كتاب قواعد المنهج في علم الاجتماع: إميل دوركايم وأسس البحث العلمي
قواعد المنهج في علم الاجتماع : حين أسس إميل دوركايم علمًا جديدًا من رحم "الأشياء الاجتماعية"
مقدمة: كيف يمكن دراسة المجتمع "كشيء"؟
منذ أواخر القرن التاسع عشر، كان ثمة سؤال جوهري يشغل بال المفكرين: كيف يمكن لعلم الاجتماع أن يرتقي ليصبح علمًا وضعيًا مستقلاً، له موضوعه ومنهجه الخاص، مثل البيولوجيا أو الفيزياء؟ في وقت كانت فيه الفلسفة وعلم النفس يهيمنان على تفسير السلوك البشري، جاء الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم (Émile Durkheim) ليقدم إجابة ثورية من خلال كتابه التأسيسي "قواعد المنهج في علم الاجتماع" (Les Règles de la méthode sociologique). لم يكن طموحه أقل من "خلق مجال خاص بعلم الاجتماع ذي هوية محددة ومنفصلة عن فروع المعرفة الأخرى". يقدم هذا الكتاب، الذي يعد دستور البحث السوسيولوجي، مجموعة من القواعد الصارمة التي تهدف إلى تحويل المجتمع إلى موضوع للدراسة العلمية الموضوعية، متجاوزًا الأفكار المسبقة والشائعة.
![]() |
| غلاف كتاب قواعد المنهج في علم الاجتماع_إميل دوركايم. |
الظاهرة الاجتماعية: موضوع جديد للعلم
في قلب مشروع دوركايم يقف مفهوم "الظاهرة الاجتماعية" (Fait social)، الذي يسعى إلى تعريفه بدقة في الفصل الأول. يرفض دوركايم اختزال المجتمع إلى مجرد مجموع من الأفراد أو حالاتهم النفسية. بالنسبة له، الظاهرة الاجتماعية هي "كل ضرب من السلوك، ثابتًا كان أو غير ثابت، يمكن أن يباشر على الفرد قهرًا خارجيًا... والذي له وجود خاص مستقل عن الصور التي يتشكل بها في كل شعور فردي على حدة". بعبارة أخرى، هي طرق في الفعل والتفكير والشعور توجد خارج الفرد وتفرض نفسها عليه بقوة إلزامية.
يقدم دوركايم أمثلة حية على هذا "القهر الخارجي" (Contrainte extérieure). فعندما يؤدي الفرد واجباته كأخ أو زوج أو مواطن، أو عندما يلتزم بقواعد مهنته، فإنه يطيع نظامًا قائمًا خارج شعوره. يوضح قائلاً: "إذا حاولت خرق القواعد القانونية فإنها تتصدى لمقاومتي بصور مختلفة؛ وذلك إما بأن تحول دون نفاذ فعلي... وإما بأن تلزمني بالإعراض عنه إذا لم يمكن جبره بحال". حتى عندما نستسلم لهذه القواعد طواعية، فإن القهر لا يختفي، بل يظل كامنًا، تمامًا مثل "الهواء يظل ثقيل الضغط، وإن لم نشعر بثقله".
القاعدة الأولى: دراسة الظواهر الاجتماعية "كأشياء"
ينطلق دوركايم من مبدأ أساسي: ليكون علم الاجتماع موضوعيًا، يجب على الباحث أن يتعامل مع الظواهر الاجتماعية على أنها "أشياء" (Choses). هذا يعني التخلص من كل الأفكار المسبقة والمفاهيم العامية التي كونها الناس عن الحياة الاجتماعية. يحذر دوركايم من أن هذه الأفكار، بدلاً من أن تكون أدوات للمعرفة، هي "حجاب بيننا وبين الأشياء، وكلما ظننا أنه شفاف كان أشد إخفاءً للحقيقة". إن عالم الاجتماع، مثله مثل عالم الطبيعة، يجب أن يبدأ من "الإحساس" (Sensation) والملاحظة المباشرة للظواهر، وليس من "المفاهيم" (Concepts) الذهنية الجاهزة.
لذلك، يضع دوركايم قاعدته الذهبية: "يجب على عالم الاجتماع... أن يعتبر الظواهر الاجتماعية أشياءً مستقلة عن الذات الواعية التي تكون لنفسها فكرة عنها... وأن يدرسها من الخارج على أنها أشياء خارجية". ويضيف قاعدة منهجية حاسمة: "يجب على الباحث ألا يتخذ من أفكاره أساسًا لبحثه، بل أن يبني بحثه على الظواهر نفسها، وأن يبدأ بتعريف الظواهر التي يدرسها تعريفًا دقيقًا". هذا التعريف يجب أن يستند إلى "خواص خارجية" (Propriétés extérieures) يمكن ملاحظتها بشكل موضوعي، وليس على جوهرها المفترض.
التمييز بين السليم والمعتل: معيار "المتوسط"
في فصل لاحق، يتناول دوركايم إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل: كيف يمكن التمييز بين "الظواهر السليمة" (Normal) و"الظواهر المعتلة" (Pathologique) في المجتمع؟ يرفض المعايير الذاتية القائمة على الألم أو المنفعة الفردية. بدلاً من ذلك، يقترح معيارًا موضوعيًا مستندًا إلى فكرة "النموذج المتوسط" (Type moyen). فالظاهرة السليمة، في نظره، هي تلك التي تنتشر في مجتمع معين في مرحلة معينة من تطوره، أي أنها "متوسطة". أما الظاهرة المعتلة فهي الاستثناء، أي ما ينحرف عن هذا المتوسط.
يؤكد دوركايم أن "صحة أدنى الفصائل الحيوانية ليست مرتبة أقل في شيء من صحة أكثرها رقيًا. وتنطبق أيضًا هذه القاعدة نفسها على الظواهر الاجتماعية". وبالتالي، لا يمكن الحكم على ظاهرة ما بأنها "معتلة" إلا بالرجوع إلى "نوع اجتماعي معين" (Type social). ومن المثير للجدل، أنه طبق هذا المعيار على الجريمة، ليخلص إلى أنها ظاهرة اجتماعية سليمة، لأنها "عامل لا بد منه لسلامة المجتمع، وأنها جزء لا يتجزأ من كل مجتمع سليم". فالجريمة، بوصفها خرقًا للوعي الجمعي، تؤدي وظيفة حيوية في توضيح الحدود الأخلاقية للمجتمع وإعادة تأكيدها.
تصنيف الأنواع الاجتماعية: نحو مورفولوجيا اجتماعية
إذا كانت الظواهر تختلف باختلاف المجتمعات، فكيف يمكن تصنيف هذه المجتمعات نفسها؟ يخصص دوركايم فصلًا لتأسيس ما يسميه "المورفولوجيا الاجتماعية" (Morphologie sociale). يرفض فكرة أن المجتمعات هي مجرد امتداد لبعضها البعض في سلسلة تطورية واحدة، كما تصور أوجست كونت. بدلاً من ذلك، يقترح تصنيف المجتمعات بناءً على "درجة تركيبها" (Degré de composition). يبدأ بأبسط وحدة اجتماعية، وهي "الزمرة" (La horde)، التي لا تتكون من أي مجموعات أخرى سابقة، ثم يتتبع كيف أن اتحاد هذه الزمر يؤدي إلى نشوء مجتمعات أكثر تعقيدًا مثل العشائر ثم القبائل ثم الدول.
يصرح قائلاً: "فإذا استطعنا الوقوف على أبسط المجتمعات تركيبًا بحسب الواقع، فما علينا، في هذه الحال، إذا أردنا تصنيف المجتمعات إلا أن نتبع الطريقة التي سلكها هذا المجتمع البسيط حينما اتحد مع مجتمع من نوعه". هذا التصنيف ليس مجرد توصيف شكلي، بل هو أساس لفهم القوانين التي تحكم تطور المجتمعات، حيث أن لكل نوع اجتماعي "صحته الخاصة به" وطريقة عمله المميزة.
تفسير الظواهر الاجتماعية: السبب والوظيفة
في ذروة كتابه، يضع دوركايم قواعد تفسير الظواهر الاجتماعية. وهو يرفض بشكل قاطع النزعة النفسية التي تفسر المجتمع بالرجوع إلى دوافع الأفراد أو ميولهم الفطرية. بالنسبة له، "يجب البحث عن السبب في وجود إحدى الظواهر الاجتماعية بين الظواهر الاجتماعية السابقة لها لا بين الحالات النفسية التي تمر بشعور الفرد". إن المجتمع ليس انعكاسًا للطبيعة الإنسانية، بل هو كيان له قوانينه الخاصة التي لا يمكن اختزالها إلى المستوى الفردي.
علاوة على ذلك، يميز دوركايم تمييزًا حاسمًا بين "السبب" (Cause) الذي يؤدي إلى وجود الظاهرة، و"الوظيفة" (Fonction) التي تؤديها. ينتقد بشدة التفسيرات الغائية التي تخلط بين الاثنين، معتبرًا أن "بيان الفائدة التي تعود بها الظاهرة على المجتمع ليس تفسيرًا لطريقة نشأتها... وذلك لأن الخدمات التي تؤديها الظاهرة ليست سببًا في وجودها، بل هي نتيجة طبيعية تترتب على صفاتها النوعية". على سبيل المثال، وظيفة العقاب هي الحفاظ على حيوية الوعي الجمعي، لكن سبب وجوده هو رد الفعل الاجتماعي العاطفي الناتج عن خدش هذا الوعي.
المحرك الأساسي للتفسير الاجتماعي، في نظر دوركايم، هو "البيئة الاجتماعية الداخلية" (Milieu social interne). وهي تتكون من "حجم المجتمع ودرجة تركزه". فكلما زاد عدد الأفراد الذين يتفاعلون معًا، وكلما زادت كثافة هذا التفاعل، زادت حدة المنافسة والتعاون، مما يؤدي إلى تحولات عميقة في بنية المجتمع (مثل الانتقال من التضامن الآلي إلى التضامن العضوي).
الطريقة المقارنة: الأداة الوحيدة للإثبات
بما أن عالم الاجتماع لا يستطيع إجراء تجارب مخبرية على المجتمع، فإن "طريقة المقارنة" (Méthode comparative) هي، بحسب دوركايم، "الطريقة الوحيدة التي تتناسب مع طبيعة الموضوع الذي يدرسه علم الاجتماع". لكنه يحذر من الاستخدام الساذج لهذه الطريقة. فليس المطلوب مجرد تجميع حالات متشابهة، بل تطبيق "طريقة الاختلاف" (Méthode de variation concomitante) بشكل منهجي. هذا يعني دراسة كيفية تغير ظاهرة اجتماعية ما تبعًا لتغير ظاهرة أخرى في سياقات مختلفة، للوصول إلى علاقات سببية دقيقة، بعيدًا عن التعميمات الغامضة.
خاتمة: إرث دوركايم ونظرته للعلم
يبقى "قواعد المنهج في علم الاجتماع" نصًا مؤسسًا ليس فقط لأنه قدم لعلم الاجتماع موضوعًا (الظواهر الاجتماعية) ومنهجًا (الملاحظة الموضوعية والمقارنة)، بل لأنه دافع بقوة عن استقلالية "المستوى الاجتماعي" في التحليل. علم دوركايم أن مهمته كانت محفوفة بالمقاومة، خاصة من "العاطفة" التي "تساهم في الأخذ بناصر هذه الأفكار الشائعة". ومع ذلك، أصر على أن "العاطفة أحد الموضوعات التي يدرسها العلم، ولكنها ليست مقياسًا للحقيقة العلمية". في زمننا الحاضر، حيث تختلط الآراء بالحقائق، لا يزال إصرار دوركايم على الموضوعية والصرامة المنهجية يمثل درسًا بليغًا لكل باحث في العلوم الإنسانية.
بطاقة معلومات الكتاب
| العنصر | التفاصيل |
|---|---|
| العنوان الأصلي | Les Règles de la méthode sociologique |
| المؤلف | إميل دوركايم (Émile Durkheim) |
| المترجم | د. محمود قاسم |
| المراجع | أ.د. السيد محمد بدوي |
| الناشر | دار المعارف (القاهرة) |
| لمن هذا الكتاب؟ | لطلاب علم الاجتماع والعلوم الإنسانية على اختلاف تخصصاتهم، وللباحثين في الفلسفة الوضعية والمناهج العلمية، ولكل من يرغب في فهم الأسس النظرية والمنهجية التي قام عليها علم الاجتماع الحديث. |
أسئلة شائعة (FAQ)
س1: ما هو "القهر الخارجي" الذي تتسم به الظاهرة الاجتماعية عند دوركايم؟
القهر الخارجي هو الخاصية الجوهرية للظاهرة الاجتماعية، ويعني أن طرق الفعل والتفكير الجمعية توجد خارج الفرد وتفرض نفسها عليه، سواء أراد ذلك أم لا. ويتجلى هذا القهر بشكل واضح في القواعد القانونية والخلقية والدينية، حيث يواجه الفرد مقاومة اجتماعية وعقوبات إذا حاول خرقها.
س2: لماذا أصر دوركايم على دراسة الظواهر الاجتماعية "كأشياء"؟
أصر دوركايم على هذه القاعدة لكي يؤسس علم الاجتماع كعلم وضعي موضوعي، أسوة بالعلوم الطبيعية. فهو يرى أن الباحثين في الشأن الاجتماعي غالبًا ما ينطلقون من أفكارهم المسبقة وأحكامهم القيمية بدلاً من ملاحظة الواقع. والتعامل مع الظاهرة "كشيء" يعني دراستها من الخارج، عبر خواصها القابلة للملاحظة، دون تحيز.
س3: كيف ميز دوركايم بين السبب والوظيفة في تفسير الظاهرة الاجتماعية؟
السبب هو مجموعة الظواهر الاجتماعية السابقة التي أدت إلى وجود الظاهرة المدروسة. أما الوظيفة فهي "الحاجات العامة للكائن الاجتماعي" التي تلبيها هذه الظاهرة. فمثلاً، سبب وجود العقاب هو رد الفعل العاطفي الجمعي ضد من يخدش الوعي المشترك، بينما وظيفته هي الحفاظ على هذا الوعي وتماسك المجتمع.
س4: ما هو موقف دوركايم من اعتبار الجريمة ظاهرة "سليمة"؟
يعتبر دوركايم الجريمة ظاهرة اجتماعية سليمة لأنها توجد في كل المجتمعات دون استثناء، مما يعني أنها مرتبطة بالشروط الأساسية للحياة الاجتماعية. بالإضافة إلى ذلك، فهي تؤدي وظيفة مفيدة، إذ أن رد فعل المجتمع ضد الجريمة (العقاب) يعمل على إعادة تأكيد القيم والمعايير المشتركة، مما يقوي الوعي الجمعي والتماسك الاجتماعي.
س5: لماذا تعتبر "طريقة المقارنة" هي المنهج الأساسي في علم الاجتماع الدوركايمي؟
لأن الظواهر الاجتماعية شديدة التعقيد ولا يمكن عزلها في المختبر لإجراء تجارب مباشرة عليها. لذلك، فإن المقارنة المنهجية بين مجتمعات مختلفة أو فترات تاريخية مختلفة، لملاحظة كيف تتغير ظاهرة معينة بتغير ظاهرة أخرى (طريقة الاختلاف)، هي السبيل الوحيد للكشف عن العلاقات السببية والقوانين التي تحكم الحياة الاجتماعية.
رابط التحميل: تحميل كتاب قواعد المنهج في علم الاجتماع_إميل دوركايم.pdf
