صناعة العلوم الاجتماعية: من هيمنة الميتافيزيقا إلى ثورة الفوكوية | قراءة إبستيمولوجية في كتاب جوهان ميشال
الكلمات المفتاحية: فلسفة العلوم الاجتماعية، جوهان ميشال، أوغست كونت، ميشال فوكو، الإبستيمولوجيا، تاريخ علم الاجتماع، الوضعانية، الفينومينولوجيا، التأويلية، استقلالية العلوم الإنسانية.
مقدمة: صراع العروش الأكاديمي
في البدء كانت الفلسفة.. هكذا يروي تاريخ الأفكار قصته المعتادة. كانت "أم العلوم" تتربع على عرش المعرفة، فارضة وصايتها على كل محاولة لفهم الكون أو الإنسان. لكن القرن التاسع عشر شهد "انشقاقاً" تاريخياً؛ تمردت مباحث دراسة المجتمع والإنسان مطالبة بـ "الاستقلال"، معلنة ميلاد ما نسميه اليوم "العلوم الاجتماعية".
هذا المخاض العسير، الذي تراوح بين التبعية والتمرد، هو موضوع الكتاب العمد للفيلسوف الفرنسي المعاصر جوهان ميشال (Johann Michel) بعنوان "صناعة العلوم الاجتماعية: من أوغست كونت إلى ميشال فوكو".
في هذه المقالة التحليلية الشاملة، لن نكتفي بعرض مضامين الكتاب، بل سنقوم بتفكيك "الجينوم" المعرفي للعلوم الاجتماعية، متتبعين كيف تحولت من "فيزياء اجتماعية" خجولة عند كونت، إلى "سلطة معرفية" نقدية عند فوكو، مروراً بالثورات المنهجية لفيبر ودوركايم.
![]() |
| غلاف كتاب صناعة العلوم الاجتماعية : من أوغست كونت إلى ميشال فوكو . |
1. بطاقة تقنية للكتاب والمؤلف
قبل الغوص في الأعماق، من الضروري تقديم "هوية" هذا العمل الذي بين أيدينا (ترجمة الحسين الزاوي):
- العنوان الأصلي: La fabrique des sciences sociales: D'Auguste Comte à Michel Foucault.
- المؤلف: جوهان ميشال؛ أستاذ بجامعة بواتييه وباحث في المعهد الجامعي الفرنسي، متخصص في الهرمينوطيقا (التأويلية) وفلسفة العلوم الاجتماعية، يجمع في تكوينه بين الصرامة الفلسفية والحس السوسيولوجي.
- المترجم: د. الحسين الزاوي (دار الروافد الثقافية / ابن النديم).
- الفرضية المركزية: العلوم الاجتماعية لم تولد "جاهزة" بل تم "تصنيعها" (Fabrique) عبر سيرورة تاريخية من القطائع والاتصالات مع الفلسفة، وهي سيرورة لم تكتمل بعد.
2. المحطة الأولى: أوغست كونت.. الفيلسوف الذي "اخترع" عدوه
يبدأ جوهان ميشال رحلته من لحظة التأسيس مع أوغست كونت (1798-1857). المفارقة التي يلتقطها الكتاب ببراعة هي أن كونت، الفيلسوف الوضعي، هو الذي وضع حجر الأساس للعلم الذي سيزاحم الفلسفة لاحقاً.
أ. الفيزياء الاجتماعية وقانون الحالات الثلاث
كان هاجس كونت هو إنقاذ المجتمع الفرنسي ما بعد الثورة من الفوضى. الحل في نظره كان "العلم". دعا كونت إلى تأسيس "فيزياء اجتماعية" تدرس الظواهر البشرية بنفس دقة دراسة الظواهر الطبيعية.
- الوضعانية (Positivism): هي العقيدة التي ترى أن المعرفة الحقيقية الوحيدة هي المعرفة العلمية القائمة على الملاحظة والتجربة، رافضة أي تفسير ميتافيزيقي أو لاهوتي.
- وصاية مشروطة: يرى ميشال أن كونت منح العلوم الاجتماعية "شهادة ميلاد" لكنه أبقاها تحت "وصاية فلسفية"؛ فالفيلسوف الوضعي هو الذي يحدد للمجتمع مساره، والعالم الاجتماعي هو مجرد تقني ينفذ الرؤية.
ب. نقد التأسيس الكونتي
يحلل جوهان ميشال كيف أن مشروع كونت كان يحمل بذور فنائه. فالدعوة إلى "علمية" صارمة (تنبذ كل ما لا يخضع للملاحظة) ستؤدي لاحقاً إلى تمرد علماء الاجتماع على كونت نفسه، متهمين إياه بأنه "فيلسوف متستر" في رداء عالم، لأن نظرياته كانت تأملية أكثر منها إمبيريقية.
3. المحطة الثانية: جيل المؤسسين ومعركة المنهج (دوركايم وفيبر)
إذا كان كونت قد وضع "الاسم"، فإن الجيل التالي هو الذي صنع "المسمى". ينتقل الكتاب ليرصد كيف تحولت العلوم الاجتماعية إلى "ممارسة مؤسساتية" لها كراسي جامعية ومناهج صارمة.
أ. إميل دوركايم: "الشيئية" كإعلان استقلال
يعتبر دوركايم (1858-1917) البطل الحقيقي لاستقلال السوسيولوجيا في فرنسا.
- قاعدة "الظاهرة الاجتماعية كشيء": يفكك ميشال هذه القاعدة الشهيرة، موضحاً أنها ليست دعوة لتحويل البشر إلى جمادات، بل هي دعوة إبستيمولوجية للتعامل مع الظواهر (كالانتحار، الدين، الجريمة) كوقائع خارجية منفصلة عن وعي الأفراد، قابلة للقياس والملاحظة الإحصائية.
- القطيعة مع الفلسفة: أراد دوركايم فصل علم الاجتماع عن الفلسفة وعن علم النفس. فالمجتمع عنده "واقعة فريدة" (Sui Generis) لا يمكن تفسيرها إلا بأسباب اجتماعية، وليس بغرائز نفسية أو تأملات فلسفية.
ب. ماكس فيبر: الفهم والتأويل (عكس التيار)
على الضفة الألمانية، كان ماكس فيبر (1864-1920) يؤسس لنموذج مغاير تماماً، يراه جوهان ميشال مكملاً وضرورياً.
- الفهم (Verstehen): رفض فيبر معاملة البشر كـ "أشياء". الإنسان كائن يمنح "معنى" لفعله. لذا، مهمة عالم الاجتماع ليست فقط رصد السلوك الخارجي، بل "فهم" المعاني والدوافع الداخلية (لماذا يفعلون ذلك؟).
- العلوم الثقافية: دافع فيبر عن خصوصية العلوم الاجتماعية (علوم الروح) مقابل العلوم الطبيعية، مؤسساً لما يُعرف بـ "السوسيولوجيا التفهمية".
4. المحطة الثالثة: التحالفات الفلسفية (الفينومينولوجيا والذرائعية)
يبرز جوهان ميشال في هذا الجزء كيف أن العلوم الاجتماعية، في سعيها للنضج، لم تقاطع الفلسفة تماماً، بل تحالفت مع تيارات فلسفية محددة خدمت أهدافها.
أ. الفينومينولوجيا: من "الوعي الخالص" إلى "الحياة اليومية"
كيف تحولت فلسفة هوسرل المتعالية إلى أداة سوسيولوجية؟
يشرح الكتاب دور ألفرد شوتز في "أقلمة" الفينومينولوجيا اجتماعياً. بدلاً من البحث عن "الجواهر"، استخدم علماء الاجتماع (مثل بيتر بيرغر وتوماس لوكمان) الأدوات الفينومينولوجية لدراسة "الواقع المعاش" والحياة اليومية، وكيف يبني الأفراد واقعهم الاجتماعي عبر التفاعل واللغة.
ب. الذرائعية (البرواجماتية): الفعل قبل الفكر
يرصد الكتاب تأثير الفلسفة الأمريكية (ديوي، جيمس، ميد) على نشأة "مدرسة شيكاغو".
- النظرية كأداة: لم تعد النظرية غاية في ذاتها، بل "أداة" لحل المشكلات الاجتماعية (الجريمة، الهجرة، التفكك الحضري).
- التفاعلية الرمزية: بفضل هذا الرافد الفلسفي، تطور علم الاجتماع الميكرو (Micro-sociology) الذي يدرس التفاعلات الصغيرة وجهاً لوجه، بعيداً عن البنيات الكبرى المجردة.
5. المحطة الرابعة: ميشال فوكو.. الانقلاب الإبستيمولوجي
يختتم جوهان ميشال كتابه بالمحطة الأكثر إثارة وجدلاً: ميشال فوكو (1926-1984). لماذا فوكو؟
لأن فوكو يمثل لحظة "انقلاب السحر على الساحر".
أ. من "وصاية الفلسفة" إلى "سوسيولوجيا الفلسفة"
مع فوكو، لم تعد الفلسفة هي التي تحاكم العلوم الاجتماعية، بل أصبحت العلوم الاجتماعية (التاريخ، السوسيولوجيا، اللسانيات) هي التي تفكك الخطاب الفلسفي.
- الأركيولوجيا والجينيالوجيا: استخدم فوكو منهجيات تاريخية-اجتماعية لدراسة مفاهيم فلسفية كبرى (العقل، الحقيقة، الجنس).
- السلطة والمعرفة: كشف فوكو أن العلوم الإنسانية نفسها (الطب النفسي، علم الإجرام) لم تنشأ فقط لـ "معرفة" الإنسان، بل لـ "السيطرة" عليه. هي تقنيات سلطوية لضبط الأجساد والمجتمعات (Bio-politics).
ب. "موت الإنسان" كمفهوم إبستيمولوجي
يناقش الكتاب عبارة فوكو الشهيرة حول "موت الإنسان"، موضحاً أنها ليست دعوة عدمية، بل إعلان لنهاية "النزعة الإنسانية" التقليدية التي كانت تضع الإنسان كمركز للكون، وبداية لعصر تُدرس فيه البنى والخطابات التي "تشكل" هذا الإنسان.
6. خلاصة نقدية: هل استقلت العلوم الاجتماعية حقاً؟
في خاتمة كتابه، لا يقدم جوهان ميشال إجابة نهائية قاطعة، بل يفتح أفقاً للتفكير:
- الاستقلال النسبي: حققت العلوم الاجتماعية استقلالها المؤسسي والمنهجي، لكنها لا تزال في حاجة إلى "اليقظة الإبستيمولوجية" (كما يقول بورديو) التي توفرها الفلسفة.
- خطر التقنية: يحذر ميشال من أن تتحول العلوم الاجتماعية إلى مجرد "تقنيات إدارة" (Social Engineering) خالية من الروح النقدية، فتصبح أدوات في يد السلطة، وهنا تبرز الحاجة لاستعادة الروح الفلسفية النقدية (كما عند فوكو ومدرسة فرانكفورت).
الأسئلة الشائعة (FAQ) -
س: ما الفرق الجوهري بين الفلسفة وعلم الاجتماع حسب الكتاب؟
ج: الفلسفة معيارية وتأملية (تسأل عما يجب أن يكون، وتبحث عن الماهيات)، بينما علم الاجتماع وصفي وتحليلي (يسأل عما هو كائن، ويبحث عن العلاقات السببية والقوانين التي تحكم الظواهر باستخدام البيانات).
س: كيف ساهمت الوضعانية في نشأة العلوم الاجتماعية؟
ج: الوضعانية (عند كونت) وفرت "الشرعية العلمية" للدراسات الاجتماعية، بدعوتها لتطبيق المنهج العلمي (الملاحظة والتجربة) على المجتمع، وتخليص المعرفة من التفسيرات الدينية والميتافيزيقية.
س: لماذا يعتبر ميشال فوكو محورياً في هذا الكتاب؟
ج: لأنه يمثل مرحلة النقد الذاتي الجذري. فوكو لم يكتفِ بممارسة العلم الاجتماعي، بل قام بـ "تاريخية" هذه العلوم نفسها، كاشفاً علاقتها بالسلطة والهيمنة، مما أعاد طرح سؤال "الموضوعية" بشكل جديد.
س: هل الكتاب مناسب لغير المتخصصين؟
ج: الكتاب ذو طابع أكاديمي تخصصي (إبستيمولوجي)، موجه بالأساس لطلاب الفلسفة وعلم الاجتماع والدراسات العليا، لكن لغته التحليلية الواضحة (خاصة في الترجمة العربية) تجعله متاحاً للمثقف العام المهتم بتاريخ الأفكار.
تحميل كتاب صناعة العلوم الاجتماعية (PDF)
للباحثين والطلاب الراغبين في التعمق في هذه الرحلة المعرفية الشيقة، يمكنكم تحميل النسخة الكاملة من الكتاب عبر الرابط أدناه.
بيانات الملف:
- العنوان: صناعة العلوم الاجتماعية: من أوغست كونت إلى ميشال فوكو.
- المؤلف: جوهان ميشال.
- المترجم: الحسين الزاوي.
- الناشر: ابن النديم للنشر / دار الروافد الثقافية.
- الصيغة: PDF (نسخة مفهرسة وعالية الجودة).
تنبيه: يمثل هذا الكتاب إضافة نوعية للمكتبة العربية التي تفتقر للمراجع الحديثة في فلسفة العلوم الاجتماعية، وقراءته ضرورية لفهم التحولات المعاصرة في بنية المعرفة الإنسانية.
قد يهمك أيضا قراءة:
