ملخص كتاب ثلاثية الدولة والقبيلة والمجتمع المدني PDF | تحليل سوسيولوجي لليمن
مقدمة
كيف يمكن لمؤسسة اجتماعية تقليدية كالقبيلة أن تظل فاعلاً رئيسياً في الحياة السياسية لدولة حديثة، بل وأن تنافس الدولة ذاتها في بعض وظائفها، وفي الوقت نفسه تؤدي أدواراً تُحسَب عادةً على المجتمع المدني؟ وما الذي يجعل فهم طبيعة الدولة اليمنية مستحيلاً دون فهم علاقتها بالقبيلة؟ في هذا الكتاب الموسوم ثلاثية الدولة والقبيلة والمجتمع المدني – مقاربة سوسيولوجية للدور السياسي للقبيلة في اليمن وتحديد علاقتها وموقعها بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، يقدم الدكتور فؤاد عبدالجليل الصالحي، أستاذ علم الاجتماع السياسي المساعد بجامعة صنعاء، دراسةً معمقة تُفكك هذه العلاقة الثلاثية المركبة التي طبعت التاريخ الاجتماعي والسياسي لليمن. ينطلق الكتاب من رؤية جدلية بنائية، متتبعاً التكوين الاقتصادي والاجتماعي للدولة اليمنية منذ نشأتها الأولى، وصولاً إلى تحولات ما بعد ثورة 26 سبتمبر 1962م، ليقدم للقارئ أطروحة متكاملة حول موقع القبيلة بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني.
![]() |
| غلاف كتاب ثلاثية الدولة والقبيلة والمجتمع المدني. |
نشأة الدولة والقبيلة في اليمن (تحليل تاريخي):
يبدأ هذا الفصل بالتأكيد على أن دراسة الدولة في أي مجتمع تستلزم تتبع التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي عبر مراحله المختلفة. كما ينص الكتاب:
إن البحث عن تاريخ وتطور الدولة في أي مجتمع، إنما يعني ذلك البحث عن عملية التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في المجتمع عبر مختلف مراحله... الدولة بما هي تجسيد مجرد لتنظيم المجتمع لم تأتي دفعة واحدة ولم تفرض من خارج المجتمع، بل هي مرتبطة بسياق مجتمعي تطوري.
وينتقل إلى البدايات الأولى لنشأة الدولة اليمنية، حيث يشير إلى أن حضارة سبأ نشأت في الألف الأول قبل الميلاد، وأن هذه الحضارة مثّلت شكلاً سياسياً ونظاماً اقتصادياً محدداً. وقد ساعد على نشر الحضارة اليمنية خصب أرضها وموقعها الجغرافي على طريق النقل التجاري. ومرت اليمن بثلاث دول كبرى: معين، سبأ، وحمير، وما عداها قامت دويلات وإمارات صغيرة.
دور القبيلة في بناء الدولة اليمنية
يرى الكتاب أن الدولة في اليمن تكوّنت في إطار مجتمعي يغلب عليه الطابع القبلي، وأن النواة الأساسية لتشكل الدولة اليمنية – قديماً وحديثاً – هي القبيلة. ويوضح:
نواة أو محور التشكل للدولة اليمنية القديمة - والحديثة - هي، القبيلة، والقبيلة القوية بالذات التي استطاعت أن تفرض سلطتها على قبائل متعددة وتجعلها تنضوي تحت علمها إضافة إلى تحالفها مع قبائل أخرى.
لقد قام تحالف بين رجال الدين وشيوخ القبائل القوية، حيث جمع المكرب بين السلطتين الدينية والسياسية، وكانت العصبية القبلية محدِّداً أساسياً في قيام الدولة.
التكوين الاقتصادي الاجتماعي وأثره في الدولة
يناقش الكتاب التكوين الاقتصادي الاجتماعي (Socio-Economic Formation) للمجتمع اليمني القديم، فيشير إلى أن الزراعة والتجارة كانتا أهم الأنشطة الاقتصادية التي قدمت الفائض للدولة. ويناقش مفهوم نمط الإنتاج الآسيوي (Asian Mode of Production) الذي طرحه ماركس وإنجلز، والذي يرى أن غياب الملكية الخاصة في الشرق مرتبط بالري الاصطناعي وتدخل الدولة المركزية. ينقل الكتاب عن إنجلز قوله:
أن غياب ملكية الأرض هو حقا المفتاح إلى الشرق كله فهنا يكمن تاريخه السياسي والديني... أن الري الاصطناعي يمثل هنا الشرط الأول للزراعة وتقوم به الحكومة المركزية.
غير أن الكاتب يقدم نقداً منهجياً لهذا المفهوم، من أهم نقاطه:
· أن فكرة الاستبداد الشرقي لا تفسَّر فقط بالري والمشتركات القروية، فقد وُجد الاستبداد في مجتمعات متعددة.
· أن قبول المفهوم دون نقاش ارتبط بالارتباط الأيديولوجي وقبول النموذج السوفيتي الذي أدى إلى فشل ذريع.
· أن التركيز على البناء الاقتصادي وحده يُغفل أهمية البناء الفوقي السياسي والديني والاجتماعي.
ويخلص الكتاب إلى أن التكوين الاقتصادي الاجتماعي للمجتمع اليمني اتسم بتداخل أنماط إنتاجية مع سيادة نمط الإنتاج الخراجي، حيث احتكرت طبقة الدولة – المتحالفة مع رجال الدين وشيوخ القبائل – فائض الإنتاج عبر الخراج والضرائب، دون أن يتطور المجتمع إلى مرحلة تاريخية أكثر تقدماً، بل بقيت التقنية الزراعية ضعيفة واستمر نمط الإنتاج هذا.
موقع القبيلة بين الدولة والمجتمع المدني
في هذا الفصل، ينتقل الكتاب إلى تحليل دور القبيلة في اليمن بعد ثورة 1962م، محاولاً الإجابة عن سؤال محوري: كيف أدت القبيلة دوراً مزدوجاً كجزء من المجتمع السياسي وكجزء من المجتمع المدني في آنٍ واحد؟
القبيلة كجزء من المجتمع السياسي
يحدد الكتاب عوامل عدة ساعدت القبيلة على ولوج بنية الدولة الحديثة، من أبرزها: طموح الزعامات القبلية، دور الدولة ذاتها (النخبة الحاكمة)، عدم الاستقرار السياسي، عوامل خارجية، والتخلف المجتمعي العام. ويوضح أنه في ظل حكم بيت حميد الدين قبل 1962م كانت القبيلة تقع خارج جهاز الدولة الرسمي، بل إن الإمامين يحيى وأحمد عملا على إضعاف رموز النظام القبلي. أما بعد الثورة، فقد اعتمدت قوى الثورة على دعم المشايخ، فنص الإعلان الدستوري في أكتوبر 1962م على تشكيل مجلس دفاع يتألف من شيوخ الضمان، وتكون لهم مخصصات وزير دولة. ويعلق الكتاب:
من هنا بدأ انضمام المشايخ إلى بنية الدولة ومؤسساتها واحتلالهم مناصب سياسية هامة فتحولت فئة المشايخ من فئة ريفية قبلية إلى فئة ريفية حضرية... ولهذا اتسمت في تفكيرها وممارساتها العملية بالازدواجية والانتهازية.
وقد تزايد تمثيل المشايخ في المجالس النيابية والحكومية كما يبين جدول في الكتاب يوثق عددهم في مختلف المجالس منذ 1962م وحتى 1980م.
القبيلة كجزء من المجتمع المدني
ينتقل الكاتب إلى بيان كيف أن القبيلة بصفتها مؤسسة تقليدية تقوم ببعض وظائف المجتمع المدني، وهو ما يعبِّر – كما يقول – عن تفكير واقعي يعبر عن طبيعة المجتمع اليمني ومكوناته. ومن بين هذه الوظائف:
· حماية الأفراد المنتمين إلى تنظيمات سياسية معارضة من قهر الدولة، حيث كان السياسيون والمدنيون يلجؤون إلى وحداتهم القبلية طلباً للحماية والأمان.
· توفير مكانة اجتماعية وفقاً لمنظومة القيم والأعراف القبلية.
· خلق فرص لأفرادها للولوج إلى جهاز الدولة عبر دعم المرشحين في الانتخابات.
· إحداث توازنات قبلية في مؤسسات الدولة.
ويشير الكتاب إلى أن:
ما ساعد على استمرار نفوذ القبيلة وفلسفتها اعتماد الدولة الحديثة على دعم القبيلة وتأييدها للنظام الحاكم... لذلك أصبحت العلاقة بين القبيلة والدولة تبادلية تستمد الدولة من القبيلة قوتها وشرعيتها وتعمل الدولة بدورها على إعادة إنتاج القبيلة وتدعيم رموزها.
ويعدد عوامل محددة للوظائف المدنية للقبيلة، منها: النزعة الاستقلالية للقبيلة عن الدولة المركزية، النسق القرابي، علاقات التضامن، النزعة الاستبدادية للدولة، وعدم نضوج المؤسسات المدنية الحديثة.
أسباب ضعف المجتمع المدني في اليمن
على الرغم من التحول الديمقراطي الذي شهدته اليمن في التسعينيات وبداية الألفية، يقرر الكتاب أن المجتمع المدني الحديث لا يزال ضعيف الفاعلية والتأثير، وأقل مما تقوم به القبيلة. ويشير إلى أن مؤسسات المجتمع المدني تعاني من الانقسام، وتخضع لتأثير العلاقات القبلية والعصبية، وتتسم بالشخصانية وضعف البناء المؤسسي. ويختتم الكتاب بعبارة واضحة:
يمكن القول أن منظمات المجتمع المدني في اليمن لا تزال في بداية تكونها وتأسيسها ولا تزال ضعيفة الفاعلية والتأثير السياسي والمجتمعي... وما كان المجتمع اليمني يتصف بضعف مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي وبانخفاض المستوى الثقافي والتعليمي فإن مؤسسات المجتمع المدني الحديث لن تكون بمنأى عن التأثر بكل ذلك.
لمن هذا الكتاب؟
جاء في وصف الكتاب في آخره:
يأتي هذا الكتاب كإضافة حقيقية للمكتبة اليمنية في موضوع من أهم الموضوعات التي يثيرها الجميع الآن في الساحة اليمنية حول، المجتمع المدني، والدولة، وعلاقة القبيلة. وهذا المثلث هو الزوايا الرئيسية التي لابد من مناقشة وضعها ومدى تالقيها ومدى اختيارها في اليمن.
ويضيف أنه نتاج جهد وتجربة الدكتور فؤاد الصلاحي، وهو مرجع متكامل في موضوعه.
بطاقة معلومات عن الكتاب
· العنوان: ثلاثية الدولة والقبيلة والمجتمع المدني – مقاربة سوسيولوجية للدور السياسي للقبيلة في اليمن وتحديد علاقتها وموقعها بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي
· المؤلف: د. فؤاد عبدالجليل الصالحي، أستاذ علم الاجتماع السياسي المساعد – جامعة صنعاء
· الناشر: لم يُذكر صراحة في الملف، والصادر عن المركز المختص (مركز دراسات...)
· الموضوع الرئيسي: علم الاجتماع السياسي، دراسة القبيلة والدولة والمجتمع المدني في اليمن
أسئلة شائعة
ما المقصود بـ نمط الإنتاج الخراجي الذي سيطر على المجتمع اليمني القديم؟
يقصد به أسلوب الإنتاج الذي يقوم على قيام طبقة حاكمة (تحالف رجال الدين وشيوخ القبائل) باحتكار وظائف التنظيم السياسي وفرض الخراج والضرائب على الجماعات الزراعية، دون أن تتطور علاقات الإنتاج بشكل يسمح بانتقال المجتمع إلى مرحلة تاريخية أكثر تقدماً. هذا النمط لم يكن نقياً، بل تداخلت معه علاقات سلعية بسيطة وتجارة بعيدة المدى، لكن التقنية الزراعية ظلت محدودة ومستوى المعيشة قريباً من الكفاف.
كيف تحول شيوخ القبائل من زعماء محليين إلى جزء من بنية الدولة بعد ثورة 1962م؟
بعد قيام الثورة، أصدر مجلس قيادة الثورة إعلاناً دستورياً نص على تشكيل مجلس دفاع من شيوخ الضمان، بحيث يكون لكل شيخ مخصصات وزير دولة، ويتولى كل منهم أمن منطقته. وهكذا بدأ المشايخ يشغلون مناصب سياسية وعسكرية هامة، وتحولوا بذلك من فئة ريفية قبلية إلى فئة ذات نفوذ سياسي واقتصادي في الدولة، ممارسين أدواراً مزدوجة تجمع بين الانتماء القبلي والموقع الرسمي.
كيف تناقش الدراسة مفهوم نمط الإنتاج الآسيوي وتنتقده؟
تورد الدراسة أن ماركس وإنجلز أشارا إلى أن غياب الملكية الخاصة في الشرق مرتبط بالري الاصطناعي وتدخل الدولة، مما أدى إلى ما يسمى الاستبداد الشرقي. لكن الكاتب يوجه عدة انتقادات: أن الفكرة لم تكن جديدة كلياً بل سبقهم إليها مفكرون آخرون، وأنها تحصر تفسير التاريخ الشرقي في البعد الاقتصادي متجاهلة الأبعاد السياسية والدينية والاجتماعية، وأن قبول المفهوم دون نقاش من بعض الباحثين العرب ارتبط بارتباطات أيديولوجية أدت إلى فشل النماذج الاشتراكية، كما أن الاستبداد ليس حكراً على الشرق بل وجد في مجتمعات مختلفة.
ما أبرز العوامل التي جعلت القبيلة تؤدي وظائف المجتمع المدني في اليمن؟
وفقاً للكتاب، من هذه العوامل: النزعة الاستقلالية للقبيلة عن الدولة المركزية، استمرار النسق القرابي وعلاقات التضامن، النزعة الاستبدادية للدولة التي تدفع الأفراد إلى الاحتماء بقبائلهم، ضعف المؤسسات المدنية الحديثة وعدم نضوجها، واعتماد الدولة نفسها على دعم القبيلة مما يعيد إنتاج قوتها، إضافة إلى ضعف الولاء الوطني العام مقابل الولاء المحلي القبلي.
كيف يقيم الكتاب دور المجتمع المدني الحديث في اليمن مقارنة بالقبيلة؟
يقرر الكتاب أن المجتمع المدني الحديث لا يزال ضعيفاً في تأثيره على الدولة وصنع القرار، وأقل فاعلية مما تقوم به القبيلة كمؤسسة تقليدية. كما أن مؤسسات المجتمع المدني منقسمة على نفسها، تتأثر بالعلاقات القبلية والعصبية، وتعاني من الشخصانية وضعف البناء المؤسسي، وارتباطها بالأشخاص المؤسسين أو بتمويل خارجي. وبسبب انخفاض مستوى التطور الاقتصادي والثقافي والتعليمي، فإن هذه المؤسسات لم تستطع بعد أن تؤدي أدواراً توازي أدوار القبيلة.
