كتاب أنا الشعب: تأملات حول السيادة الشعبية في عالم اليوم لبارثا تشاترجي
بطاقة معلومات الكتاب:
- اسم الكتاب: أنا الشعب (تأملات حول السيادة الشعبية في عالم اليوم).
- المؤلف: بارثا تشاترجي.
- المترجم: بدر الدين مصطفى.
- الناشر: مركز نهوض للدراسات والبحوث.
- سنة النشر: الطبعة الأولى، 2021.
![]() |
| غلاف كتاب أنا الشعب (تأملات حول السيادة الشعبية في عالم اليوم). |
لمن هذا الكتاب؟
هذا الكتاب موجه للباحثين في حقل النظرية السياسية، وطلاب الدراسات الفكرية والسياسية، والمهتمين بفهم ظاهرة صعود الشعبوية في العالم المعاصر. كما يفيد القراء الذين يبحثون عن فهم معمق لكيفية تشكل الدولة الغربية الحديثة، وتأثيرات السياسات الحيوية والنيوليبرالية على مفاهيم السيادة والديمقراطية، وذلك من خلال عدسة نقدية تستمد أدواتها من دراسات ما بعد الاستعمار.
مقدمة: لماذا يصعد القادة الاستبداديون اليوم؟
"لماذا يوجد اليوم في الولايات المتحدة وبريطانيا، وكل بلدان أوروبا الغربية تقريبًا، صعود للحركات الشعبوية والقادة الاستبداديين، مع ضعف واضح في المؤسسات الليبرالية؟". ولماذا فشلت الأحزاب السياسية القائمة والحكومات التمثيلية في بناء التوافق العام والحفاظ على شرعية النظام الممتد تاريخياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟.
بهذه التساؤلات المحورية، يفتتح المفكر بارثا تشاترجي كتابه "أنا الشعب: تأملات حول السيادة الشعبية في عالم اليوم". ينقلنا الكتاب عبر سلسلة من المحاضرات التي ألقاها المؤلف في جامعة كولومبيا (أبريل 2018) ضمن سلسلة "روث بندكت"، ليستكشف الأزمة العميقة التي تواجه الديمقراطية الليبرالية اليوم. يطرح الكتاب فكرة أن الشعبوية المعاصرة ليست مجرد انحراف مؤقت، بل هي نتيجة لتراكمات طويلة من السياسات الإمبريالية، وتحولات دولة الرفاه، والسياسات النيوليبرالية التي أدت في النهاية إلى ظهور فجوة بين النخب الحاكمة و"الشعب".
الفصل الأول: العدالة المتكافئة وصراع السيادات
يبدأ الكاتب رحلته في هذا الفصل بالعودة إلى كتاب عالمة الأنثروبولوجيا روث بندكت "الأقحوان والسيف"، والذي ميزت فيه بوضوح بين "ثقافات الذنب" و"ثقافات العار".
- ثقافات الذنب، بحسب بندكت، تحتكم إلى معايير أخلاقية مطلقة، حيث تتولد لدى الفرد مشاعر قوية بالذنب عند ارتكاب فعل لا أخلاقي، وتتطلب الاعتراف أو التكفير.
- في المقابل، تعتمد ثقافات العار، مثل الثقافة اليابانية، على العقاب الاجتماعي المحيط، حيث يشعر الفرد بالخزي أمام الآخرين، ولا معنى للاعتراف في هذه الثقافة للتخفيف من المشاعر.
ينتقل تشاترجي من هذا التحليل الثقافي إلى مشهد تاريخي بالغ الأهمية: محاكمات طوكيو العسكرية الدولية للشرق الأقصى عام 1946. هنا، يتوقف الكتاب مطولاً عند القاضي الهندي رادها بينود بال، الذي قدم حكماً معارضاً فريداً ومكوناً من 1235 صفحة، برأ فيه جميع المتهمين اليابانيين من تهم ارتكاب جرائم ضد السلام وجرائم ضد الإنسانية. استند القاضي بال في حكمه المعارض إلى عدة نقاط قانونية وتاريخية صارمة:
- رفض القاضي بال الادعاء بأن ما وصف بـ "حرب عدوانية" كان يُصنف جريمة في القانون الدولي قبل الحرب العالمية الثانية.
- أشار إلى أن معاهدة كيلوغ بريان لعام 1928 تركت لكل دولة تحديد الإجراءات التي يكفلها حق الدفاع عن النفس.
- أكد القاضي أن تطبيق مبادئ محكمة نورمبرغ بأثر رجعي في محاكمة طوكيو يجعل المحكمة تعمل كأداة سياسية للانتقام وليس كهيئة قضائية.
- كما تحدى بال الخطوة التي سعت لجعل "التآمر" على شن الحرب جريمة بموجب القانون الدولي، مشيراً إلى أن هذه الجريمة غير معروفة في النظم القانونية خارج القانون الأنجلو-أمريكي.
- لفت القاضي النظر بقوة إلى أن القوى الغربية المنتصرة قد ارتكبت فظائع مروعة، ضارباً المثل بإسقاط القنابل الذرية على هيروشيما وناجازاكي، والذي اعتبره التشبيه الأقرب لأوامر الإمبراطور الألماني خلال الحرب العالمية الأولى بالتدمير العشوائي.
يستعرض الكتاب أيضاً في هذا الفصل أفكار الفيلسوف يوهان غوتليب فيشته، من خلال خطاباته للأمة الألمانية في ظل الاحتلال النابليوني عام 1808. قدم فيشته حجة كلاسيكية حول "الأمة الأخلاقية"، مؤكداً أن الأمة الحقيقية هي وجود روحي يترسخ من خلال التعليم، وتزدهر ثقافتها على لغة وطنية أصلية. اعتبر فيشته أن الشعب يمتلك "حدوداً داخلية" روحية وثقافية تمكنه من الحفاظ على سيادته حتى لو كانت بلاده تحت السيطرة السياسية لقوة أجنبية.
الفصل الثاني: مكر السلطة وتطور الدولة المهيمنة
في الفصل الثاني، يتجه تشاترجي لفحص تحولات الدولة في أوروبا وكيفية وصول النظام الرأسمالي الديمقراطي إلى الأزمة الحالية. يستند المؤلف إلى مفاهيم اثنين من أبرز المفكرين الأوروبيين: أنطونيو غرامشي وميشيل فوكو.
غرامشي والثورة السلبية:
يستلهم الكتاب تحليلات غرامشي حول "الثورة السلبية" و"الدولة التكاملية". يشرح غرامشي كيف أن اليعاقبة في الثورة الفرنسية لم يكتفوا بتمثيل البرجوازية، بل مثلوا الحركة الثورية بأكملها، وأسسوا الدولة البرجوازية الحديثة جاعلين البرجوازية هي الطبقة القائدة والمهيمنة في الأمة. في المقابل، يرى غرامشي أن توحيد إيطاليا (الريسورجيمنتو) مثل حالة نموذجية "للثورة السلبية"، حيث عمل حزب التجمع المعتدل على استيعاب وتدجين القوى المعارضة دون إشراك الجماهير الشعبية، مما أدى إلى بناء دولة تفتقد إلى التغيير السياسي الثقافي العميق.
فوكو والسياسة الحيوية:
ينتقل تشاترجي إلى ميشيل فوكو، وتحديداً محاضراته المعنونة "المجتمع يجب الدفاع عنه" (1975-1976). يتحدى فوكو الإعلان النظري لتوماس هوبز بأن إقامة السيادة المطلقة تنهي الحرب الأهلية. بل يرى فوكو أن السياسة أصبحت استمراراً للحرب، وأن السلام الذي تدعيه الدولة ما هو إلا غطاء لاستمرار هيمنة مجموعة على أخرى عبر القوانين والمؤسسات.
كما يستعرض الكتاب تحليلات فوكو للانتقال نحو "الحكوماتية" و"السياسة الحيوية". حيث أصبحت الإدارة التكتيكية للمصالح والبحث عن الحل الأمثل للتعامل مع "السكان" هي الشغل الشاغل للدولة، متجاوزة بذلك مفاهيم الحقوق المطلقة للمواطنين.
يوضح الكتاب كيف تحولت دولة الرفاه في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، والتي وعدت بضمان العمالة، والرعاية الصحية الشاملة، والإسكان والتعليم للجميع (كما جاء في خطة بيفريدج في بريطانيا عام 1942)، إلى شكل من أشكال التحكم. بمرور الوقت، وتحت ضغط النقد النيوليبرالي، تراجعت دولة الرفاه لصالح الإدارة التقنية للأشياء، حيث يقوم الخبراء بتحديد السياسات وتخصيص الموارد، مما قلل من دور المشاركة السياسية الشعبية وهمش النقابات العمالية. هذا التحول خلق فجوة عميقة وشعوراً بالانفصال لدى الجماهير، وهو ما مهد الطريق لصعود الحركات الشعبوية.
الفصل الثالث: أنا الشعب والنموذج الهندي
في الفصل الأخير، يوجه الكاتب انتباهه إلى تاريخ الشعبوية في الهند، مقدماً مقارنة تكشف عن جوانب مختلفة للسيادة الشعبية في الديمقراطيات غير الغربية. يشير تشاترجي إلى أن العديد من ديمقراطيات ما بعد الاستعمار شهدت امتداداً تكتيكياً للدولة لتتجاوز الحدود الضيقة للطبقات الوسطى، متجهة نحو فقراء الحضر وسكان الريف، خاصة أولئك المطرودين من المهن التقليدية والذين أجبروا على العمل في القطاع غير الرسمي.
تجسدت الشعبوية في الهند من خلال عملية توزيع المنافع المستهدفة على المؤيدين، وهو شكل من أشكال العمل الحكومي الذي لا يتعارض بالضرورة مع التقنيات النيوليبرالية الحديثة. في ظل هذا النظام، تشتد المنافسة بين الأحزاب لتقديم المزيد من المنافع لجذب الناخبين.
يقدم تشاترجي تحليلاً لافتاً لطبيعة الزعامة الشعبوية في الهند، مؤكداً أن الجانب الأكثر تأثيراً هو قدرة القادة على إحداث تحول على مستوى مفهوم "الشعب" و"العدو". نجحت الأحزاب الشعبوية الهندية في الحفاظ على قوتها الانتخابية لعقود متتالية. يرى المؤلف أن فعالية التمثيل البصري والشكل السردي الميلودرامي كان لها تأثير مباشر وقوي في السياسة الشعبوية الهندية. وهذا يتناقض مع النظرية السياسية الليبرالية الغربية التي تنفر من العناد والعاطفة وتفضل الخطاب النصي العقلاني.
ويخلص تشاترجي إلى أنه رغم الأزمات التي تعصف بالديمقراطيات الليبرالية في الغرب، فإنه من المرجح أن تظهر في هذه الديمقراطيات ملامح مشابهة للشعبوية الهندية، حيث يبدأ السكان المهمشون في تحديد "السيادة" واختيار ممثليهم بناءً على قدرتهم على مواجهة "العدو" المؤسسي أو النخبوي، دون الالتزام التام بالإجراءات البيروقراطية التقليدية.
أسئلة شائعة (FAQs)
كيف يفسر بارثا تشاترجي صعود الشعبوية من خلال أزمة "الدولة التكاملية"؟
يشرح تشاترجي، مستنداً إلى أنطونيو غرامشي، أن الدولة التكاملية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية كانت تعتمد على دمج النقابات والأحزاب السياسية لتحقيق التوافق. ومع صعود النيوليبرالية والسياسات الحيوية، تحولت الدولة إلى إدارة تقنية تدير "السكان" كأرقام استناداً لقرارات الخبراء، مما أدى إلى تهميش المشاركة السياسية المباشرة، وخلق شعوراً بالخذلان لدى الطبقات الشعبية، مما شكل أرضية خصبة لظهور قادة شعبويين يدعون تمثيل "الشعب" ضد النخبة.
ما هو الموقف الذي اتخذه القاضي رادها بينود بال في محاكمات طوكيو ولماذا يعد محورياً في الكتاب؟
في محاكمات طوكيو عام 1946، قدم القاضي الهندي بال حكماً معارضاً ضخماً برأ فيه القادة اليابانيين، رافضاً مبدأ تطبيق قوانين مستحدثة (مثل تجريم الحرب العدوانية) بأثر رجعي. يعد موقفه محورياً في الكتاب لأنه كشف عن طبيعة "عدالة المنتصر" والإمبريالية القانونية الغربية، مؤكداً على حق الدول الآسيوية في السيادة المتكافئة، وفاضحاً التناقض الأخلاقي لقوى الحلفاء التي ارتكبت فظائع مثل القصف الذري ولكنها نصبت نفسها حكماً عالمياً.
كيف وظف الكاتب مفاهيم ميشيل فوكو لفهم تراجع السيادة الشعبية في الغرب؟
استخدم تشاترجي مفاهيم فوكو حول "الحكوماتية" و"السياسة الحيوية" لبيان كيف تحولت الدولة الديمقراطية من كيان يمثل حقوق المواطنين السياسية إلى كيان إداري يتعامل مع "السكان". يوضح أن الدولة أصبحت تركز على تطبيق الإحصاءات والتحكم التكتيكي في الموارد استجابةً لندرتها، متخلية عن التزامها الأخلاقي بتوفير المساواة الشاملة. هذا التحول التقني جرد الجماهير من دورهم السياسي الفاعل، مما أدى إلى انفجار الغضب الشعبي المتمثل في الحركات الشعبوية الحالية.
رابط التحميل:
يمكنكم الاطلاع على الكتاب أو تحميله عبر الرابط التالي:
تحميل كتاب أنا الشعب: تأملات حول السيادة الشعبية في عالم اليوم
