كتاب التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور – مصطفى حجازي
مقدمة: تشريح سيكولوجية القهر الاجتماعي
يُعد كتاب "التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور" للدكتور والمفكر اللبناني مصطفى حجازي، من أهم وأعمق الدراسات التي تناولت إشكالية التخلف في المجتمعات العربية والإسلامية من منظور سيكولوجي اجتماعي فريد. صدر الكتاب لأول مرة عام 1976، وظل مرجعًا أساسيًا لفهم العلاقة الجدلية بين البنية الاجتماعية المتخلفة وتشكيل الشخصية المقهورة.
يغوص الدكتور حجازي، الحائز على دكتوراه الدولة في علم النفس، في أعماق سيكولوجية الإنسان المقهور، مبتعدًا عن التحليلات الاقتصادية أو السياسية السطحية، مركزًا على البنية النفسية المتضررة نتيجة القهر والتسلط.
![]() |
| غلاف كتاب التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور. |
🧠 المنهجية والتحليل: الشخصية نتاج المجتمع
يعتمد مصطفى حجازي في كتابه "التخلف الاجتماعي" منهجًا تحليليًا معمقًا يربط بشكل وثيق بين الظاهرة الاجتماعية الكبرى (التخلف) وبين تداعياتها على الفرد (القهر النفسي).
1. 🔍 تحديد التخلف من منظور نفسي
يقوم حجازي بتعريف التخلف ليس كحالة اقتصادية أو سياسية فقط، بل كـ حالة سيكولوجية تُنتجها البنية الاجتماعية القهرية. يرفض الكاتب بشدة الاتهامات التي تروج لـ "تخلف عرقي متأصل" أو "جيني"، ويدافع عن الشعوب المقهورة، مؤكدًا أن هذه الشخصية هي نتاج خالص للمجتمع المتخلف الذي تعيش فيه.
2. 🔀 سمات الذهنية المقهورة
يسهب حجازي في وصف سمات الذهنية للإنسان المتخلف، مُشيرًا إلى أن هذه الذهنية تتصف بـ:
- الجمود والقطعية: غياب المرونة وصعوبة تقبل التعددية الفكرية.
- الافتقار إلى التجريد والجدلية: صعوبة في التفكير المجرد والموضوعي والوقوع في شرك العواطف المفرطة.
- الانفعالية المفرطة: غلبة الانفعالات على التفكير العقلاني والضبط المنطقي.
يرى حجازي أن هذه السمات ليست أصيلة، بل هي آليات دفاعية نشأت استجابة للضغوط الاجتماعية والتسلط المستمر.
🛡️ الأساليب الدفاعية للإنسان المقهور: مواجهة المأزق الوجودي
يخصص مصطفى حجازي القسم الثاني من الكتاب لدراسة الأساليب الدفاعية المعقدة التي يلجأ إليها الإنسان المقهور لمجابهة واقعه الأليم ومأزقه الوجودي. تُعد هذه الأساليب انعكاسًا لـ القهر والتسلط الذي يعيشه الفرد.
1. 🚪 الانكفاء والرضوخ
تُعد هذه المراحل بدائية في مواجهة القهر، حيث يلجأ الفرد إلى الرضوخ والكبت والانكفاء على الذات. هذا الانسحاب يهدف إلى تقليل الاحتكاك مع مصدر القوة والاحتفاظ بحد أدنى من السلامة النفسية والجسدية.
2. 🎭 التماهي والسيطرة الخرافية
- التماهي مع التسلط: يمثل هذا السلوك شكلًا متقدمًا من الرضوخ، حيث يتبنى المقهور صفات وسلوكيات المُتسلط بل ويعيد إنتاجها في محيطه الأضعف (كالأسرة أو العمل)، وهي عملية نفسية معقدة تهدف إلى اكتساب بعض القوة المفقودة.
- السيطرة الخرافية على الواقع: نتيجة لفشل السيطرة العقلانية على الواقع، يلجأ الإنسان المقهور إلى الخرافة والغيبيات كآلية دفاعية تمنحه إحساسًا زائفًا بالتحكم في مصيره.
3. 💣 العنف كآلية مجابهة
يولي حجازي أهمية خاصة لظاهرة العنف كـ وسيلة مجابهة متقدمة للقهر. يحلل مظاهر العنف وأشكاله العدوانية ويرى أنه قد يكون:
- رمزيًا: كتعبير غير مباشر عن الرفض.
- ماديًا: كتمرد مباشر وصريح.
ويشير إلى أن العنف، على الرغم من سلبيته، هو إحدى ردود الفعل البدائية للتمرد على القهر، ويُمثل رفضًا للتسلط و"التخلص من عقدة الخوف من الموت في سبيل حياة أكثر كرامة".
👩🦱 وضعية المرأة: تلخيص القهر الاجتماعي
في فصله الأخير، يركز مصطفى حجازي على "وضعية المرأة" في المجتمعات المقهورة، ويراها أفصح الأمثلة وأشدها وضوحًا على وضعية القهر بمختلف أوجهه.
المرأة كمرآة للمجتمع:
- يرى أن المرأة هي محط كل تناقضات وتجاذبات الإنسان المقهور في العالم المتخلف.
- يؤكد أن تحليل وضعية المرأة ومكانتها يكشف أكثر من أي أمر آخر خصائص الوجود المتخلف ومآزقه.
- يخلص إلى نتيجة حاسمة: لا نهضة للمجتمع المتخلف دون نهضة المرأة وتخلصها من أدران القهر والتسلط.
هذا التركيز على قضية المرأة يوضح مدى شمولية نظرة حجازي وتعمقه في الأبعاد الإنسانية للتخلف.
خاتمة: إرث فكري مستمر
يظل كتاب "التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور" للدكتور مصطفى حجازي مرجعًا حيويًا لا غنى عنه لفهم سيكولوجية التخلف والقهر. إنه ليس مجرد كتاب نظري، بل هو دعوة عميقة للتفكير النقدي والتحرر من جمود الذهنية المقهورة. من خلال تحليل بنية الشخصية المتضررة والأساليب الدفاعية التي تتبناها، يفتح حجازي الباب أمام علاج يبدأ من الوعي الذاتي ثم ينتقل إلى التغيير الاجتماعي. إن إرثه مستمر في إلهام الباحثين والناشطين الاجتماعيين في المنطقة، مؤكدًا أن النهضة الحقيقية تبدأ من سيكولوجية الإنسان المتحرر.
قد يهمك أيضا: كتاب التحليل النفسي علما وعلاجا وقضية PDF
📖 أسئلة وأجوبة مركزة حول كتاب التخلف الاجتماعي (للسيو)
س: ما هو الهدف الرئيسي لكتاب التخلف الاجتماعي لمصطفى حجازي؟
ج: الهدف الرئيسي للكتاب هو تقديم مدخل سيكولوجي عميق لفهم ظاهرة التخلف الاجتماعي، بالتركيز على البنية النفسية للإنسان المقهور وكيف تتشكل ذهنيته وسلوكياته استجابة للقهر والتسلط الاجتماعي.
س: ما هي أبرز صفات "الذهنية المقهورة" كما يصفها حجازي؟
ج: أبرز صفات "الذهنية المقهورة" هي الجمود والقطعية، والافتقار إلى التجريد والجدلية والمرونة، والتركيز على الانفعالية المفرطة على حساب التفكير العقلاني.
س: ما هي الأساليب الدفاعية التي يتخذها الإنسان المقهور حسب مصطفى حجازي؟
ج: من أهم الأساليب الدفاعية للإنسان المقهور هي: الانكفاء على الذات، التماهي مع التسلط، السيطرة الخرافية على الواقع، واللجوء إلى العنف كآلية مجابهة متقدمة.
س: لماذا يخصص مصطفى حجازي فصلاً كاملاً لوضعية المرأة في كتابه؟
ج: يرى حجازي أن "وضعية المرأة" في المجتمع المتخلف هي أفصح الأمثلة التي تلخص جميع تناقضات ومآزق القهر الاجتماعي، ويؤكد على أن نهضة المجتمع المتخلف مرتبطة بتحرر المرأة من القهر.
س: متى صدر كتاب التخلف الاجتماعي للدكتور مصطفى حجازي؟
ج: صدرت الطبعة الأولى من كتاب "التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور" عام 1976 عن المركز الثقافي العربي.
