ملخص كتاب الدول والحركات الاجتماعية - هانك جونستون
كتاب الدول والحركات الاجتماعية لهانك جونستون: ديناميات الاحتجاج وسلطة القمع
يقدم كتاب "الدول والحركات الاجتماعية" لأستاذ علم الاجتماع الأمريكي "هانك جونستون" (Hank Johnston) أطروحة مفصلية تعيد تشكيل فهمنا الكلاسيكي لعلم اجتماع الثورات. الكتاب، الذي صدرت نسخته المترجمة للعربية عام 2018 عن المركز القومي للترجمة، لا يكتفي بالسرد الوصفي، بل يغوص في تحليل الديناميات المعقدة التي تحكم علاقة الدولة – ديمقراطية كانت أو سلطوية – بالحركات الاحتجاجية.
تكتسب هذه المراجعة أهميتها من كون الكتاب يقدم إطاراً نظرياً ومنهجياً لتفكيك نماذج الحراك الاجتماعي، وهو ما يمثل أداة معرفية بالغة الأهمية للباحثين الساعين لفهم التحولات السياسية المعاصرة، لا سيما في السياق العربي وموجاته الاحتجاجية المتلاحقة.
![]() |
| كتاب الدول والحركات الاجتماعية هانك جونستون |
من "الاستثناء" إلى "القاعدة": بروز مجتمع الحركة الاجتماعية
تاريخياً، هيمنت على حقل علم الاجتماع رؤية تعتبر البنى السياسية والاقتصادية كيانات ثابتة، وتنظر إلى "الاحتجاج" بوصفه سلوكاً شاذًا أو رد فعل استثنائي لظروف غير طبيعية. الإضافة النوعية لجونستون تكمن في قلب هذه المعادلة؛ حيث يجادل بأن الحركات الاجتماعية الاحتجاجية باتت تشكل اليوم جزءاً أصيلاً ومُمأسساً من الممارسة السياسية الطبيعية.
يصك جونستون مصطلح "مجتمع الحركة الاجتماعية" (Social Movement Society) لتفسير هذا التحول. لقد أصبح الاحتجاج أداة رئيسية للتأثير السياسي في الديمقراطيات الحديثة، بل إن الأحزاب المؤسسية (وحتى أجنحة داخل النظم القمعية) باتت تتبنى تكتيكات الاحتجاج لتعبئة الجماهير وتوجيه الرأي العام.
لماذا حدث هذا التحول؟
يربط جونستون هذا التغير بتمدد "الدولة الحديثة" وتغلغلها في أدق تفاصيل الحياة اليومية للفرد (التعليم، الصحة، الضرائب، النقل)، على النقيض من الدولة التقليدية أو المجتمعات الزراعية القديمة. هذا التماس اليومي والمكثف بين المواطن والسلطة جعل من الفعل الاحتجاجي آلية ضرورية للتفاوض المجتمعي. كما يبرز دور التحولات التكنولوجية (الإنترنت، الهواتف الذكية) كعامل حاسم في تخفيض "تكلفة التعبئة" وزيادة الفاعلية التنظيمية للحركات.
اللامركزية والبيئة الحاضنة للاحتجاج
لا يغفل الكتاب تأثير السياق الهيكلي والديموغرافي على شكل الاحتجاج. فالأنساق السياسية اللامركزية والفيدرالية (مثل كندا وألمانيا) توفر "فرصاً سياسية" ومنافذ أوسع للحراك الجماهيري مقارنة بالنظم المركزية الصلبة (مثل فرنسا). كما يسلط الضوء على البعد المكاني والاجتماعي، مستشهداً باحتجاجات الستينيات في الأحياء الأمريكية المهمشة، كدليل على أن التوتر البنائي والعنصرية الممنهجة تخلقان بؤراً مكانية قابلة للاشتعال المستمر.
ميكانيزمات الحراك الثوري: متى تنجح الثورات؟
ينتقل الكتاب من الاحتجاج اليومي إلى "الحالة الثورية"، طارحاً تساؤلات محورية: كيف تتطور المعارضة في وجه آلة القمع؟ ومتى يتحول الغضب إلى انتصار ثوري يفرض واقعاً جديداً؟
يؤكد جونستون على شرطين أساسيين لنجاح التحول الثوري:
- انشقاق التحالف الحاكم: تنجز الثورات أهدافها عندما تتخلى قطاعات وازنة من السكان عن دعم السلطة.
- انقسام النخب: يُعد تخلي النخب السياسية والاقتصادية عن الدولة (نتيجة تضرر مصالحهم أو حسابات البقاء) مؤشراً حاسماً وميكانيزماً اجتماعياً مركزياً لانهيار الأنظمة.
تشريح الدولة القمعية: "معضلة الديكتاتور"
يقدم جونستون تحليلاً عميقاً لبنية الدول التسلطية، متجاوزاً التصنيفات السطحية. ويستعير مفهوم عالم الاجتماع "ماكس فيبر" ليميز بين:
- الدول الشمولية (الستالينية): التي تمتلك قدرة هائلة على اختراق المجال الخاص والتعبئة الشاملة (مثل كوريا الشمالية).
- النظم السلطانية (Sultanic Regimes): وهي النموذج الأكثر شيوعاً. تعتمد على "شخصنة السلطة"، وشراء الولاءات عبر شبكات الزبائنية والمحسوبية داخل دائرة ضيقة محيطة بالزعيم.
الصمت الجماعي وخط الانفجار
في النظم السلطانية والقمعية، يلجأ المواطنون إلى استراتيجية "الفرار" أو الانخراط في "مؤامرة الصمت الجماعي". هذا الصمت الخادع يجعل السلطة عاجزة عن قياس الحجم الحقيقي للاحتقان الاجتماعي. وعندما تقع "شرارة" تكسر هذا الصمت، يكتشف الجميع أن النظام لم يكن سوى "بيت من ورق".
يختتم جونستون تحليله بما يمكن تسميته "معضلة الديكتاتور" (The Dictator's Dilemma). العلاقة بين القمع والاحتجاج ليست خطية دائماً (زيادة القمع لا تؤدي حتماً إلى الصمت). هناك "نقطة انقلاب" أو خط تناسب خفي؛ إذا تجاوزت السلطة هذا الخط في استخدام العنف، فإن منحنى الخوف ينكسر، وتتحول تكلفة السكوت إلى تكلفة أعلى من الاحتجاج، مما يولد رد فعل عكسي وعنيف يعصف بالنظام برمته.
