوى... بعد تدريس مكثف للغة الفرنسية... كان أفضل الطلاب يتقدمون لمسابقات المدارس الفرنسية الكبرى."

​خاتمة: نهاية النموذج الإدراكي التنموي

​تخلص لونغنيس إلى أن ما حدث ليس مجرد أزمة بطالة، بل هو انهيار "نموذج إدراكي" كامل. لقد قام المشروع الوطني في المشرق على فكرة أن العلم والتقنية هما مفتاحا التقدم الاجتماعي، وأن الدولة هي راعية هذا المشروع. لكن مع تضخم التعليم وفشل الدولة في توفير فرص عمل لائقة، فقدت "الطبقة الوسطى الجديدة" بوصلتها. لم يعد المهندس يرى نفسه "نخبة" تقود المجتمع، بل موظفاً عادياً أو عاطلاً عن العمل. هذا الفشل هو الذي غذى أزمة القيم وصعود التيارات الإسلامية التي استطاعت استقطاب هذه الفئات المحبطة.

قد يهمك أيضا قراءة:  كتاب مداخل إلى التحليل الطبقي PDF

​أسئلة شائعة (FAQ)

1. ما هو المفهوم المحوري الذي يميز كتاب إليزابيت لونغنيس عن غيره من دراسات الطبقة الوسطى العربية؟

يركز الكتاب على مفهوم "النموذج الإدراكي" للتنمية. لا تدرس لونغنيس فقط الدخل أو الوظيفة، بل تدرس كيف أن تصور المهنيين لأنفسهم (كمهندسين/أطباء يقودون المجتمع نحو التقدم) قد تحطم بفعل السياسات الاقتصادية وتضخم التعليم.

2. كيف تفسر الكاتبة صعود الإسلاميين في نقابات المهندسين والأطباء في سوريا ومصر؟

تربط الكاتبة ذلك بالتحول الديموغرافي والاجتماعي. الجيل الأول من المهندسين كانوا من خلفيات مدينية ثرية. أما الجيل الجديد في السبعينات والثمانينات، فغالبيته من أبناء الريف أو المهاجرين الجدد إلى المدن. هؤلاء وجدوا في الخطاب الإسلامي النقيض الأخلاقي لإخفاق الدولة التنموي، وخطاباً يعبر عن إحباطهم من غياب العدالة الاجتماعية.

3. هل يناقش الكتاب دور المرأة في هذه المهن العليا؟

نعم، خصصت لونغنيس أجزاء مهمة لتحليل تأنيث المهن، خصوصاً في سوريا. تشير إلى مفارقة لافتة: في جامعة اللاذقية، نسبة الإناث في الهندسة أعلى بكثير من دمشق وحلب، وتعزو ذلك جزئياً إلى عوامل اجتماعية واقتصادية مرتبطة بالمجتمع العلوي والمسيحي، حيث عمل المرأة خارج المنزل كان سائداً لأسباب طبقية وتاريخية.

4. ما هو "المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا" ولماذا هو مهم في سردية الكتاب؟

هو معهد نخبوي تأسس في سوريا عام 1976 لاستقطاب أمهر الطلاب وتدريسهم لإلحاقهم بالجيش أو مراكز الأبحاث العسكرية. يرمز هذا المعهد إلى محاولة النظام الالتفاف على أزمة التعليم الجماهيري عبر خلق نخبة تقنية فائقة التميز، مما يكرس التفاوت داخل الطبقة الوسطى نفسها.

5. ما الفرق بين مقاربة لونغنيس في سوريا ومصر؟

في مصر، تركز على الصراع القانوني والنقابي حول "من هو المحامي/المهندس الحقيقي؟" في ظل الانفتاح الاقتصادي (الانفتاح) وتضخم الخريجين. في سوريا، تركز أكثر على البعد السياسي - الأمني لعلاقة المهنيين بالدولة البعثية.

​رابط تحميل الكتاب

تحميل كتاب إليزابيت لونغنيس - أزمة الطبقات الوسطى في المشرق العربي PDF

تعليقات