أحدث كتب

نظرية التعلم الاجتماعي والبنائية: مقارنة وتمييز

نظرية التعلم الاجتماعي والبنائية: مقارنة وتمييز

نظرية التعلم الاجتماعي والبنائية: مقارنة وتمييز
نظرية التعلم الاجتماعي والبنائية: مقارنة وتمييز

نظرية التعلم الاجتماعي والبنائية نوعان من نظريات التعلم المتشابهة تمامًا، على الأقل ظاهريًا. تؤكد هاتان النظريتان على أن التعلم له جانب فردي وجانب اجتماعي. كلاهما يعتبر الفرد جزءًا نشطًا من عملية التعلم وليس مجرد تشكيل سلبي من خلال المحفزات والتعزيزات، أو مجرد تلقي المعلومات. علاوة على ذلك، تؤكد كلتا النظريتين على دور التفاعل الاجتماعي في التعلم.

ومع ذلك، فإن النظريتين مختلفتان تمامًا منذ البداية. يدرس منظرو التعلم الاجتماعي كيف يكتسب الناس سلوكًا جديدًا وبالتالي فهم سلوكيون بهذا المعنى. من ناحية أخرى، يهتم البنائيون في الغالب بكيفية اكتساب الناس للمعرفة أو تطويرها، أي ماذا وكيف يفكر الناس. وبصرف النظر عن ذلك، تختلف النظريتان أيضًا في كيفية اعتقادهما بأن البيئة الاجتماعية تسهل التعلم أو تؤثر عليه. 

نظرية التعلم الاجتماعي والبنائية هما نوعان من نظريات التعلم التي تشترك في بعض الجوانب، لكنهما تختلفان في العديد من النقاط الهامة. تهدف هذه المقالة إلى شرح مفاهيمهما الأساسية وتسليط الضوء على الفرق والتشابهات بينهما.

مفهوم نظرية التعلم الاجتماعي

مفهوم نظرية التعلم الاجتماعي
مفهوم نظرية التعلم الاجتماعي

نظرية التعلم الاجتماعي هي نظرية تعلم تعتبر أن المتعلمين يتأثرون بالبيئة والنماذج الاجتماعية التي يراقبونها ويتعلمون منها. وفقًا لهذه النظرية، يمكن للمتعلمين اكتساب سلوك جديد أو تغيير سلوك قائم من خلال مشاهدة الآخرين، خاصة الأشخاص الذين يتمتعون بسمعة أو قدرة أو سلطة أو قرب اجتماعي. هذه العملية تسمى التعلم بالملاحظة أو النمذجة.

لكن التعلم بالملاحظة ليس مجرد تقليد سلس للسلوك المراقب، بل يتطلب وجود عوامل معرفية وبيئية تسهله أو تعرقله. أبرز هذه العوامل هي:

  • الانتباه: المتعلم يجب أن يكون منتبهًا للنموذج ويلاحظ السلوك المراد تعلمه.
  • الاحتفاظ: المتعلم يجب أن يتمكن من تخزين المعلومات الملاحظة في الذاكرة لاسترجاعها لاحقًا.
  • الإنتاج: المتعلم يجب أن يتمكن من تقليد أو تكييف السلوك المراد تعلمه بناءً على قدراته وظروفه.
  • الدافع: المتعلم يجب أن يكون لديه رغبة أو حافز لتعلم السلوك المراد تعلمه والاستمرار فيه.

واحدة من المفاهيم الرئيسية في نظرية التعلم الاجتماعي هي التعزيز، وهو مصطلح يعني أي شيء يزيد من احتمالية حدوث سلوك معين. التعزيز يمكن أن يكون إيجابيًا أو سلبيًا، أو مباشرًا أو غير مباشرًا. التعزيز المباشر يحدث عندما يتلقى المتعلم مكافأة أو عقاب مباشرة بعد أداء السلوك. التعزيز غير المباشر يحدث عندما يرى المتعلم النموذج يتلقى مكافأة أو عقاب بعد أداء السلوك. هذا يؤثر على مدى رغبة المتعلم في تقليد السلوك أو تجنبه.

أحد أشهر العلماء الذين ساهموا في تطوير نظرية التعلم الاجتماعي هو ألبرت باندورا، الذي أجرى العديد من التجارب لدراسة آليات وآثار التعلم بالملاحظة. في وقت لاحق، أضاف باندورا مفهوم الكفاءة الذاتية إلى نظريته، وهو يعني إيمان الفرد بقدرته على أداء سلوك معين أو تحقيق هدف معين. وفقًا لباندورا، الكفاءة الذاتية تتأثر بأربعة مصادر رئيسية هي:

  • التجربة الشخصية: النجاحات والفشلات السابقة في أداء السلوك أو تحقيق الهدف.
  • التجربة الاجتماعية: الملاحظة أو النمذجة للآخرين الذين يؤدون السلوك أو يحققون الهدف.
  • الردود الاجتماعية: التشجيع أو الانتقاد أو التقييم من قبل الآخرين بشأن السلوك أو الهدف.
  • الحالة النفسية: العواطف أو المزاج أو الإجهاد أو الثقة التي ترافق السلوك أو الهدف.

باندورا اعتبر أن السلوك والعمليات المعرفية والبيئة هي عوامل متبادلة تتأثر ببعضها البعض في عملية التعلم، وسماها الحتمية الثلاثية المتبادلة.

مفهوم البنائية

البنائية هي نظرية تعلم تعتبر أن المتعلمين ينشئون أو “يبنون” معارفهم الخاصة من خلال تفاعلهم مع العالم وتجاربهم وأفكارهم. وفقًا لهذه النظرية، المعرفة ليست شيئًا ثابتًا أو موضوعيًا يمكن نقله من شخص إلى آخر، بل هي شيء متغير وذو معنى يتم بناؤه من قبل الفرد أو المجموعة. هذه العملية تسمى البناء النشط للمعرفة.

لكن البناء النشط للمعرفة ليس مجرد عملية فردية، بل يتطلب وجود عوامل اجتماعية وثقافية تسهله أو تؤثر عليه. أحد هذه العوامل هو التفاعل الاجتماعي، وهو الاتصال والتعاون والتفاوض والنقاش بين المتعلمين أو بين المتعلمين والمعلمين أو بين المتعلمين والخبراء. يساعد التفاعل الاجتماعي على تبادل الآراء والمعلومات والتجارب والمنظورات والتحديات والحلول، مما يؤدي إلى تعميق الفهم وتنويع المعرفة وتحسين المهارات.

وفقًا للبنائية، لا يكفي أن يكون المتعلم مجرد مستقبل للمعرفة، بل يجب أن يكون مشاركًا نشطًا في بنائها وتقييمها وتطبيقها. لهذا السبب، تؤكد البنائية على أهمية الاستقلالية والمبادرة والإبداع والنقد والتفكير العليا في التعلم. كما تشجع البنائية على استخدام الوسائل والأساليب والاستراتيجيات التي تمكن المتعلمين من بناء معرفتهم بطريقة معنوية ومنطقية ومتماسكة.

أنواع البنائية

توجد عدة أنواع من البنائية تختلف في مدى تركيزها على الجانب الفردي أو الاجتماعي في التعلم. أشهر هذه الأنواع هي:

  • البنائية النفسية: هي النوع الذي يركز على العمليات النفسية والعقلية الداخلية للمتعلم، وكيفية تشكيله لمعرفته وفهمه من خلال تجربته وتفكيره الخاص. هذا النوع يعتبر أن التعلم يحدث في العقل حيث يقوم المتعلم ببناء تمثيلات ذهنية للأشياء المدركة من العالم الخارجي. أحد أشهر المنظرين للبنائية النفسية هو جان بياجيه، الذي درس كيفية بناء الأفراد للمعرفة التي لا يمكن اكتسابها بمجرد خلق تمثيلات عقلية للواقع، بل تتطلب مراحل نمائية متتالية ومتدرجة تتوافق مع قدراتهم المعرفية.
  • البنائية الاجتماعية: هي النوع الذي يركز على العوامل الاجتماعية والثقافية التي تسهل أو تؤثر على التعلم، وكيفية تشكيل المتعلم لمعرفته وفهمه من خلال تفاعله مع الآخرين والمجتمع. هذا النوع يعتبر أن المعرفة ليست شيئًا موجودًا مسبقًا في العالم الخارجي، بل هي شيء يتم إنشاؤه وتفسيره وتبادله بين الأفراد والجماعات. أحد أشهر المنظرين للبنائية الاجتماعية هو ليف فيغوتسكي، الذي درس كيفية تأثير اللغة والثقافة والتاريخ على التعلم، وكيفية تحقيق التعلم من خلال المنطقة القريبة للتطور، وهي المسافة بين ما يستطيع الفرد فعله بمفرده وما يستطيع فعله بمساعدة الآخرين.


البنائية ككل هي فلسفة أكثر من كونها نظرية للتعلم. تعود جذورها إلى نظرية المعرفة، فرع الفلسفة المعني بالمعرفة وطبيعتها. يتحدى البنائيون المفاهيم التقليدية حول المعرفة. فهم يزعمون، على سبيل المثال، أن المعرفة أكثر تعقيدًا وليست بسيطة، وأنها مفتوحة للتساؤل وليس اليقين.

الفرق بين نظرية التعلم الاجتماعي والبنائية

تعريف

نظرية التعلم الاجتماعي هي نظرية تعلم تنص على أنه يمكن اكتساب السلوكيات من خلال ملاحظة الآخرين. ومن ناحية أخرى، تنص البنائية على أن المعرفة يتم بناؤها بشكل نشط، سواء بشكل فردي أو اجتماعي.

المفاهيم الأساسية

تعمل نظرية التعلم الاجتماعي على تطوير مفاهيم مثل التعلم بالملاحظة، والعمليات المعرفية الوسيطة، والتعزيز، والكفاءة الذاتية. تقدم البنائية مفهوم البناء النشط للمعرفة، وأهمية التفاعل الاجتماعي في بناء المعرفة.

التفاعل الفردي الاجتماعي

في نظرية التعلم الاجتماعي، ليس هناك حاجة إلى تفاعل اجتماعي حتى يكتسب المتعلم السلوكيات. في البنائية الاجتماعية على الأقل، يعد التفاعل الاجتماعي مهمًا في بناء المعرفة.

الجذور الفلسفية

بدأت نظرية التعلم الاجتماعي في البداية كمحاولة لدمج مبادئ التحليل النفسي والسلوكية، ولكنها تطورت كرفض للتحليل النفسي وعدم الرضا عن قيود السلوكية. تعود جذور البنائية إلى نظرية المعرفة، فرع الفلسفة المعني بالمعرفة وطبيعتها.

المنظرون البارزون

من الجدير بالذكر في نظرية التعلم الاجتماعي ألبرت باندورا، الذي كان له أكبر مساهمة، ونيل ميلر وجون دولارد، اللذين حاولا دمج نظرية دافع التحليل النفسي ونظرية التحفيز والاستجابة السلوكية. ومن بين البنائيين البارزين جان بياجيه، المعروف باسم مؤسس البنائية، وليف فيجوتسكي الذي ركز على أهمية التعلم الاجتماعي والثقافي.

مجال الاهتمام

تتبع نظرية التعلم الاجتماعي التقليد السلوكي المتمثل في الاهتمام بسلوكيات يمكن ملاحظتها وقياسها. تتمتع البنائية بتأثير معرفي أكثر لأنها تهتم بالمعرفة.

نظرية التعلم الاجتماعي مقابل البنائية

ملخص نظرية التعلم الاجتماعي مقابل البنائية

نظرية التعلم الاجتماعي والبنائية هما منظوران للتعلم يأخذان في الاعتبار الجوانب الفردية والاجتماعية في عملية التعلم.

تنص نظرية التعلم الاجتماعي على أنه يمكن للمتعلمين اكتساب سلوكيات جديدة من خلال ملاحظة النموذج الذي يتعرفون عليه. تتوسط العمليات المعرفية التعلم بالملاحظة، وهي في علاقة ثلاثية متبادلة مع السلوك والبيئة لتسهيل التعلم.


تنص البنائية على أن المتعلمين يقومون ببناء معارفهم بشكل فعال وأن التفاعل الاجتماعي مهم في هذه العملية. تؤكد البنائية النفسية على العمليات المعرفية للفرد في التعلم، في حين تؤكد البنائية الاجتماعية على التفاعل الاجتماعي.

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-