📁 أحدث المراجع الأكاديمية

ميشيل سورات (1947-1986): "شهيد" علم الاجتماع الذي فكك "دولة الوحشية"

ميشيل سورات (1947-1986): "شهيد" علم الاجتماع الذي فكك "دولة الوحشية"

تحليل سوسيولوجي معمق للمفكر ميشيل سورات. اكتشف كيف حلل "الدولة الطائفية" في سوريا، وحرب "الآخرين" في لبنان، وكيف تحولت حياته وموته إلى منهج في "سوسيولوجيا الانغماس".

​مقدمة: عندما يصبح الباحث "موضوع" بحثه

​في تاريخ علم الاجتماع، هناك مُنظّرون كتبوا من "برجهم العاجي"، وهناك باحثون نزلوا إلى "الميدان". ثم هناك ميشيل سورات (Michel Seurat)، الباحث الذي "انغمس" في الميدان بالكامل، لدرجة أن الميدان ابتلعه.

​لا يمكن التعريف بعالم الاجتماع ميشيل سورات (1947-1986) دون فهم هذه الحقيقة المأساوية: حياته ليست مجرد "سيرة" تسبق أعماله، بل هي "منهج" بحد ذاتها. لم يكن سورات مجرد "عالم اجتماع" فرنسي يدرس التطرف، بل كان باحثاً ميدانياً جريئاً كرس حياته لفهم "المنطق" الداخلي للعنف والطائفية في الشرق الأوسط، ودفع حياته ثمناً لهذا الفهم.

​في عصرنا الذي لا يزال يعاني من تركة الحروب الأهلية وصعود الأيديولوجيات الراديكالية، لا يزال عمل سورات "وثيق الصلة حتى اليوم"، ليس فقط لما "كتبه"، بل للطريقة التي "عاش" بها بحثه. لقد تحول من "باحث" يدرس الظاهرة، إلى "شهيد" يشهد عليها.

ميشيل سورات (1947-1986): "شهيد" علم الاجتماع الذي فكك "دولة الوحشية"
ميشيل سورات (1947-1986): "شهيد" علم الاجتماع الذي فكك "دولة الوحشية".

​في هذه المقالة التحليلية، سنتجاوز السرد البيوغرافي البسيط، لنغوص في "المساهمات" الفكرية العميقة لسورات، وكيف أن "اختطافه وموته" لم يكن مجرد "حادث" مأساوي، بل كان النتيجة المنطقية لمنهجه في "سوسيولوجيا الانغماس" (Sociology of Immersion).

​1. التكوين الفكري: من باريس إلى "مختبر" المشرق

​وُلد ميشيل سورات في باريس عام 1947، ونشأ في قلب المناخ الفكري الفرنسي المزدهر. درس علم الاجتماع في المؤسسة المرموقة "مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية" (EHESS)، وهي نفس البيئة التي أنتجت عمالقة مثل بيير بورديو وآلان تورين.

​لكن سورات، على عكس الكثير من أقرانه، لم ينجذب إلى صالونات باريس الفكرية. لقد كان مفتوناً بـ "المشرق العربي". بالنسبة له، لم يكن الشرق الأوسط مجرد "موضوع" غريب للدراسة، بل كان "مختبراً" حياً تتكثف فيه كل تناقضات الحداثة: صراع الدولة الوطنية، عودة الدين كقوة سياسية، وتفكك المجتمعات.

​سافر إلى لبنان وسوريا في أواخر السبعينيات، ليس كسائح، بل كباحث مقيم. تعلم العربية بطلاقة (وهو ما يميزه عن الباحثين العابرين)، وبدأ في تطبيق البحث الميداني (Fieldwork)، ولكن بنسخته الأكثر خطورة: "الانغماس الكامل".

​2. المساهمة الكبرى: "سوريا: الدولة المتوحشة" (L'État de Barbarie)

​بدأ اهتمام سورات بالتطرف، كما ذكرتَ، بدراسة الأصولية الإسلامية. لكنه سرعان ما أدرك أن "التطرف" ليس مجرد "فيروس" ديني، بل هو "عرض" (Symptom) لمرض أعمق: طبيعة الدولة نفسها.

​كان عمله الأبرز (الذي نُشر بعد وفاته في كتاب يحمل هذا العنوان) هو تحليله للنظام السوري.

​أ. تحدي السردية السائدة

​في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، كانت النظرة الغربية السائدة (وحتى بعض النظرات العربية) ترى في نظام حافظ الأسد "دولة حديثة"، "علمانيّة" (بسبب واجهتها "البعثية")، و "وطنية" تقف ضد الإمبريالية.

ماذا فعل سورات؟ لقد "مزق" هذه الصورة.

جادل سورات بأن الدولة السورية ليست "دولة حديثة" (Modern State) بالمعنى الفيبري (Weberian) - أي دولة القانون والمؤسسات البيروقراطية. بل هي "دولة متوحشة" (State of Barbarism) أو "دولة طائفية" (Sectarian State) مقنّعة.

​ب. تحليل "المنطق" الطائفي

​أوضح سورات أن "العلمانية" البعثية هي مجرد "أيديولوجيا" سطحية تخفي "المنطق" الحقيقي للسلطة:

  1. السلطة كـ "غنيمة" طائفية: رأى أن النظام ليس "حزبياً"، بل هو "نظام سلطاني جديد" (Neo-Sultanism) قائم على "الولاء" الطائفي (الأقلية العلوية) والعشائري، وليس على "المواطنة".
  2. العنف كـ "أداة" حكم (وليس كـ "خطأ"): في الدولة الحديثة، العنف هو "احتكار" للدولة يُستخدم "كحل أخير" (Last resort). أما في "دولة الوحشية" عند سورات، فالعنف (مثل ما حدث في حماة 1982) هو "الأداة الأولى" و "الرسالة" الأساسية للنظام.
  3. تدمير المجتمع المدني: أدرك سورات أن هذه الدولة، لكي تبقى، يجب أن تدمر "المجتمع المدني" (الأحزاب، النقابات، الجمعيات) وتسيطر على "الدين" نفسه.

​ج. "الإسلاموية" كرد فعل

​هنا تكمن عبقرية سورات. هو لم يرَ "الأصولية الإسلامية" (مثل الإخوان المسلمين في حماة) كـ "مشكلة" قائمة بذاتها، بل رآها كـ "رد فعل" (Reaction) مباشر على "وحشية" الدولة.

لقد جادل بأن الدولة، بتدميرها لكل أشكال المعارضة "المدنية" و "العلمانية"، لم تترك للمجتمع أي "لغة" للتعبير عن رفضه سوى "اللغة الدينية" (الإسلام السني) في مواجهة "الدولة الطائفية" (العلوية السياسية).

​هذا التحليل، الذي كُتب في أوائل الثمانينيات، كان بمثابة "نبوءة" سوسيولوجية دقيقة لما حدث في سوريا بعد عام 2011.

​3. "حرب لبنان": ساحة "الآخرين" والمنهجية القاتلة

​كانت المساهمة الثانية الكبرى لسورات هي تحليله للحرب الأهلية اللبنانية. مرة أخرى، رفض سورات التفسيرات السطحية (صراع "مسيحي-مسلم").

​أ. "حرب الآخرين" (La Guerre des Autres)

​كانت أطروحته الأساسية أن الحرب اللبنانية ليست "أهلية" بالمعنى الحرفي، بل هي "حرب الآخرين" على أرض لبنان.

  • ​لقد حلل لبنان كـ "فضاء مفتوح" (Open Space) أو "ساحة" (Arena) حيث تقوم القوى الإقليمية (خاصة النظام السوري الذي حلله بعمق، وإسرائيل، وإيران) بتصفية حساباتها عبر "وكلاء" لبنانيين (الميليشيات الطائفية).
  • ​لقد فكك "دور الفاعلين المختلفين" كما ذكرتَ، وأظهر كيف أن "النخبة السياسية اللبنانية" نفسها كانت "أدوات" أو "شركاء" في هذه اللعبة الإقليمية، مستفيدة من "اقتصاد الحرب".

​ب. المنهجية: سوسيولوجيا "الانغماس"

​كيف وصل سورات لهذه الاستنتاجات؟ ليس عبر قراءة الصحف في باريس، بل عبر "الانغماس" الكامل في بيروت المقسمة.

  • ​عاش في "بيروت الغربية" التي كانت تحت سيطرة الميليشيات.
  • ​أجرى "مقابلات مع أعضاء الجماعات المتطرفة" ليس كـ "إرهابيين"، بل كـ "فاعلين" اجتماعيين لهم "منطقهم" الخاص. (هنا يتقاطع مع منهج فالح عبد الجبار في دراسته للحركات الشيعية).
  • ​كان سورات يطبق ما يمكن تسميته "سوسيولوجيا الخطر": الفهم العميق يتطلب "التواجد" في قلب الحدث، ومشاركة الناس حياتهم اليومية، حتى لو كانت هذه الحياة هي "الحرب" نفسها.

​4. "الاختطاف والموت": عندما يلتقي الباحث بمصيره

​وهنا نصل إلى النقطة التي يجب تصحيحها بدقة لموثوقية المقال (E-A-T).

الحقائق الصحيحة هي:

  • 22 مايو 1985: تم اختطاف ميشيل سورات في بيروت من قبل "منظمة الجهاد الإسلامي" (المرتبطة بحزب الله وإيران). كان ذاهباً من المطار إلى منزله.
  • لم يُطلق سراحه أبداً. الروايات التي تتحدث عن إطلاق سراحه وعودته هي "خلط" مع رهائن آخرين أو "معلومات مضللة" من تلك الفترة.
  • مارس 1986: أعلنت منظمة الجهاد الإسلامي أنها "أعدمت" الرهينة ميشيل سورات، رداً (كما زعموا) على عملية فرنسية.
  • الحقيقة اللاحقة: يُعتقد الآن أن سورات مات في الأسر (ولم يُعدم) في وقت ما خلال شتاء 1985-1986، على الأرجح بسبب المرض (نوبة قلبية أو التهاب الكبد) والإهمال الطبي الشديد.
  • 2005: تم العثور على رفاته في إحدى ضواحي بيروت، وتم التعرف عليه رسمياً في 2006 ونقله إلى فرنسا.

​لماذا اختُطف سورات؟

​لم يُختطف "بالصدفة". لقد كان "هدفاً" مثالياً:

  1. كان فرنسياً: في وقت كانت فيه فرنسا متورطة سياسياً في لبنان.
  2. كان "يعرف" أكثر من اللازم: بفضل "انغماسه" الميداني، كان سورات يفهم "المنطق" الداخلي لهذه الجماعات، وكان على اتصال مباشر مع أعضائها. لقد كان "شاهداً" خطيراً.

​5. خاتمة: إرث ميشيل سورات

​إن إرث ميشيل سورات ليس مجرد "كتب" أكاديمية، بل هو "تحدٍ" أخلاقي ومنهجي.

  • أكاديمياً: يُذكر سورات لعمله الرائد في "نزع القناع" عن طبيعة الأنظمة السلطوية في المشرق. تحليله لـ "الدولة الطائفية" في سوريا لا يزال، للأسف، الأداة التحليلية الأكثر دقة لفهم مأساة سوريا اليوم. لقد أظهر أن "الجذور الاجتماعية والاقتصادية" (كما ذكرتَ) لا تنفصل عن "البنية الطائفية" للسلطة.
  • منهجياً: يمثل سورات "أقصى" درجات البحث الميداني. لقد أثبت أن فهم "التطرف" و "العنف" لا يمكن أن يتم من مكاتب مكيفة، بل يتطلب "الشجاعة" للانغماس في "منطق" الفاعلين أنفسهم.
  • إنسانياً: يُذكر سورات "لتفانيه" المطلق. لقد كان باحثاً ملتزماً بـ "الحقيقة" (Truth) في سياق "ما بعد حداثي" (Postmodern) من العنف الطائفي وتفكك الدول.

​في النهاية، قصة ميشيل سورات هي تذكير مرير بأن علم الاجتماع، عندما يكون جاداً وملتزماً، ليس "مهنة" آمنة، بل هو "مهمة" محفوفة بالمخاطر، لأن "فهم" بنى القوة والوحشية بعمق، هو بحد ذاته فعل "تحدٍ" لهذه البنى.


تعليقات