مراجعة شاملة لكتاب "مدخل إلى علم اجتماع المخيال": قراءة في فكر فالنتينا غراسي وفهم أساطير الحداثة
مقدمة: نحو إعادة الاعتبار للمخيال في الدراسات الاجتماعية
لطالما هيمنت العقلانية الصارمة والنظرة المادية البحتة على العلوم الاجتماعية لفترة طويلة، حيث تم اختزال المجتمعات في أرقام وإحصائيات وقوانين اقتصادية جامدة. إلا أن التحولات العميقة التي يشهدها عالمنا المعاصر، وتداخل الواقعي بالافتراضي، فرضت الحاجة الماسة إلى أدوات تحليلية جديدة. هنا يأتي كتاب "مدخل إلى علم اجتماع المخيال" (بالفرنسية: Introduction à la sociologie de l'imaginaire) للباحثة وعالمة الاجتماع الإيطالية د. فالنتينا غراسي، ليسد ثغرة معرفية كبيرة في المكتبة العربية.
![]() |
| غلاف كتاب مدخل إلى علم اجتماع المخيال. |
يقدم هذا الكتاب، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، خريطة معرفية دقيقة لعلم اجتماع المخيال، متجاوزاً التفسيرات التقليدية التي ترى في الخيال مجرد "هروب" من الواقع. بل على العكس، تطرح غراسي المخيال كـ "قوة محركة" (Moteur) للواقع الاجتماعي، وكأداة "إسمنتية" (Social Cement) تربط البشر ببعضهم البعض عبر الرموز والأحلام المشتركة.
في هذه المقالة الأكاديمية المطولة، سنغوص في أعماق هذا العمل الهام، مستعرضين محاوره الأساسية، جذوره النظرية، وكيف يفكك أساطير الحداثة من الموضة إلى التكنولوجيا، ولماذا يعتبر دليلاً لا غنى عنه لفهم "اليومي" في حياتنا المعاصرة.
البطاقة التعريفية للكتاب (Book Identity)
قبل الغوص في التحليل المعرفي، من الضروري تقديم البيانات الببليوغرافية للكتاب، والتي تعد مرجعاً أساسياً للباحثين والطلاب:
| العنصر | التفاصيل |
|---|---|
| عنوان الكتاب | مدخل إلى علم اجتماع المخيال: نحو فهم الحياة اليومية |
| المؤلف | د. فالنتينا غراسي (Valentina Grassi) |
| المترجمون | محمد عبد النور وسعود المولى |
| الناشر | المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات |
| عدد الصفحات | 144 صفحة |
| الموضوع الرئيسي | علم الاجتماع، نظريات المخيال، ما بعد الحداثة، الرمزية |
| الفئة المستهدفة | الباحثون في العلوم الاجتماعية، طلاب الفلسفة، المهتمون بالنقد الثقافي |
المحور الأول: المخيال والواقع.. جدلية التأثير والتكوين
ينطلق الكتاب من أطروحة مركزية تتحدى الفهم السائد. في العرف الاجتماعي التقليدي، غالباً ما يوضع "الواقع" في كفة، و"الخيال" في كفة أخرى بوصفه نقيضاً للحقيقة أو ملجأً للهروب.
1. إعادة الاعتبار لـ "المخيال" كقوة محركة
تؤكد فالنتينا غراسي أن المخيال ليس مجرد وهم (Illusion) أو هروب (Escape). إنه قوة اجتماعية فاعلة. المجتمعات لا تقوم فقط على القوانين والدساتير والتبادلات الاقتصادية، بل تتشكل بعمق عبر الصور الذهنية، والسرديات الكبرى، والأحلام المشتركة التي يتقاسمها الأفراد.
فكرة جوهرية: المخيال هو "الطاقة الكامنة" التي تدفع الأفراد للفعل، وهو الخزان الذي تستمد منه الشعوب هويتها وتماسكها.
2. نقد العقلانية الصارمة (Critique of Strict Rationalism)
تخصص المؤلفة جزءاً كبيراً من الكتاب لنقد المناهج التي سيطرت على علم الاجتماع الكلاسيكي، والتي حاولت "هندسة" المجتمع وفقاً لمعايير العقلانية المادية البحتة.
- تجاوز المادية: تدعو غراسي إلى تجاوز النظرة التي تختزل الإنسان في كونه "كائناً اقتصادياً" أو "رقماً إحصائياً".
- دور العاطفة والرمز: تؤكد على ضرورة الاعتراف بدور العاطفة، والحدس، والرمز، والأسطورة في توجيه السلوك البشري. فالقرارات البشرية نادراً ما تكون عقلانية بنسبة 100%، بل هي مزيج معقد من الحسابات العقلية والاندفاعات الوجدانية التي يغذيها المخيال.
المحور الثاني: الجذور والنظريات.. من التأسيس إلى التأصيل
لا ينشأ علم اجتماع المخيال من العدم. يقدم الكتاب مسحاً أركيولوجياً (حفرياً) لجذور هذا العلم، مستعرضاً مساهمات الرواد الذين مهدوا الطريق لهذا الحقل المعرفي:
1. الرواد الكلاسيكيون
رغم أن علم الاجتماع الكلاسيكي كان يميل للعقلانية، إلا أن غراسي تلتقط الإشارات الأولى لدى المؤسسين:
- إميل دوركهايم (Durkheim): من خلال مفهومه لـ "الوعي الجمعي" والتمثلات الدينية، حيث أشار ضمناً إلى أن المجتمع يعبد نفسه من خلال رموزه.
- ماكس فيبر (Weber): عبر دراسته لدور الأفكار والمعتقدات (الأخلاق البروتستانتية) في تشكيل الهياكل الاقتصادية (الرأسمالية)، مما يثبت قوة "اللامادي" في صنع "المادي".
2. منظرو المخيال المعاصرون
يصل الكتاب ذروته النظرية عند استعراض نظريات الأعلام الذين جعلوا من المخيال موضوعهم الأساسي، وتحديداً:
- جيلبير دوران (Gilbert Durand): الذي أسس لأنثروبولوجيا الخيال، وقسم الصور الذهنية إلى بنيات نهارية وليلية، موضحاً كيف ينظم العقل البشري مخاوفه وآماله عبر الرموز.
- ميشيل مافيزولي (Michel Maffesoli): وهو العلم الأبرز في هذا المجال، والذي يركز على "القبلية الجديدة" وعودة العاطفة والاحتفالية في مجتمعات ما بعد الحداثة. تستلهم غراسي منه فكرة أننا نعيش في زمن "عودة السحر" للعالم، ولكن بطرق تقنية حديثة.
المحور الثالث: أساطير الحداثة.. كيف يصنع المجتمع المعاصر خرافاته؟
لعل من أكثر فصول الكتاب إثارة وتشويقاً هو ذلك المتعلق بـ "أساطير الحداثة". قد يعتقد البعض أن الأساطير انتهت بانتهاء العصور القديمة، لكن الكتاب يوضح كيف أن الحداثة وما بعد الحداثة تعيد إنتاج أساطيرها الخاصة.
تجليات الأسطورة المعاصرة:
- الموضة (Fashion): ليست مجرد ملابس، بل هي نظام رمزي يمنح الأفراد شعوراً بالانتماء والتميز، وهي طقس اجتماعي متجدد.
- النجومية (Stardom): النجوم والمشاهير هم "أبطال الأولمب" الجدد. يتم إسقاط الرغبات والأحلام الجماهيرية عليهم، ليلعبوا دور الآلهة القديمة في المخيال الشعبي.
- التكنولوجيا (Technology): تحولت التكنولوجيا من مجرد أداة إلى "أسطورة خلاص". الإيمان بأن العلم والتكنولوجيا سيحلان كل مشاكل البشرية هو بحد ذاته شكل من أشكال التفكير الأسطوري (الخلاصي).
المحور الرابع: علم اجتماع الأعماق واللحمة الاجتماعية
يقدم الكتاب منهجية يطلق عليها "علم اجتماع الأعماق". وهي محاولة للغوص تحت سطح الظواهر الاجتماعية.
اللحمة الاجتماعية (Social Cement)
كيف يترابط البشر في الحياة اليومية؟
- ترى المؤلفة أن "الصور الذهنية والرموز المشتركة" تلعب دور اللحمة أو الإسمنت الذي يشد لبنات المجتمع إلى بعضها.
- في الحياة اليومية، لا يتواصل الناس فقط عبر اللغة المباشرة، بل عبر الإيماءات، والطقوس الصغيرة، والتفاهمات الضمنية التي يغذيها مخيال مشترك.
الأرقام الجامدة لا تكفي
يشدد الكتاب على استخدام المخيال كأداة لفهم الظواهر المعقدة التي "لا تفسرها الأرقام الجامدة". فعندما نحلل ظاهرة مثل "التطرف" أو "الهوس الاستهلاكي"، تعجز الإحصائيات وحدها عن تفسير "الشغف" أو "الدوافع اللاواعية"، وهنا يأتي دور تحليل المخيال لكشف المحركات الخفية.
هدف الكتاب: لماذا نحتاج لقراءته اليوم؟
تختتم البطاقة التعريفية وأطروحة الكتاب بتوضيح الهدف النهائي لهذا العمل، والذي يمكن تلخيصه في النقاط التالية:
- تقديم خريطة معرفية: يهدف الكتاب ليكون دليلاً (Manual) لعلم اجتماع المخيال، موضحاً للطلاب والباحثين حدود هذا العلم ومنهجياته.
- أدوات تحليلية لعصر ما بعد الحداثة: يسعى لتقديم أدوات جديدة لفهم تحولات عصرنا الحالي، حيث يتداخل "الواقعي" بـ "الافتراضي" (Virtual Reality). كيف نفهم علاقاتنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟ كيف نفهم الهويات الرقمية؟ هذا الكتاب يخبرنا أن "الافتراضي" هو جزء من "المخيال" الذي أصبح واقعاً معاشاً.
- فهم "اليومي": الانتقال من دراسة المؤسسات الكبرى (الدولة، الحزب) إلى دراسة "الحياة اليومية" بتفاصيلها الصغيرة، وفهم كيف يعيش البشر بعقلانية ووجدان في آن واحد.
خاتمة: المخيال كمدخل لفهم الإنسان
إن كتاب "مدخل إلى علم اجتماع المخيال" للدكتورة فالنتينا غراسي، وبعدد صفحاته الـ 144، يعد كبسولة معرفية مكثفة وعميقة في آن واحد. إنه دعوة مفتوحة للباحثين العرب للخروج من عباءة التحليل التقليدي، واعتناق منهجيات أكثر رحابة تتسع لأحلام البشر، ومخاوفهم، وأساطيرهم، بقدر اتساعها لواقعهم الاقتصادي والسياسي.
في عصر تسيطر فيه الصورة والرمز والشاشة، يصبح "علم اجتماع المخيال" ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة ملحة لفهم كيف نفكر، وكيف نعيش، وكيف نكون مجتمعاً.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
س: هل الكتاب مناسب لغير المتخصصين في علم الاجتماع؟
ج: نعم، الكتاب مصمم كـ "مدخل"، ورغم عمق أفكاره، إلا أن لغته (والترجمة العربية) تسعى لتبسيط المفاهيم المعقدة وجعلها في متناول المثقف العام المهتم بفهم واقعه.
س: ما الفرق بين المخيال والخيال؟
ج: الخيال (Imagination) هو ملكة فردية للتخيل، بينما المخيال (Imaginary) هو المخزون الجماعي من الصور والرموز التي يشترك فيها المجتمع وتوجه سلوكه. الكتاب يركز على الثاني.
س: أين يمكن الحصول على الكتاب؟
ج: الكتاب من إصدار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ويمكن الحصول عليه من موقعهم الرسمي أو في معارض الكتب الكبرى والمكتبات المتخصصة.
