جون ديوي ومدرسة شيكاغو: تحليل ويليام جيمس للفلسفة البراغماتية

مدرسة شيكاغو الفلسفية: جون ديوي وتأسيس الفلسفة البراغماتية في أمريكا

​ملخص

​يستعرض هذا البحث الأسس الفكرية والفلسفية التي قامت عليها -مدرسة شيكاغو الفلسفية- بقيادة الفيلسوف الأمريكي -جون ديوي- (1859-1952)، مع التركيز على التحليل الذي قدّمه -ويليام جيمس- في مقاله الكلاسيكي المنشور في -النشرة النفسية- عام 1904. تتناول الدراسة الإطار النظري للمدرسة، وموقعها في تيار -الفلسفة البراغماتية-، وعلاقتها بالحركات الفلسفية المعاصرة، كما تبحث في أثرها على مجالات الفلسفة وعلم النفس والتربية وعلم الاجتماع. وتعتمد الدراسة على تحليل النصوص الأصلية والمراجع الثانوية لتقديم رؤية شاملة ومتوازنة لهذه المدرسة الفلسفية المؤثرة.

جون ديوي ومدرسة شيكاغو
جون ديوي ومدرسة شيكاغو.

​المقدمة

​شكّل ظهور -مدرسة شيكاغو الفلسفية- في مطلع القرن العشرين علامة فارقة في تاريخ الفكر الأمريكي. ففي جامعة شيكاغو، تجمعت حول الفيلسوف -جون ديوي- نخبة من الباحثين والمفكرين الذين صاغوا رؤية فلسفية متكاملة، مزجت بين النظرية والتطبيق، وربطت الفلسفة بقضايا المجتمع والتعليم والديمقراطية. وقد لاحظ -ويليام جيمس-، أحد أبرز فلاسفة -البراغماتية- في عصره، هذه الظاهرة مبكراً، فخصّها بمقال نقدي رصين نُشر في العدد الأول من -النشرة النفسية- في يناير 1904 تحت عنوان "مدرسة شيكاغو" (The Chicago School).

​يُعد هذا المقال وثيقة تاريخية مهمة، ليس فقط لأنه يوثق ولادة مدرسة فلسفية جديدة، بل لأنه يقدم تحليلاً نقدياً عميقاً لأفكارها من منظور أحد أقران ديوي ومنافسيه الفكريين. وقد عبّر جيمس عن دهشته وإعجابه بهذه المدرسة قائلاً: "شيكاغو لديها مدرسة فكرية! – مدرسة فكرية من المؤكد أنها ستظهر في الأدبيات باسم -مدرسة شيكاغو- لخمسة وعشرين عاماً قادمة. لدى بعض الجامعات الكثير من الأفكار التي يمكن أن تعرضها، ولكن ليس هناك مدرسة؛ آخرون لديهم الكثير من المدارس، ولكن لا تفكير. تُظهر جامعة شيكاغو، من خلال منشوراتها العشرية، فكراً حقيقياً ومدرسة حقيقية".

​تهدف هذه الدراسة إلى إعادة قراءة هذا الإرث الفلسفي في ضوء المصادر الأصلية والتحليلات النقدية المعاصرة، مع التركيز على ثلاثة محاور رئيسية: الأسس الفلسفية لمدرسة شيكاغو كما عرضها ويليام جيمس، ومفهوم -الحقيقة- و**-المنطق الأداتي-** عند ديوي، وأثر هذه المدرسة في الفلسفة والعلوم الاجتماعية.

​جون ديوي والنشأة الفكرية لمدرسة شيكاغو

​وُلد -جون ديوي- في بيرلنغتون بولاية فيرمونت الأمريكية عام 1859، وتوفي في نيويورك عام 1952، تاركاً إرثاً فلسفياً يمتد عبر أكثر من سبعة عقود. حصل ديوي على درجة البكالوريوس من جامعة فيرمونت عام 1879، ثم نال الدكتوراه في الفلسفة من جامعة جونز هوبكنز عام 1884. بدأ مسيرته الأكاديمية بالتدريس في جامعة ميشيغان، حيث تحوّلت اهتماماته تدريجياً من الفلسفة الهيغلية إلى -علم النفس التجريبي- الذي كان يتبناه ج. ستانلي هول وويليام جيمس.

​في عام 1894، التحق ديوي بهيئة التدريس في جامعة شيكاغو التي كانت قد تأسست حديثاً (عام 1890) بتمويل من رجل الأعمال جون د. روكفلر. في هذه الجامعة الوليدة، وجد ديوي بيئة خصبة لتطوير أفكاره الفلسفية والتربوية. فقد أسس مع زوجته أليس تشيبمان ديوي "-المدرسة النموذجية-" (Laboratory School) عام 1896، والتي أصبحت مختبراً حياً لتطبيق نظرياته التربوية القائمة على مبدأ "-التعلم بالممارسة-" (learning by doing).

​وقد التفّ حول ديوي في جامعة شيكاغو عدد من الباحثين المتميزين، من أبرزهم -جورج هربرت ميد- الذي أسهم في تطوير نظرية -التفاعل الرمزي-، وجيمس هايدن تافتس الذي عمل على تطوير الأخلاقيات البراغماتية، وإدوارد سكريبنر أميس الذي ركز على فلسفة الدين. وقد نشر هؤلاء الباحثون مع ديوي مجموعة من الدراسات تحت عنوان "-دراسات في النظرية المنطقية-" (Studies in Logical Theory) عام 1903، والتي شكلت البيان التأسيسي لمدرسة شيكاغو الفلسفية.

​وقد رأى جيمس في هذا العمل الجماعي دليلاً على وجود مدرسة فلسفية حقيقية، وليس مجرد تجمع لأفراد متفرقين. ووصف البيان الذي قدّمه ديوي وتلاميذه بأنه "متجانس على الرغم من وجود العديد من العقول المتعاونة، حول رؤية للعالم، نظرية وعملية على السواء، وهي بسيطة جداً وضخمة ومعقدة"، وأضاف: "من المؤكد أنه، على الرغم من أن أجزاء كثيرة منه لا تزال بحاجة إلى العمل، فإنه يستحق عنوان نظام جديد للفلسفة. فإذا كان صحيحاً بقدر ما هو أصلي، فيجب اعتبار نشره حدثاً مهماً".

​الأسس الفلسفية لمدرسة شيكاغو في تحليل ويليام جيمس

​قدّم جيمس في مقاله تحليلاً دقيقاً للأسس الفلسفية التي قامت عليها مدرسة شيكاغو. وقد حدّد خمس خصائص رئيسية تميز هذا النظام الفلسفي الجديد.

​أولاً: -التطورية- (Evolutionism). يشير جيمس إلى أن فلسفة ديوي، مثل فلسفة هربرت سبنسر، تُعد نظرية تطورية. لكنه يستدرك بأن ديوي، على عكس سبنسر، لم يسعَ إلى تطبيق مبادئه على التفاصيل، بل اقتصر حتى ذلك الحين على وضع مبادئ عامة، باستثناء كتاباته الرائعة في مجال الأخلاق. وقد تأثر ديوي بشدة بنظرية داروين في التطور، وعدّها أساساً لإعادة بناء الفلسفة على أسس طبيعية وتجريبية.

​ثانياً: -التجريبية المحضة- (Pure Empiricism). يؤكد جيمس أن ديوي تجريبي خالص، بمعنى أنه لا يعترف بوجود أي شيء حقيقي ليس مادة مباشرة للتجربة. لا يوجد "لا معروف" (Unknowable) أو "مطلق" (Absolute) خلف العالم المحدود أو حوله. ولا يوجد مطلق بمعنى أي شيء ثابت إلى الأبد؛ "لا يوجد مصطلح ثابت، ولكن كل شيء هو عملية وتغيير". هذه النقطة تمثل قطيعة واضحة مع الفلسفات المثالية والميتافيزيقية السائدة آنذاك، وتؤسس لرؤية ديناميكية للواقع.

​ثالثاً: التواصل بين البيولوجيا وعلم النفس (Continuity between Biology and Psychology). يرى جيمس أن ديوي يجعل البيولوجيا وعلم النفس متواصلين. فمفهوم "الحياة" أو "التجربة" هو المفهوم الأساسي، وسواء أُخذ من الناحية الجسدية أم العقلية، فهو ينطوي على تعديل بين الأطراف. وقد تجسد هذا المبدأ في مفهوم "-الموقف-" (Situation) الذي يعد محورياً في فلسفة ديوي. فالموقف يتضمن عاملين على الأقل، كل منهما متغير مستقل ودالة للمتغير الآخر؛ وهما البيئة (E) والكائن الحي (O). يتفاعل هذان العاملان ويطوران بعضهما البعض بلا نهاية.

​رابعاً: -إعادة البناء المستمر- (Perpetual Reconstruction). الموقف يُعاد بناؤه بشكل دائم، وإعادة البناء هذه هي العملية التي يتكون منها الواقع بأكمله. هذا المفهوم يعكس الطبيعة الديناميكية للواقع في فلسفة ديوي، ويرفض أي تصور للثبات أو الجمود. وقد عبّر ديوي عن هذا المفهوم في العديد من كتاباته، لا سيما في كتابه "إعادة البناء في الفلسفة" (Reconstruction in Philosophy) الذي صدر عام 1920.

​خامساً: -الوظيفية في الوعي- (Functionalism in Consciousness). يوضح جيمس أن الوعي، في تصور مدرسة شيكاغو، نشط وظيفياً في إعادة التكيف. ففي المواقف "المتكيفة" تماماً، حيث تكون التعديلات سلسة ونمطية، يكون الوعي في الحد الأدنى. أما عندما يكون هناك تردد، وعندما لا تسري العادة الماضية، فإن الموقف يوقظ فكراً واضحاً. وبالتالي فإن الفكر عرضي للتغيير في التجربة، وللصراع بين القديم والجديد. وقد قاد هذا التصور ديوي وتلاميذه إلى صياغة مفهوم جديد لعملية الحكم المنطقي، حيث ينشأ انقسام في الخبرة إلى محتوى الإحساس كموضوع ومحتوى مثالي كمسند، وذلك عند فشل المثير المعتاد في أن يكون كافياً.

​وقد لاحظ جيمس بعض الثغرات في هذا النظام الفلسفي، أبرزها غياب علم كونيات متكامل، وعدم وجود تفسير إيجابي لترتيب الحقائق الفيزيائية مقابل الحقيقة العقلية. كما أشار إلى أن النظام لم يقدم تفسيراً للحقيقة القائلة بأن الموضوعات المختلفة تشترك في عالم كائن مشترك. ورغم هذه التحفظات، فقد خلص جيمس إلى أن هذه الفلسفة "تبدو واعدة عبر الوسائط بين الاتجاهين التجريبي والمتعالي في عصرنا"، وأنها "من المحتمل أن يكون لها مستقبل عظيم، وهو بالتأكيد شيء قد يفخر به الأمريكيون".

​الحقيقة والمنطق الأداتي عند جون ديوي

​يُعد مفهوم -الحقيقة- أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل في فلسفة ديوي. ففي مقابل النظريات التقليدية التي تعرّف الحقيقة بأنها مطابقة الواقع (Correspondence Theory) أو اتساق القضايا (Coherence Theory)، قدّم ديوي نظرية براغماتية – أو "أداتية" (Instrumentalism) – للحقيقة.

​يرى ديوي أن الحقيقة والنظرية لا تختلفان في الطبيعة، بل كلاهما مصنوعان من مادة الخبرة نفسها. فما هو حقيقة لعصر ما، أو لسائل ما، هو نظرية لعصر آخر أو لسائل آخر. إنها "حقيقة" عندما تعمل بثبات؛ إنها "نظرية" عندما نتردد. وهكذا فإن "الحقيقة" في طور التشكل مثل كل الأشياء الأخرى. وبتعبير آخر، الحقيقة عند ديوي هي "الفكرة النافعة"، أي الفكرة التي تجيب على سؤال لدى الإنسان وتحل المشكلة التي تواجهه. فالفكرة الحقيقية في الرياضيات، على سبيل المثال، هي الفكرة التي تقدم حلاً لسؤال رياضي.

​وقد دافع ديوي عن هذا المفهوم في مواجهة الاتهامات بالنسبية والذاتية، مؤكداً أن الحقائق الملموسة نفسها هي التي تمنع الشك من أن يكون منهجياً بأي معنى غير مقبول عملياً. فالتجربة تتوسع باستمرار، وتصبح العوامل الموضوعية لمواقفنا دائماً إشكالية، مما يجعل الحقائق القديمة غير مرضية، ويدفعنا إلى العثور على حقائق جديدة. علاوة على ذلك، فإن العوامل الموضوعية مشتركة بيننا وبين الآخرين؛ ويجب أن تتزاوج حقائقنا مع حقائق إخواننا من البشر.

​ويُعد مفهوم "-المنطق الأداتي-" (Instrumental Logic) أحد أهم إسهامات ديوي في الفلسفة. فقد رفض التصور المعرفي التقليدي للمنطق الذي يفصل الفكر عن التجربة العملية، ودعا إلى تصور تطوري للمنطق يربطه مباشرة بعملية حل المشكلات. وكما يقول ديوي، "ما دمنا نحتفظ بمسلمة وجود حقيقة ثابتة، لا يمكننا تفسير دور الفكر إلا اسنساً ولا تمييز قيمته؛ إمّا أنّه يشوّه هذا المعطى الذي نعتبره مستقلاً عنه، وبالتالي فهو صانع للخطأ؛ وإمّا يعيد إنتاجه ببساطة وبشكل خالص، ومن ثمّ فإنّ عمله هو فعال بدون جدوى".

​وهكذا، فإن المنطق عند ديوي ليس أداة لاكتشاف حقائق مطلقة وسابقة على التجربة، بل هو وسيلة لحل المشكلات التي تواجه الكائن الحي في بيئته. والتفكير المنطقي لا يبتعد كثيراً عن السلوك الطبيعي للإنسان في حياته المباشرة. التعلم بالتجربة، بالمحاولة والخطأ، هو السلوك الذي يقوم به الطفل وهو المنطق الذي يتحرك داخله العالم. العالم كالطفل حين يقوم بتجربة فكرة ما ليحكم على صلاحيتها من خلال نفعها.

​أثر مدرسة شيكاغو: من الفلسفة إلى العلوم الاجتماعية والتربية

​لم تقتصر إسهامات مدرسة شيكاغو على الفلسفة النظرية، بل امتدت إلى مجالات عدة، أبرزها التربية وعلم الاجتماع.

​في مجال التربية: يُعد ديوي الأب الروحي لـ -التربية التقدمية- (Progressive Education). وقد طوّر فلسفة تربوية متكاملة تقوم على مبدأ أن التربية ليست مجرد إعداد للحياة، بل هي الحياة نفسها. ويربط ديوي تماماً بين الفلسفة والتربية، مؤكداً أن "كل نظرية فلسفية لا تؤدي إلى تبديل في العمل التربوي لا بد أن تكون مصطنعة". وقد تجسدت أفكار ديوي التربوية في المدرسة النموذجية التي أسسها في جامعة شيكاغو، والتي أصبحت نموذجاً للمدارس التجريبية في جميع أنحاء العالم.

​وقد أكد ديوي على أهمية ربط التعليم بالخبرة والتجربة، ورفض النماذج التعليمية التقليدية القائمة على التلقين والحفظ. فالتعليم عنده عملية نشطة يتفاعل فيها المتعلم مع بيئته، ويتعلم من خلال حل المشكلات التي تواجهه. وقد كان لهذه الأفكار أثر عالمي واسع، حيث تبنتها العديد من الأنظمة التعليمية في مختلف أنحاء العالم.

​في مجال علم الاجتماع: ارتبط اسم مدرسة شيكاغو أيضاً بـ -مدرسة شيكاغو لعلم الاجتماع- التي ظهرت في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين. وقد تأثرت هذه المدرسة بأفكار ديوي الفلسفية، لا سيما تركيزه على التجربة والتفاعل. وقد تخصصت مدرسة شيكاغو لعلم الاجتماع في دراسة الظواهر الحضرية، مثل الهجرة والتحضر والجريمة، باستخدام أساليب البحث الميداني والإثنوغرافي.

​ومن أبرز رواد مدرسة شيكاغو في علم الاجتماع -جورج هربرت ميد-، الذي كان تلميذاً لديوي، والذي أسهم في تطوير نظرية -التفاعل الرمزي- (Symbolic Interactionism). كما برز روبرت بارك، الذي طور مفهوم الإيكولوجيا البشرية، وويليام توماس، الذي اشتهر بدراسته الرائدة عن الفلاح البولندي في أوروبا وأمريكا. وقد استفاد هؤلاء الباحثون من الأفكار الفلسفية لمدرسة شيكاغو في صياغة نظرياتهم وأساليبهم البحثية.

​العلاقة بالبراغماتية المعاصرة

​أشار جيمس في مقاله إلى التشابه الملحوظ بين فلسفة مدرسة شيكاغو و"-البراغماتية-" أو "الإنسانية" التي طوّرها بشكل مستقل تماماً كل من ف. س. س. شيلر وج. ستورت في أكسفورد. وهذا التشابه يعكس وحدة الإلهام الفلسفي للبراغماتية على ضفتي الأطلسي.

​وقد تطورت البراغماتية بعد ديوي وجيمس على أيدي فلاسفة مثل ريتشارد رورتي الذي قدّم قراءة جديدة للبراغماتية في سياق ما بعد الحداثة، وهيلاري بوتنام الذي ربط البراغماتية بفلسفة اللغة والمنطق. ومع ذلك، تبقى فلسفة ديوي ومدرسة شيكاغو مرجعاً أساسياً لكل تيار براغماتي لاحق.

​وقد وصف جيمس فلسفة مدرسة شيكاغو بأنها "تستخدم الطريقة الجينية التي اعتادت عليها كلتا المدرستين التجريبية والمتعالية الآن"، و"تتزامن بشكل ملحوظ مع الحركة المتزامنة لصالح -البراغماتية- أو الإنسانية". وقد أثبتت التطورات اللاحقة صحة تنبؤ جيمس بأن هذه الفلسفة "سيكون لها مستقبل عظيم".

​نقد وتقييم

​رغم أهمية مدرسة شيكاغو الفلسفية وإسهاماتها الكبيرة، فإنها لم تخلُ من انتقادات. فقد أشار جيمس نفسه إلى بعض الثغرات في النظام، مثل غياب علم كونيات متكامل، وعدم تقديم تفسير كافٍ للعلاقة بين الحقائق الفيزيائية والعقلية. كما أن تركيز ديوي على "النفع" كمعيار للحقيقة أثار انتقادات عديدة من الفلاسفة الذين رأوا في ذلك اختزالاً للقيمة المعرفية إلى مجرد منفعة عملية.

​ومع ذلك، فإن الأثر العميق الذي تركته مدرسة شيكاغو في الفلسفة والتربية وعلم الاجتماع يشهد على أصالة هذه المدرسة وحيويتها. فقد استطاعت أن تقدم بديلاً فلسفياً مقنعاً للنماذج التقليدية، وأن تربط الفلسفة بقضايا المجتمع والديمقراطية والتعليم. وكما لاحظ جيمس، فإن هذه الفلسفة "تبدو واعدة عبر الوسائط بين الاتجاهين التجريبي والمتعالي في عصرنا. مثل التجريبية، فهي فردية وظواهرية؛ إنها تضع الحقيقة في rebus، وليس في rem. ومن ناحية أخرى، فهي تشبه الفلسفة المتعالية في جعل القيمة والحقيقة غير قابلتين للفصل، وفي الدفاع عن الاستمرارية والأغراض في الأشياء".

​الخاتمة

​تمثل -مدرسة شيكاغو الفلسفية-، بقيادة -جون ديوي-، واحدة من أهم الإسهامات الأمريكية في الفكر الفلسفي العالمي. فقد قدّمت رؤية فلسفية متكاملة تقوم على مبادئ التطور والتجريبية والوظيفية، وربطت النظرية بالتطبيق في مجالات التربية وعلم الاجتماع والسياسة. وقدّم تحليل -ويليام جيمس- لهذه المدرسة عام 1904 وثيقة تاريخية وفكرية مهمة لا تزال تحتفظ بقيمتها حتى اليوم.

​لقد أثبتت مدرسة شيكاغو أن الفلسفة ليست مجرد تأمل نظري بعيد عن هموم الحياة اليومية، بل يمكن أن تكون أداة للتغيير الاجتماعي والتربوي. وكما تنبأ جيمس، فقد استمرت هذه المدرسة في التأثير في الفكر الفلسفي والتربوي والاجتماعي لعقود طويلة، ولا تزال أفكارها تلقى اهتماماً متجدداً في سياقات معاصرة. وبهذا المعنى، كانت مدرسة شيكاغو – ولا تزال – مصدر فخر للفكر الأمريكي، ونموذجاً للإبداع الفلسفي الذي يتجاوز الحدود الوطنية والزمنية.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق