قراءة في كتاب «ابتكار الحياة اليومية» لميشال دو سارتو: فنون الأداء العملي وبلاغة المقاومة الصامتة
بطاقة معلومات الكتاب
- اسم الكتاب: ابتكار الحياة اليومية (الجزء الأول: فنون الأداء العملي)
- المؤلف: ميشال دو سارتو (Michel de Certeau)
- المترجم والمقدم: د. محمد شوقي الزين
- الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون (بيروت)، منشورات الاختلاف (الجزائر)، دار الأمان (الرباط)
- سنة النشر: 1432هـ - 2011م (الطبعة العربية الأولى)
- عدد الصفحات: 350 صفحة تقريباً
- التصنيف: فلسفة اجتماعية / أنثروبولوجيا / دراسات ثقافية وسوسيولوجيا الحياة اليومية
- اللغة: العربية (مترجم عن الفرنسية: L'Invention du quotidien: 1. Arts de faire)
- صيغة الملف: PDF
![]() |
| غلاف كتاب ابتكار الحياة اليومية (الجزء الأول: فنون الأداء العملي). |
نبذة عن الكتاب
هل المستهلك في المجتمع المعاصر مجرد كائن سلبي منضبط يخضع لشبكات الإنتاج وأجهزة المراقبة التقنوقراطية، أم أنه يبتكر خلسة أساليب مراوغة وحيلًا بارعة تعيد تملك الفضاء والنص والسلعة؟
يعد كتاب «ابتكار الحياة اليومية: فنون الأداء العملي» لميشال دو سارتو (الصادر في أصله الفرنسي عام 1980م) عملاً تأسيسياً في النظرية الاجتماعية المعاصرة؛ حيث ينطلق من دراسة مسحية للممارسات الثقافية والاستهلاكية بتكليف من وزارة الثقافة الفرنسية في سبعينيات القرن العشرين، ليفكك التصورات التقليدية التي تختزل الاستهلاك في الانفعال والتبعية، مبرزاً ما يسميه "الإنتاج الثانوي والمجهول" للمستهلكين عبر طرائق الفعل، وحيل الاستعمال، والتكتيكات اليومية في المشي، القراءة، السكن، والطبخ.
نبذة عن المؤلف
- ميشال دو سارتو (Michel de Certeau: 1925 - 1986م): فيلسوف، ومؤرخ، وعالم اجتماع وأنثروبولوجيا وباحث يسوعي فرنسي. شغل كرسي تدريس في جامعة باريس، وجامعة كاليفورنيا (سان دييغو)، ومعهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية بباريس (EHESS).
- تخصصه: تداخل الفلسفة المعاصرة، تاريخ الأديان والتصوف، سوسيولوجيا الثقافة، واللسانيات التداولية.
- أهم أعماله: «كتابة التاريخ» (L'Écriture de l'histoire)، «المس الشيطاني في لودان» (La Possession de Loudun)، «الثقافة بصيغة الجمع» (La Culture au pluriel)، «الضعف الاعتقادي» (La Faiblesse de croire).
أهم أفكار الكتاب
كيف قارب دو سارتو جدلية «الإنتاج والاستهلاك» وما هو الإنتاج الثانوي؟
يرفض ميشال دو سارتو الفصل المانوي الحاسم الذي يعتبر "الإنتاج" فاعلية حيوية خلاقة و"الاستهلاك" مجرد انفعال خامل وتبعية مطلقة لنظام السوق والإعلام. ويطرح بديلاً نظرياً يرى في الاستهلاك شكلاً من أشكال "الإنتاج الخفي والمجهول" (Poiesis):
- الاستعمال كإزاحة وتعديل: عندما يقتني المستهلك سلعة أو يتلقى صورة تلفزيونية أو يقرأ نصاً، فإنه لا ينقاد لها بصورة حرفية، بل يستعملها وفق سياقاته وحاجاته وتطلعاته الخاصة، محولاً المنتوج من مجرد "رصيد" للجهة المنتجة إلى "صفقة" يتداولها بحرية.
- شاهد الاستعمار والشعوب الهندية: يستحضر دو سارتو تجربة الهنود الحمر تحت الاستعمار الإسباني؛ فرغم خضوعهم الظاهري للطقوس والقوانين المفروضة، إلا أنهم استعملوها لغايات ومرجعيات مغايرة هدمت مقاصد الغازي من الداخل دون الاصطدام المباشر به، وهو ما يفعله المستهلكون العاديون اليوم في قلب البنى التقنوقراطية المعاصرة.
ما هو التمييز الجوهري بين «الإستراتيجيات» و«التكتيكات»؟
يشكل التقابل بين الإستراتيجية والتكتيك العمود الفقري للتحليل السوسيولوجي عند دو سارتو:
- الإستراتيجية (Stratégie): هي حساب علاقات القوة الذي يصبح ممكناً عندما تعزل ذات متمتعة بالإرادة والسلطة (مؤسسة، دولة، جيش، مختبر علمي، إدارة تمدينية) "مكاناً خاصاً" تنطلق منه لإدارة علاقاتها مع خارج متميز وأهداف ومخاطر قابلة للمراقبة. الإستراتيجية هي "انتصار المكان على الزمان"، وتقوم على الرؤية الشاملة (Panopticon) والتصنيف والحساب وتخزين المكاسب.
- التكتيكية (Tactique): هي حركة لا تعوّل على أي مكان خاص، وليس لها من موطن سوى "مكان الآخر". إنها تراهن على "الزمان" لانتهاز الفرص المواتية الخاطفة (الكايروس - Kairos) وإصابة الأهداف بسرعة وخفة. التكتيكية هي "انتصار الزمان على المكان"، وسلاح الضعفاء القائم على الحيلة والبراعة والدهاء العملي (الميتيس - Mètis) للإفلات من شبكات الانضباط.
كيف يمثل «الشغل المتواري» (الاختلاس - La Perruque) تكتيكاً مقاوماً؟
يتناول الكتاب ظاهرة "الشغل المتواري" أو "الاختلاس" داخل المصانع والمكاتب والإدارات الحديثة كنموذج للممارسات المقاومة الخفية:
- يقوم العامل أو الموظف باختلاس وقت أو بقايا مواد أو أدوات تابعة للمؤسسة المشغلة، لا بغرض سرقة ممتلكات أو تحقيق ربح تجاري، بل لإنجاز عمل حر أو صناعة شيء شخصي مجاني يهديه لعائلته أو رفاقه.
- يحلل دو سارتو هذا السلوك بوصفه استعادة لأخلاقيات "اقتصاد العطاء والهبة المتبادلة" (البوتلاتش - Potlatch) في قلب النظام الرأسمالي المعمم، حيث يعيد العامل إدراج قيم التضامن، والمهارة اليدوية، والابتكار المجاني داخل بيئة العمل الصناعية الممنهجة والصارمة.
كيف ناظر دو سارتو أطروحات ميشال فوكو وبيير بورديو؟
- نقد أجهزة الانضباط لدى فوكو: يعترف دو سارتو بأهمية كشف فوكو في «المراقبة والمعاقبة» عن التكنولوجيات المجهرية للسلطة وتوزيع الفضاء الانضباطي؛ لكنه يعيب عليه تعميم الجهاز "البانوبتيكي" ليجعل من المجتمع كلاً سجنياً متجانساً، متناسياً وجود شبكة مضادة للانضباط تتألف من آلاف الحيل الشعبية اليومية التي تتلاعب بهذه الأجهزة وتقلب مقاصدها.
- نقد مفهوم "العُرف" (Habitus) لدى بورديو: يرى دو سارتو أن بورديو يصف ببراعة الإستراتيجيات الزواجية والرمزية في القبائل والبيارن، لكنه يسجن الفاعلين في مفهوم "الأمية العالمة" (Docte ignorance)؛ حيث يفترض أن الأفراد يمارسون مهارات لا يعلمون كنهها وتتحكم فيها بنيات مستبطنة مسبقاً، مما يحول "الهبتوس" إلى حلقة دائرية مفرغة تسلب الفرد حريته ومراوغته الواعية.
كيف قارب الكتاب ممارسة «المشي في المدينة» كأداء لغوي وبلاغي؟
- المدينة بين الرؤية والممارسة: من أعلى الطابق 110 لمركز التجارة العالمي بمانهاتن في نيويورك، يظهر المشهد الحضري كنص مقروء ولوحة بانورامية مصطنعة تلبي رغبة "المتلصص" المترفع عن الواقع؛ بينما في الأسفل، يمارس المشاة والراجلون المدينة كأجساد عابرة لا ترى الكل وتكتب بمساراتها جملاً غير متوقعة.
- المشي كفعل تعبير (Speech Act): المشي في الفضاء الحضري يعادل فعل التكلم في نسق اللغة؛ فهو تملك للمكان، وتحقيق لإمكاناته، وربط للعلاقات مع الآخرين.
- بلاغة الخطوات: يوظف السائر أشكالاً بيانية؛ كالمجاز المرسل (Synecdoche) حين يختزل مساراً طويلاً في تفصيل مكاني عابر، أو الحذف والإضمار (Asyndeton) حين يتجاوز شوارع وميادين كاملة في مساره، خالقاً مدينته الذاتية والأسطورية داخل المدينة التقنوقراطية المخططة.
كيف فكك دو سارتو مقولة «القراءة كاصطياد» والاقتصاد الكتابي؟
- وهم القراءة السلبية: ينقد دو سارتو إيديولوجيا التشكيل الثقافي التي تفترض أن القارئ يستقبل المعنى الحرفي الذي أراده الكاتب أو فرضته النخبة دون تغيير.
- القراءة كصيد محظور (Braconnage): القارئ يشبه صياداً يقتحم أرضاً لا يملكها؛ فهو يسافر عبر الكلمات، ويرتجل التأويلات، ويربط بين شذرات النص وذاكرته ومشاعره. النص بالنسبة للكاتب والمؤسسة هو "مسكن مستأجر"، يؤثثه القارئ بلفتاته وذكرياته الخاصة، محولاً المكتوب إلى أداء حر لا يمكن للسلطة احتكاره أو التحكم فيه.
ما هو دور الحكايات والميتيس والذاكرة في تثبيت فنون الأداء؟
- الميتيس (Mètis) والزمن المواتي (Kairos): انطلاقاً من دراسات مارسيل ديتيان وجان بيير فرنان، يستعيد دو سارتو مفهوم النباهة العملية والحيلة الإغريقية القديمة التي تعمل في لحظة الخطر والفرصة دون التزام بمكان قار.
- الروايات كأدلة للممارسة: الحكايات الشعبية وقصص المعجزات والأساطير ليست مجرد وثائق فلكلورية خالية من العقلانية، بل هي "فهارس حية" لنماذج الفعل والضربات المباغتة للضعفاء في مواجهة الأقوياء، وتعمل كذاكرة متحركة تتيح للمجتمع ابتكار توازنات جديدة في اللحظات التاريخية الحرجة.
قراءة نقدية
1. القيمة المعرفية والإبستمولوجية
- نقل مركز الثقل في التحليل الاجتماعي من دراسة المؤسسات المهيمنة وخطابات السلطة إلى استكشاف الطاقة الإبداعية الصامتة في ممارسات الأفراد العاديين.
- الجمع الخلاق بين الفلسفة التحليلية (فتغنشتاين، أوستين، سيرل)، والأنثروبولوجيا التاريخية، والسيميائيات، والتحليل النفسي الفرويدي.
- تدشين معجم مفاهيمي ثري أصبح مرجعاً رئيسياً في حقل الدراسات الثقافية المعاصرة (التكتيك، الاستعمال، الاصطياد، الشغل المتواري).
2. نقاط القوة في النص
- التحرر من النزعة التشاؤمية لمدرسة فرانكفورت ومجتمع المشهد التي افترضت تدجين الإنسان بالكامل بواسطة التقنية والإعلام.
- الدقة البلاغية والأسلوبية في تفكيك الممارسات البسيطة (المشي، السكن، القراءة، الطبخ) وإظهار تعقيدها المنطقي والرمزي.
- إبراز فاعلية "الإنسان العادي" دون تمجيد شعبوي سطحي أو إسقاط أيديولوجي دوغمائي.
3. الملاحظات والحدود النظرية
- صعوبة البناء المؤسسي للتكتيكات: تؤكد التحليلات الواردة في متن الكتاب ومقدمته أن التكتيكات اليومية بطبيعتها لحظية وعابرة ولا تحتفظ بمكاسبها في "مكان خاص"، مما يجعل قدرتها على إحداث تحول سياسي أو هيكلي شامل محل تساؤل.
- التعقيد البلاغي والمجازي: يطغى الأسلوب الاستعاري والأدبي على بعض فصول الكتاب، مما يتطلب من القارئ دراية معمقة بتاريخ الفلسفة واللسانيات لاستيعاب حمولته النظرية الدقيقة.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
- باحثو وطلاب علم الاجتماع والأنثروبولوجيا: لدراسة مناهج الملاحظة الميدانية وتحليل الممارسات الثقافية والاستهلاكية.
- دارسو الفلسفة والنظرية النقدية: لفهم الاشتباك الإبستمولوجي مع نصوص فوكو، وبورديو، وكانط، وفتغنشتاين.
- المعماريون ومخططو المدن وسوسيولوجيا الفضاء: لاستيعاب الفارق الجوهري بين التخطيط الهندسي النظري والممارسات المعيشة لساكني المدن.
- المهتمون بالدراسات الثقافية ونظريات التلقي: لاكتشاف المقاربات الحديثة حول فعل القراءة والإنتاج الرمزي.
أسئلة شائعة
س1: ما هو الفرق بين الإستراتيجية والتكتيك عند ميشال دو سارتو؟
الإستراتيجية تفترض وجود "مكان خاص" ومؤسسي تنطلق منه السلطة لحساب القوة ومراقبة المحيط وفرض الانضباط (انتصار المكان على الزمان)، بينما التكتيك يفتقر إلى المكان وينشط في "مكان الآخر" مقتنصاً الفرص الخاطفة (الكايروس) بحيلة ومهارة دون أن يحتفظ بالمكاسب (انتصار الزمان على المكان).
س2: ماذا يعني مصطلح "الشغل المتواري" (La Perruque)؟
هو مصطلح يدل على اختلاس العامل أو الموظف لوقت العمل أو بقايا المواد في المصنع أو الإدارة لإنجاز عمل حر أو غرض شخصي مجاني، ويعتبره دو سارتو شكلاً من أشكال المقاومة التكتيكية وإحياءً لاقتصاد العطاء والتضامن في بيئة الإنتاج الرأسمالي.
س3: لماذا يعتبر دو سارتو فعل القراءة "اصطياداً" (Braconnage)؟
لأن القارئ لا يتقبل سلبياً المعنى الحرفي الذي أراده المؤلف أو فرضته السلطة، بل يمارس صيداً محظوراً داخل النص، فيحذف، ويرتجل، ويؤول الكلمات وفق مشاعره وتجربته الذاتية، تماماً كما يؤثث المستأجر شقة لا يملكها.
س4: كيف يُفسر الكتاب مقولة "المشي في المدينة"؟
يصف دو سارتو المشي كفعل تعبيري مماثل لفعل التكلم اللغوي؛ فالمشاة في الشوارع يخترقون التخطيط الهندسي الثابت للمدينة، ويخلقون بمساراتهم وحركاتهم بلاغة مكانية خاصة ومتحررة من الرقابة البانوبتيكية الشاملة.
