📁 آخر الأخبار

ما بعد العقل الأداتي قراءة نقدية في مشروع الحداثة المتجددة عند حسام الدين فياض

ما بعد "العقل الأداتي": قراءة نقدية في مشروع "الحداثة المتجددة" واستعادة المركزية الإنسانية عند حسام الدين فياض

​مقدمة: مأزق الحداثة... حين يصبح التقدم اغتراباً

​تعيش البشرية في مطلع الألفية الثالثة مفارقة وجودية غير مسبوقة. فمن جهة، بلغ التقدم العلمي والتكنولوجي ذرى شاهقة مكنت الإنسان من السيطرة على الطبيعة واختزال الزمان والمكان؛ ومن جهة أخرى، تعاني المجتمعات المعاصرة من أزمات عميقة في المعنى، وتفكك في الروابط الاجتماعية، وسيادة لمنطق "التشييء" الذي حول الإنسان ذاته إلى مجرد ترس في آلة الإنتاج والاستهلاك الضخمة. إنها اللحظة التي تحولت فيها وعود "عصر التنوير" بالحرية والسعادة إلى كوابيس من الاغتراب والسيطرة التقنية.


مفهوم الحداثة المتجددة وعلاقتها بالمجتمع الإنساني
مفهوم الحداثة المتجددة وعلاقتها بالمجتمع الإنساني.

​في هذا السياق التاريخي المأزوم، يأتي كتاب "الحداثة المتجددة: نحو مجتمعات أكثر إنسانية" للمفكر وعالم الاجتماع د. حسام الدين فياض، ليشكل مرافعة فكرية جريئة وعميقة. لا يكتفي المؤلف بالوقوف موقف "النعي" للحداثة كما يفعل منظرو ما بعد الحداثة، ولا يتبنى موقف "الدفاع المستميت" عنها كما يفعل ورثة التنوير التقليديون. بدلاً من ذلك، يطرح مشروعاً تركيبياً نقدياً يهدف إلى "إنقاذ الحداثة من نفسها" عبر عملية جراحية دقيقة تستأصل ورم "العقلانية الأداتية" وتزرع مكانه قلب "الأنسنة" النابض.

​تهدف هذه الدراسة الأكاديمية إلى تفكيك المرتكزات النظرية لهذا المشروع الطموح. سنقوم بتحليل تشخيص فياض لأمراض الحداثة الراهنة، واستكشاف مفهومه المركزي حول "الأنسنة" كشرط مسبق لأي نهضة، وصولاً إلى رسم ملامح "الحداثة المتجددة" التي يبشر بها، ودور علم الاجتماع النقدي في تحقيقها، خاصة في السياق العربي المشحون بالتحديات. إنها رحلة بحث عن "روح" لعالم أتقن صناعة "الجسد" وفقد بوصلة المعنى.

​المحور الأول: التشخيص النقدي.. باثولوجيا الحداثة الغربية "المبتورة"

​ينطلق د. حسام الدين فياض في مشروعه من تشخيص دقيق لـ "الباثولوجيا الاجتماعية" (الأمراض الاجتماعية) التي تعاني منها الحداثة في نسختها الغربية المهيمنة. يرى فياض أن الحداثة التي بدأت كمشروع تحرري (Emancipatory Project) يهدف إلى إخراج الإنسان من ظلمات الجهل والخرافة، انتهت إلى الوقوع في فخ جديد أشد وطأة، وهو فخ "العقلانية المنحرفة".

​1. طغيان "العقل الأداتي" (Instrumental Rationality)

​مستلهماً إرث المدرسة النقدية (مدرسة فرانكفورت)، يركز فياض نقده على تحول "العقل" في الحضارة الغربية. لقد تم اختزال العقلانية الشاملة التي تهتم بالغايات والقيم والمعاني، إلى مجرد "عقلانية أداتية" (أو تقنية) تهتم فقط بالوسائل الأكثر كفاءة لتحقيق أهداف مادية محددة، بغض النظر عن أخلاقية هذه الأهداف.

  • النتيجة: أصبح السؤال المطروح هو "كيف نحقق أقصى ربح أو أسرع إنتاج؟" (سؤال الوسيلة)، وغاب سؤال "لماذا نفعل ذلك؟ وهل هذا يخدم سعادة الإنسان؟" (سؤال الغاية). هذا الانحراف حول العالم إلى "قفص حديدي" من البيروقراطية والتقنية، كما تنبأ ماكس فيبر.

​2. التشييء والاغتراب: الإنسان كسلعة

​يعد مفهوم "التشييء" (Reification) ركناً أساسياً في تحليل فياض لأزمة الإنسان المعاصر. في ظل سيادة منطق السوق والعقل الأداتي، لم تعد الأشياء فقط هي السلع، بل امتد هذا المنطق ليشمل العلاقات الإنسانية والإنسان نفسه.

  • فقدان الذات: يتحول الفرد في هذا النظام إلى "مورد بشري" تُقاس قيمته بمدى إنتاجيته واستهلاكه، وليس بكرامته الذاتية. هذا يخلق حالة اغتراب مزدوجة: اغتراب عن الذات (حيث لا يجد الإنسان نفسه في عمله)، واغتراب عن الآخرين (حيث تتحول العلاقات إلى مجرد تبادل مصالح بارد).

​3. نزع السحر عن العالم وفقدان المعنى

​يشير الكتاب إلى أن انتصار العلموية المادية أدى إلى ما أسماه فيبر "نزع السحر عن العالم" (Disenchantment). ورغم الجانب الإيجابي في التخلص من الخرافة، إلا أن التطرف في هذا المسار أدى إلى إفراغ العالم من أي بعد روحي أو قيمي متعالٍ.

  • الفراغ القيمي: وجد الإنسان الحديث نفسه في كون بارد وصامت، لا يقدم له أي إجابات عن الأسئلة الوجودية الكبرى (الموت، المعنى، المصير)، مما دفعه للهروب نحو الاستهلاك النهم أو الوقوع في براثن العدمية والقلق الوجودي.

​المحور الثاني: "الأنسنة" (Humanization).. الاستعادة الأنطولوجية للذات المفقودة

​في مواجهة هذا الواقع المأزوم، لا يطرح د. فياض حلولاً ترقيعية اقتصادية أو سياسية، بل يطرح حلاً جذرياً ذا طابع أنطولوجي (وجودي) وأخلاقي، يتلخص في مفهوم "الأنسنة".

​1. ماذا نعني بـ "الأنسنة" في مشروع فياض؟

​الأنسنة هنا ليست مجرد تيار فكري علماني يضع الإنسان مكان الإله كما في بعض التفسيرات الغربية، وليست مجرد دعوة عاطفية للشفقة. إنها مشروع فكري وعملي يهدف إلى "إعادة الاعتبار للإنسان كقيمة عليا وغاية في ذاته"، وليس كوسيلة لتحقيق غايات أخرى (تقنية، اقتصادية، أو أيديولوجية).

  • المركزية الأخلاقية: تتطلب الأنسنة إعادة بناء المنظومة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بحيث يكون معيار نجاحها هو "مدى خدمتها لكرامة الإنسان ونموه الشامل (الروحي والمادي)". أي نظام يحقق النمو الاقتصادي على حساب كرامة الإنسان هو نظام "لا إنساني" يجب تغييره.

​2. الأبعاد الثلاثة لمشروع الأنسنة

​يحلل الكتاب الأنسنة عبر ثلاث مستويات مترابطة:

  • البعد المعرفي (الإبستمولوجي): نقد المناهج العلمية الصارمة التي تختزل الإنسان في أرقام وإحصاءات (الوضعية المغالية)، والدعوة إلى مناهج تفهمية وتأويلية تأخذ بعين الاعتبار الذاتية الإنسانية، المعنى، والقيم.
  • البعد الأخلاقي/القيمي: التأكيد على أن التقدم التقني بدون بوصلة أخلاقية هو كارثة. يجب إعادة الاعتبار للقيم الكونية مثل العدالة، الحرية، التضامن، والمسؤولية تجاه الآخر وتجاه الطبيعة.
  • البعد الاجتماعي/السياسي: بناء مؤسسات اجتماعية وسياسية "إنسانية الطابع"، لا تقوم على القهر والضبط، بل على الحوار، الاعتراف المتبادل، وتمكين الأفراد من المشاركة الفاعلة في تقرير مصيرهم (تأثراً بنظرية الفعل التواصلي لهابرماس).

​المحور الثالث: ملامح "الحداثة المتجددة".. المصالحة بين العقل والقلب

​إن نقد فياض الجذري للحداثة القائمة لا يهدف إلى هدمها، بل إلى "تجديدها". يرفض المؤلف الركون إلى دعوات ما بعد الحداثة التي تفتت الحقيقة وتغرق في النسبية، ويرى أن مشروع الحداثة "لم يكتمل بعد"، وأنه قابل للتصحيح.

​1. مفهوم "التجديد" (Renewal) لا "التجاوز" (Overcoming)

​"الحداثة المتجددة" ليست قطيعة مع مكتسبات العقل والتنوير والعلم، بل هي "عملية نقد ذاتي" تمارسها الحداثة على نفسها لتصحيح مسارها. إنها حداثة واعية بانحرافاتها، وتسعى لاستعادة توازنها المفقود.

​2. ركائز الحداثة المتجددة

​يقوم هذا المشروع على عملية "مصالحة تاريخية" كبرى بين عناصر تم الفصل بينها تعسفياً:

  • المصالحة بين العقلانية والقيم: لا يجب أن يكون هناك تعارض بين التفكير العقلاني والالتزام الأخلاقي. العقلانية الحقيقية هي التي تدرك حدودها وتفسح مجالاً للقيم الإنسانية لتوجيه الفعل.
  • المصالحة بين التقنية والإنسان: يجب أن تعود التقنية لتكون "خادماً" للإنسان لا "سيداً" عليه. التطور التكنولوجي (مثل الذكاء الاصطناعي) يجب أن يُحكم بضوابط أخلاقية صارمة تضمن عدم انتهاكه للكرامة البشرية.
  • المصالحة بين الفرد والجماعة: تجاوز الفردانية النرجسية المتطرفة التي عزلت الإنسان، نحو "فردانية تضامنية" تدرك أن تحقيق الذات لا يتم إلا من خلال العلاقة المسؤولة مع الجماعة.

​3. من "مجتمع المخاطر" إلى "المجتمع الإنساني"

​يستعير فياض مفهوم "مجتمع المخاطر" لأولريش بيك ليشير إلى أن الحداثة الصناعية أنتجت مخاطر كونية تهدد فناء البشرية (بيئية، نووية، بيولوجية). الحداثة المتجددة هي الاستجابة الواعية لهذه المخاطر، عبر تأسيس "عقلانية تواصلية ومسؤولة" تضع الحفاظ على الحياة والبيئة فوق اعتبارات الربح الرأسمالي.

​المحور الرابع: دور "علم الاجتماع النقدي التنويري" في التجديد

​يخصص د. فياض جزءاً محورياً من كتابه لتحديد دور المثقف وعالم الاجتماع في هذا المشروع. لا يمكن تحقيق الحداثة المتجددة بدون "أداة فكرية" قادرة على التشخيص والتوجيه.

​1. نقد السوسيولوجيا الوضعية "المحايدة"

​يهاجم المؤلف بشدة علم الاجتماع الوضعي الذي يكتفي بـ "وصف" الواقع كما هو، متخفياً وراء قناع "الحياد العلمي". يرى فياض أن هذا الحياد هو في الحقيقة انحياز ضمني للنظام القائم وتكريس لآليات الهيمنة. السوسيولوجيا التي لا تنتصر للإنسان المستلب هي علم بلا ضمير.

​2. نحو سوسيولوجيا "ملتزمة" و"تنويرية"

​يدعو الكتاب إلى تأسيس "علم اجتماع تنويري نقدي".

  • الوظيفة النقدية: مهمة السوسيولوجي هي كشف الأقنعة الأيديولوجية، وفضح آليات القهر الخفية في المجتمع (العنف الرمزي)، وتفكيك المسلمات التي تبدو "طبيعية" وهي في الحقيقة بناءات اجتماعية ظالمة.
  • الوظيفة التنويرية/التحررية: لا يكتفي العالم بالنقد، بل يجب أن يساهم في "تنوير" الوعي الاجتماعي، وتقديم بدائل فكرية تساعد الفاعلين الاجتماعيين على التحرر من أشكال الهيمنة وبناء واقع أكثر إنسانية. السوسيولوجي هنا هو "مثقف عضوي" ملتزم بقضايا مجتمعه.

​خاتمة: الرهان على الإنسان... نداء للمستقبل

​يختتم د. حسام الدين فياض كتابه بنبرة تجمع بين القلق المعرفي والأمل الإرادي. إن مشروع "الحداثة المتجددة" ليس ترفاً فكرياً، بل هو "ضرورة بقاء" للجنس البشري في ظل التحديات الوجودية الراهنة.

​إن الرسالة النهائية للكتاب هي أننا لسنا محكومين بحتمية تاريخية تقودنا نحو الهاوية التقنية أو العدمية الأخلاقية. الإنسان لا يزال يمتلك القدرة على "الفعل" (Agency) وعلى تغيير مسار التاريخ إذا ما استعاد وعيه النقدي وبوصلته الأخلاقية.

​إن "الحداثة المتجددة" هي دعوة مفتوحة لإعادة اختراع المستقبل، مستقبل لا يكون فيه الإنسان عبداً لأدواته، بل سيداً لمصيره، في مجتمعات تعيد اكتشاف معنى أن نكون "بشراً" حقاً، متضامنين في مواجهة الهشاشة، وملتزمين بالقيم التي تجعل الحياة جديرة بأن تُعاش. إنه رهان صعب، لكنه الرهان الوحيد الممكن لإنقاذ إنسانية الإنسان.

للاطلاع المباشر على النص الأصلي للمؤلف، يمكنك الوصول إلى نسخة الكتاب من هنا .

​المراجع الأساسية المعتمدة في التحليل:

  • فياض، حسام الدين. (202x). الحداثة المتجددة: نحو مجتمعات أكثر إنسانية. (الكتاب الأصل موضوع الدراسة).
  • تم الرجوع استئناساً إلى الخلفيات النظرية للمفاهيم الواردة في الكتاب (مدرسة فرانكفورت، هابرماس، فيبر، بيك) لتعميق التحليل الأكاديمي.

​جدول مقارنة: الحداثة الأداتية القائمة vs الحداثة الإنسانية المتجددة 

​لتعزيز قيمة المقال لمحركات البحث والقراء، نوجز الفروقات الجوهرية التي يطرحها الكتاب في هذا الجدول المقارن:

وجه المقارنة الحداثة الأداتية (الواقع المأزوم) الحداثة المتجددة (المشروع المقترح)
نوع العقلانية المهيمنة عقلانية أداتية/تقنية (تركز على الوسائل والكفاءة). عقلانية تواصلية/قيمية (تركز على الغايات، المعنى، والحوار).
مكانة الإنسان وسيلة، مورد بشري، سلعة (تشييء واغتراب). غاية في ذاته، قيمة عليا، مركز الكون الاجتماعي (أنسنة).
العلاقة مع التقنية والاقتصاد التقنية والاقتصاد هما "السيد" الذي يوجه المجتمع (حتمية تقنية). التقنية والاقتصاد "خدم" لرفاه الإنسان ويخضعان لضوابط أخلاقية.
طبيعة العلاقات الاجتماعية علاقات تعاقدية باردة، تنافسية، وفردانية نرجسية. علاقات تضامنية، اعتراف متبادل، وفردانية مسؤولة اجتماعياً.
دور علم الاجتماع وصفي، تقني، يدعي الحياد (يكرس الهيمنة). نقدي، تنويري، ملتزم أخلاقياً (يهدف للتحرر).
الهدف النهائي السيطرة على الطبيعة، ومراكمة الربح المادي. تحقيق السعادة الإنسانية، العدالة، والعيش المشترك الكريم.
 

الأسئلة الشائعة (FAQ) حول كتاب "الحداثة المتجددة"

س1: ما هو المقصود بـ "العقل الأداتي" الذي ينتقده د. حسام الدين فياض؟

ج: العقل الأداتي (Instrumental Reason) هو نمط من التفكير يركز حصرياً على إيجاد أفضل الوسائل التقنية لتحقيق غايات معينة (مثل الربح أو السلطة)، دون التساؤل عن القيمة الأخلاقية أو الإنسانية لهذه الغايات. إنه عقل "كيف نفعل" وليس عقل "لماذا نفعل"، وهو المسؤول عن تحويل الإنسان إلى مجرد أداة في النظم الحديثة.

س2: هل يدعو الكتاب إلى رفض الحداثة والعودة إلى الماضي؟

ج: قطعاً لا. يؤكد د. فياض أن مشروعه هو "حداثة متجددة" (Renewed Modernity) وليس "ما بعد حداثة" عدمية أو "ما قبل حداثة" رجعية. إنه يدعو للحفاظ على مكتسبات العقل والعلم، ولكن مع تصحيح مسارها بإعادة دمج القيم الإنسانية والأخلاقية التي تم إقصاؤها. إنه إصلاح للحداثة من داخلها.

س3: كيف يمكن تطبيق مفهوم "الأنسنة" في الواقع العملي؟

ج: الأنسنة ليست مجرد شعار نظري، بل تتطلب تغييرات هيكلية. في الاقتصاد، تعني الأنسنة تبني نماذج اقتصادية تضع الرفاه الاجتماعي والعدالة فوق الربح المفرط (مثل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني). في السياسة، تعني تعزيز الديمقراطية التشاركية وحقوق الإنسان. في التقنية، تعني وضع ضوابط أخلاقية صارمة لتطبيقات مثل الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية لضمان عدم تهديدها لكرامة الإنسان.

س4: ما هي أهمية هذا الكتاب للقارئ العربي تحديداً؟

ج: يكتسب الكتاب أهمية مضاعفة في السياق العربي الذي يعاني من "حداثة مشوهة" أو "تحديث بدون حداثة"؛ حيث تم استيراد القشور التقنية والاستهلاكية للحداثة الغربية دون تمثل قيمها العقلانية والإنسانية العميقة، وفي نفس الوقت التمسك بقشور التراث الجامدة. يقدم الكتاب إطاراً فكرياً للخروج من هذا المأزق عبر بناء نموذج حداثي أصيل يجمع بين العقلانية الكونية والقيم الإنسانية المستمدة من ثقافتنا، متجاوزاً ثنائية "التقليد الأعمى" للغرب أو "الانغلاق السلفي" على الماضي.

تعليقات