ملخص كتاب الهوية الملتبسة: الشخصية العراقية وإشكالية الوعي بالذات
كيف يتاح لنا الإفصاح بصورة تقريبية عما ستؤول إليه مصائر المجتمع العراقي، في إطار انخراط مكوناته بشتى أنواع العصبيات ومختلف أشكال التجاذبات، وترجيح عناصره التحصن خلف مرجعياتها البدائية، والتمترس وراء سواتر ثقافاتها الفرعية؟. يطرح الكاتب والباحث ثامر عباس هذا التساؤل العميق في كتابه "الهوية الملتبسة"، ليغوص بنا في رحلة سوسيولوجية وتاريخية لتفكيك أزمة الهوية في العراق. في هذا المقال، ننقل لك مضمون هذا الكتاب بلمسة بشرية، مبحرين في تعقيدات الشخصية العراقية وتاريخها المليء بالتحولات.
![]() |
| غلاف كتاب الهوية الملتبسة - ثامر عباس . |
بطاقة معلومات الكتاب
- اسم الكتاب: الهوية الملتبسة - الشخصية العراقية وإشكالية الوعي بالذات.
- المؤلف: ثامر عباس.
- دار النشر: الزمان للطباعة والنشر والتوزيع (دمشق - سوريا) / مكتبة عدنان (بغداد - العراق).
- سنة النشر: الطبعة الأولى، 2012.
لمن هذا الكتاب؟
هذا الكتاب موجه للباحثين في علم الاجتماع، وعلماء الأنثروبولوجيا، والمهتمين بالتاريخ السياسي والاجتماعي للعراق. كما يهم كل قارئ يبحث عن فهم جذور الصراعات الطائفية والعرقية في الشرق الأوسط، وكل من يرغب في تفكيك بنية الوعي الجمعي والشخصية الاجتماعية في المجتمعات التي تعاني من أزمات الهوية المستعصية.
إشكالية الوعي بالذات ومفهوم الهوية الوطنية
يبدأ الكتاب بتسليط الضوء على ارتباك وعي الإنسان العراقي الحبيس بين جدران تصوراته الذاتية، واضطراب انطباعاته الذهنية إزاء العلاقة العضوية بين الهوية الشخصية، والهوية الوطنية، والمواطنية الحضارية. يوضح المؤلف أن الحديث عن وجود "شخصية عراقية" كاملة العناصر ومكتملة المقومات هو من قبيل الافتراض النظري والتوصيف المفهومي ليس إلا. ففي واقع التجارب الاجتماعية، لا يوجد ما يبرهن على حقيقة هذه الشخصية إلا إذا افترضنا أن الانتماءات الاجتماعية الدنيا والولاءات الثقافية التحتية هي التي تؤسس لتكوينها.
ويؤكد الكاتب أن مبدأ الهوية يقوم بالأساس على وعي الفرد والجماعة بالآخر. ولا يمكن بلوغ مرحلة الوعي بالآخر قبل اجتياز عتبة "الوعي بالذات" أو الإحساس بـ "الأنا الجمعي". وبما أن المجتمع العراقي لا يزال يتخبط في فوضى النعرات القبلية والاستقطابات الجهوية، وصراع الولاءات الطائفية والانتماءات العنصرية، فإن مكونات "الشخصية الاجتماعية" لم تكتمل بعد.
جذور نزعة التطرف في الشخصية العراقية
يخصص الكتاب مساحة واسعة للبحث في المصادر والمصائر التي رسخت نزعة التطرف في الشخصية العراقية، مقسماً إياها إلى أربعة مصادر رئيسية:
1. المصادر الأسطورية والدينية:
امتزجت الأسطورة بالدين في حضارة وادي الرافدين إلى حد التطابق. وقد ولّدت معتقدات الإنسان العراقي القديم، المحاطة بالخوف من المجهول وهواجس الموت والمرض والكوارث، عناصر الكآبة والقلق والتشاؤم المستمر. كانت آلهة وادي الرافدين تتصف بالقوة والبطش وإنزال العقوبات المدمرة كالفيضانات والأمراض، مما طبع حضارة الرافدين بالعنف والتشاؤم وتوقع المفاجآت. هذا الإرث الأسطوري المفعم بالخوف أصبح جزءاً حيوياً وموجهاً لمنظومة السيكولوجيا الاجتماعية والعقل الجمعي العراقي.
2. المصادر الإيكولوجية والتاريخية:
لعبت العوامل التاريخية الممزوجة بالمعطيات الإيكولوجية (البيئية) دوراً في تحديد أنماط الحضارات. واجه المجتمع العراقي ظروفاً بيئية قاسية وكوارث طبيعية عنيفة ضربت أسس بناه التحتية. الفيضانات التي كانت تغزو بغداد بين الحين والآخر، حولت ثروة دجلة والفرات من نعمة إلى نقمة وتهديد مستمر. هذه القسوة الإيكولوجية تسببت في تطرف الشخصية العراقية، وطبعت سلوكها بطابع التغالب والعدوان بدلاً من التسامح، وخشونة الطبع بدلاً من دماثة الخلق.
3. المصادر السياسية والاجتماعية:
عانى العراق من تواتر المآسي السياسية واستيطان الفواجع الاجتماعية. فقد كان العراق، بحكم موقعه وسط القارات الثلاث، مطمعاً لأنظار الأمم ومسرحاً لحروب طاحنة وغارات ماحقة منذ فجر التاريخ. يستشهد الكاتب بجدول المؤرخ "حنا بطاطو" الذي يوثق كوارث متتالية بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر، شملت مجاعات، فيضانات، أوبئة، ومجازر حصدت أرواح مئات الآلاف. هذه الظروف الاستثنائية خلقت إنساناً يتلبسه الخوف والهلع من المجهول، ودفعت المجتمع نحو تمجيد القوة والإسراف في تعظيم العنف كأسيلة للبقاء.
4. المصادر الثقافية والحضارية:
يفتقر الإنسان العراقي لأي نمط من أنماط الثقافة الوطنية المشتركة التي تعبر عن واقع الوحدة من خلال التنوع. وبدلاً من ذلك، لا تزال مصادر الثقافات الفرعية ورواسب الانحدارات الأقوامية تتحكم بمفاتيح شخصيته. كلما انكفأ المجتمع على الثقافات الفرعية، زاد تمسك فئاته بهويتهم الخاصة وتشديدهم على نقاط الاختلاف والمغايرة. هذا الانكفاء يقلب النعرات الثقافية إلى عصبيات تناحرية، ويشكل مصدراً أساسياً لتوطين نزعة التطرف في الشخصية العراقية.
جيوبولتيكا صراع الهويات والمواريث الأنثروبولوجية
ينتقل الكاتب لتحليل صراع الهويات في المجتمع العراقي وارتباطه بالجيوبولتيكا. يؤكد أن المشاكل الداخلية لم تكن قط وليدة اللحظة، بل هي نتاج تدخلات خارجية مباشرة وغير مباشرة استغلت الانقسامات.
إن دخول الإسلام إلى العراق، كما ينقل المؤلف، كان في بعض جوانبه قوة فصل أحدثت انشقاقاً حاداً بين طوائف المجتمع. وتعمق هذا الانقسام المذهبي لاحقاً بسبب الصراع الدموي المرير بين الإمبراطورية الفارسية والدولة العثمانية اللتين حكمتا العراق بالتناوب لأكثر من أربعة قرون. كانت كل دولة منهما تشجع النهج الطائفي لخدمة مصالحها، مما جعل الأهلين يحترقون بين نيران المتحاربين، وعمق الشرخ في منظومة الوعي القومي وقاعدة الولاء الوطني.
يشير الكتاب إلى ثلاثة أنماط رئيسية من صراع الهويات التي تمزق المجتمع العراقي:
- الصراع الأقوامي / الشوفيني: المغطى بخطاب سياسي قومي يرتكز على النقاء العرقي والتمايز السلالي.
- الصراع الطوائفي / التعصبي: المستتر خلف واجهة دينية تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة وامتياز "الفرقة الناجية".
- الصراع الثقافوي / الاستعلائي: الذي يتخذ من التاريخ قناعاً لطمس الصراع المبني على الأسبقية الحضارية.
هذه الصراعات المتداخلة منعت تبلور وعي جمعي بالذات، وأعاقت تشكيل هوية وطنية شاملة وموحدة تستقطب الانتماءات المتشظية.
الشخصية العراقية بين تقديس التاريخ وتدنيس الجغرافيا
في الفصل الثالث، يعالج الكاتب مفارقة عميقة في الشخصية العراقية: التعلق المرضي بالتاريخ مقابل إهمال وتدنيس الجغرافيا والواقع المعاش. يوضح المؤلف أن العراقيين يمتلكون ولعاً بالسرد التاريخي وتتبع أخبار الأسلاف، لكنهم يفتقرون للوعي بالتاريخ الفعلي الذي يدرك التغيرات في السيكولوجيا الاجتماعية.
هذا النكوص في فهم التاريخ جعل الذاكرة الجمعية تتلقف المرويات الشفوية والمغازي السلطانية دون إخضاعها لمقاييس العقل، مما أدى إلى حالة من "بؤس الوعي التاريخي". فالعراقي يمجد التاريخ ولا يعيه عقلانياً، يتحدث عن حضارة سبعة آلاف سنة ولكنه يجهل جذورها.
أما على الصعيد الجغرافي، فإن الإقليم العراقي كان الأكثر تعرضاً للغزوات التي استهدفت موقعه الجغرافي وثرواته، مما أثر سلباً على حياة شعبه وزرع اليأس والإحباط في عواطفه. ومع ذلك، يميل العراقيون إلى "التقوقع التضاريسي" والانتماء الضيق للمدينة أو المحلة أو العشيرة، بدلاً من الانتماء الجغرافي الوطني الأشمل.
يخلص الكاتب إلى أن المجتمع العراقي لا يزال خالياً من عناصر "الشخصية الاجتماعية" السليمة، ويفتقر لمكونات "الهوية الوطنية". فهو عبارة عن جماعات هلامية وعصبيات أبت الخروج من شرانقها القبلية والطائفية. وبدون الشروع في نقد المسلمات الثقافية وتفكيك الرواسب التاريخية، ستبقى الهوية العراقية ملتبسة وغارقة في أساطير البداية وفجيعة النهاية.
أسئلة شائعة حول مضمون الكتاب
1. لماذا يعتبر المؤلف "الشخصية العراقية المكتملة" مجرد افتراض نظري؟
يعتبر المؤلف ذلك افتراضاً لأن التجارب الاجتماعية والتاريخية تثبت أن الانتماءات الفرعية والولاءات التحتية (مثل الطائفة والقبيلة والعرق) هي المهيمنة على سلوك الأفراد. ولا يمكن الحديث عن شخصية اجتماعية ناضجة إلا إذا تخلت الجماعات عن روابطها الأحادية وتعصبها، وهو ما لم يتحقق في الواقع العراقي الذي لا يزال سجين النظرة الانعزالية.
2. ما هو دور العامل الإيكولوجي في تشكيل نزعة العنف لدى الشخصية العراقية؟
يوضح الكتاب أن قسوة البيئة في وادي الرافدين، من فيضانات مدمرة متكررة وأمراض، بالإضافة إلى غياب الموانع الطبيعية التي تحمي الحدود، جعلت البلاد عرضة للغزوات المستمرة. هذه الكوارث المتعاقبة خلقت حالة من القلق الدائم والخوف من المجهول، ودفعت المجتمع إلى تمجيد القوة والبطش واعتماد العنف كآلية للبقاء وتخطي الأزمات.
3. كيف أثر الصراع بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية على الهوية العراقية؟
يشير الكتاب إلى أن هاتين الإمبراطوريتين حكمتا العراق بالتناوب لأكثر من أربعة قرون، وقد وظفتا العامل الطائفي بشكل منهجي لخدمة مصالحهما التوسعية. أدى هذا الصراع المتواصل إلى إحداث شرخ عميق في منظومة الوعي القومي العراقي، حيث أصبح ولاء الفرد متوجهاً للطائفة الدينية أو العشيرة بدلاً من الوطن، مما عطّل عملية إرساء قواعد الهوية الوطنية الشاملة.
4. ما المقصود بمصطلح "بؤس الوعي التاريخي" في الكتاب؟
يُقصد به الحالة التي يتم فيها تمجيد التاريخ وتقديس الماضي بطريقة رومانسية وعاطفية دون وعي عقلاني أو نقدي. فالإنسان العراقي يتغنى بعراقة حضارته ولكنه يجهل حركتها الاجتماعية وتطورها، مما يجعله منفصلاً عن الواقع المعاش وعاجزاً عن استخدام دروس التاريخ لبناء مستقبل مستقر، ومستسلماً بدلاً من ذلك للأساطير والخرافات.
رابط تحميل الكتاب
للاطلاع على النص الكامل للكتاب والتعمق في فصوله، يمكنك تحميله عبر الرابط التالي:
