أحدث كتب

مساهمات إميل دوركايم في علم الاجتماع

مساهمات إميل دوركايم في علم الاجتماع 

مساهمات إميل دوركايم في علم الاجتماع
مساهمات إميل دوركايم في علم الاجتماع 

إميل دوركهايم هو فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي، ويعتبر أحد مؤسسي علم الاجتماع الحديث. وضع لهذا العلم منهجية مستقلة تقوم على النظرية والتجريب في آن معا. أبرز آثاره «في تقسيم العمل الاجتماعي»، و «قواعد المنهج السوسيولوجي»، و«الانتحار»، و«الأشكال الأولية للحياة الدينية».

في هذه المقالة، سأحاول تلخيص أهم مفاهيم ومساهمات دوركهايم في علم الاجتماع، وتحليل نقاط القوة والضعف في فكره.

الضمير الجمعي والتضامن الاجتماعي

كان دوركهايم مهتما بكيفية حفظ المجتمعات انسجامها وتماسكها في ظل التغيرات الاجتماعية والثقافية التي أحدثتها الحداثة. واستخدم مفهوم الضمير الجمعي للدلالة على مجموعة المعتقدات والقيم والأحكام التي تشترك فيها أفراد المجتمع، والتي تشكل أساس الانتماء والهوية الاجتماعية. وفقا لدوركهايم، فإن الضمير الجمعي يمكن أن يكون من نوعين: الضمير الجمعي الميكانيكي، والضمير الجمعي العضوي.

الضمير الجمعي الميكانيكي هو الذي يسود في المجتمعات البدائية أو التقليدية، حيث يكون الأفراد متشابهين في مهنهم ومعتقداتهم وأساليب حياتهم. في هذه المجتمعات، يكون التضامن الاجتماعي قائما على التشابه والتقارب، ويتم تطبيق القوانين والعقوبات بصرامة لضمان الانصياع للضمير الجمعي.

الضمير الجمعي العضوي هو الذي يسود في المجتمعات الحديثة أو المتقدمة، حيث يكون الأفراد مختلفين في مهنهم ومعارفهم واهتماماتهم. في هذه المجتمعات، يكون التضامن الاجتماعي قائما على التكامل والتعاون، ويتم الاعتراف بالحرية الفردية والتنوع الثقافي، بشرط عدم التعارض مع المصلحة العامة.

الوظيفة الاجتماعية والحقيقة الاجتماعية

كان دوركهايم من أوائل العلماء الذين اعتبروا علم الاجتماع علما مستقلا وشرعيا، يمتلك موضوعه ومنهجه الخاص. وقد حدد موضوع علم الاجتماع بأنه الحقائق الاجتماعية، أي الظواهر التي تنشأ من تفاعل الأفراد في المجتمع، وتؤثر على سلوكهم وتفكيرهم. ومن أمثلة الحقائق الاجتماعية: اللغة، والدين، والقانون، والأخلاق، والتعليم، والفن، وغيرها.

وقد اقترح دوركهايم أن علم الاجتماع يجب أن يتبع المنهج الإيجابي، أي أن يعتمد على الملاحظة والتجربة والمقارنة، وأن يتجنب التأويلات الميتافيزيقية أو الأيديولوجية. وقد وضع مجموعة من القواعد للمنهج السوسيولوجي، من أهمها:

معالجة الحقائق الاجتماعية كأشياء، أي أن ينظر إليها بموضوعية وحيادية، وأن يفصل بينها وبين الآراء الشخصية أو العاطفية.


تحديد الحقائق الاجتماعية بدقة، أي أن يحدد ماهيتها وخصائصها ومظاهرها ومصادرها وتأثيراتها، وأن يستخدم مفاهيم واضحة ودقيقة لوصفها وتصنيفها.


تحديد السبب الاجتماعي للحقائق الاجتماعية، أي أن يبحث عن العوامل الاجتماعية التي تولد أو تؤثر في الحقائق الاجتماعية، وأن يتجنب الإرجاع إلى العوامل النفسية أو البيولوجية أو الطبيعية.


تحديد الوظيفة الاجتماعية للحقائق الاجتماعية، أي أن يبحث عن الدور أو الغرض أو الفائدة التي تقوم بها الحقائق الاجتماعية في المجتمع، وأن يتجنب الحكم عليها بالجيد أو السيء.


الانتحار والتكامل الاجتماعي

أحد أشهر وأهم أعمال دوركهايم هو كتابه «الانتحار»، الذي نشر في عام 1897. في هذا الكتاب، قام دوركهايم بدراسة ظاهرة الانتحار من منظور سوسيولوجي، ورفض أن يعتبرها ظاهرة فردية تعكس حالة نفسية أو عضوية مرضية. بل أرجعها إلى العوامل الاجتماعية التي تحدد مدى التكامل أو التفكك بين الفرد والمجتمع.

الدين والحياة الدينية

كان دوركهايم مهتما بدراسة الدين كظاهرة اجتماعية، وليس كمجموعة من المعتقدات الفردية أو الوحي الإلهي. وفي كتابه «الأشكال الأولية للحياة الدينية»، قام بتحليل الدين في المجتمعات البدائية، وخاصة الطوطمية، واستنتج أن الدين هو تعبير عن الضمير الجمعي والتضامن الاجتماعي. وبحسب دوركهايم، فإن الدين يقسم العالم إلى مقدس ودنس، ويمنح الأشياء والكائنات والظواهر معاني رمزية تتجاوز وظائفها العادية. ويقوم الأفراد بممارسة الطقوس الدينية لتقوية روابطهم مع المجتمع والتواصل مع القوة العليا التي تمثله.

وقد اعتبر دوركهايم أن الدين له وظيفة مهمة في المحافظة على النظام الاجتماعي والتوازن النفسي للأفراد، وأنه لا يمكن استبداله بالعلم أو الفلسفة أو الأخلاق. ولكنه أيضا أشار إلى أن الدين يمكن أن يكون مصدرا للصراع والتعصب والعنف، إذا تحول إلى شكل من أشكال الإلزام القهري أو الهيمنة الاجتماعية. ولذلك، دعا دوركهايم إلى إيجاد شكل جديد من الدين، يتماشى مع الحداثة والتنوع الثقافي، ويحترم الحرية الفردية والمصلحة العامة.

التعليم والتربية

كان دوركهايم أيضا مهتما بدراسة التعليم والتربية كعناصر أساسية في تشكيل الشخصية الاجتماعية للفرد ونقل الثقافة والتقاليد من جيل إلى جيل. وفي كتابه «التربية الأخلاقية»، قام بتحليل الأهداف والوسائل والمحتوى والطرق والمؤسسات التي تتعلق بالتعليم في المجتمعات المختلفة. وبحسب دوركهايم، فإن التعليم يجب أن يهدف إلى تنمية الشعور بالانتماء والولاء للمجتمع والاحترام للقوانين والقيم الاجتماعية، ولكن أيضا إلى تنمية القدرات والمواهب والاهتمامات الفردية، وتشجيع النقد والابتكار والتعاون.

وقد انتقد دوركهايم بعض الاتجاهات التربوية التي تركز على الجانب الفطري أو العقلي أو العاطفي للفرد، دون الأخذ بعين الاعتبار الجانب الاجتماعي والأخلاقي. ولذلك، دعا دوركهايم إلى إيجاد توازن بين الانضباط والحرية، وبين التعليم العام والمهني، وبين التعليم الوطني والدولي. وكان دوركهايم مؤثرا في تطوير المناهج والمقررات الدراسية في فرنسا وغيرها من البلدان، وفي تأسيس علم الاجتماع التربوي كفرع من فروع علم الاجتماع.

التضامن الاجتماعي والتغيير الاجتماعي

كان دوركهايم مهتما بدراسة التضامن الاجتماعي، أي القوة التي تربط الأفراد ببعضهم البعض وبالمجتمع، وتحدد شكل ونوع واتجاه التغيير الاجتماعي. وفي كتابه «في تقسيم العمل الاجتماعي»، قام بتحليل التطور التاريخي للتضامن الاجتماعي، والعوامل التي تؤثر فيه، والمشاكل التي تواجهه. وبحسب دوركهايم، فإن التضامن الاجتماعي يمكن أن يكون من نوعين: التضامن الاجتماعي الميكانيكي، والتضامن الاجتماعي العضوي.

التضامن الاجتماعي الميكانيكي هو الذي ينشأ من التشابه والتقارب بين الأفراد في المجتمع، ويستند إلى الضمير الجمعي الميكانيكي. وهو يسود في المجتمعات البدائية أو التقليدية، حيث يكون العمل الاجتماعي متجانسا وغير متخصص، ويكون الفرد مطيعا وملتزما بالقوانين والعقوبات الصارمة التي تفرضها السلطة الاجتماعية.

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-