📁 أحدث المراجع الأكاديمية

​ملخص كتاب سوسيولوجيا الظاهرة الحزبية في اليمن - د. فؤاد الصلاحي

سوسيولوجيا الظاهرة الحزبية في اليمن: قراءة في تجربة التعددية بين النص والواقع

​مقدمة

​بعد إعلان الوحدة اليمنية في نوفمبر 1989، انفجر المشهد السياسي فجأة بعشرات الأحزاب والتنظيمات السياسية، مما يعكس رغبة مجتمع كان مكبلًا لعقود في التعبير عن ذاته. ولكن، كيف يمكن فهم هذه الظاهرة الحزبية التي نشأت في مجتمع تقليدي دخل عالم التحديث متأخرًا؟ ولماذا تحولت هذه الكثرة من الأحزاب، في كثير من الأحيان، إلى كيانات هشة لا تعبر بالضرورة عن المصالح الحياتية للمواطنين؟ هذا بالضبط ما تحاول الدراسة المعمقة للدكتور فؤاد الصلاحي، سوسيولوجيا الظاهرة الحزبية في اليمن، الإجابة عنه. يقدم الكتاب قراءة تحليلية رصينة من منظور سوسيولوجي، متتبعًا مسار التعددية الحزبية وعلاقتها الجدلية بالدولة والمجتمع المدني، بعيدًا عن التنظير السطحي.

​يؤكد المؤلف أن هذا الكم من الأحزاب لم يكن وليد اللحظة، بل جاء دليلاً على رغبة المجتمع رفض القيود التي كانت تكبل حركته، ورغبته في التعبير عن آرائه تحت أي تنظيم أو حزب. ومن هنا، ينطلق الكتاب في رحلة لاستكشاف الأعماق الاجتماعية والسياسية لهذه الظاهرة، كاشفًا عن الفجوة الشاسعة بين النصوص الدستورية الطموحة والواقع المعاش، ومحللاً مسار التجربة الحزبية التي تعكس مجمل التحولات في المجتمع اليمني منذ ثلاثينيات القرن العشرين.

غلاف كتاب سوسيولوجيا الظاهرة الحزبية في اليمن
غلاف كتاب سوسيولوجيا الظاهرة الحزبية في اليمن.

​مراحل نمو وتشكل الأحزاب: من السرية إلى العلنية

​يُرسخ الكتاب فهماً أساسياً مفاده أن الأحزاب السياسية في اليمن لم تتأسس دفعة واحدة، بل مرت بثلاث مراحل تاريخية كبرى تعكس مراحل تطور الدولة والمجتمع. هذه الرحلة تبدأ من النصف الأول من القرن العشرين، حيث ظهرت الأحزاب كحركات وطنية معارضة للاستعمار والنظام الإمامي، معتمدة على الإرشاد الثقافي التنويري. وفي هذه المرحلة، كان الصراع والانشقاق هما السمة السائدة بين هذه التنظيمات الوليدة.

​أما المرحلة الثانية، وهي مرحلة ما بعد الاستقلال وقيام الدولة الشطرية (1962-1990)، فيصفها الكتاب بأنها اتسمت بحظر التعددية الحزبية واعتماد منهج الإقصاء والنفي من قبل النخب الحاكمة. هنا، تحول العمل الحزبي من العلنية إلى السرية، باستثناء الأحزاب الحاكمة التي سيطرت على السلطة في شطري اليمن. ويشير الدكتور الصلاحي إلى نقطة جوهرية في هذه الفترة، وهي أن النخبة الحاكمة في الشمال اعتمدت خطاباً تلفيقياً يجمع في سياقه بين التقليدية والتحديث... يؤكد تمسكه بالأطر التقليدية القبلية، مما خلق ازدواجية عميقة في بنية الدولة والمجتمع. وقد شهدت هذه المرحلة محاولات لخلق أطر تنظيمية سياسية رسمية، مثل المؤتمر الشعبي العام في الشمال والحزب الاشتراكي اليمني في الجنوب، مع استمرار قمع أي نشاط حزبي معارض.

​ثم تأتي المرحلة الثالثة الحاسمة مع إعلان دولة الوحدة عام 1990، والتي اتسمت بـ الإقرار أو الاعتراف الحكومي عبر نصوص دستورية وقانونية بحق المجتمع في أن ينظم نفسه في مؤسسات ومنظمات سياسية واجتماعية. شكل هذا الإعلان أول اعتراف علني بالأحزاب السياسية تقره نخبة حاكمة في المجتمع اليمني الحديث، مما دفع بغالبية الأحزاب من الممارسة السرية إلى العلنية. ويرصد الكتاب في هذه المرحلة ظهور عشرات الأحزاب، مقدماً جداول تفصيلية بأسمائها واتجاهاتها، ومحللاً العلاقة الجدلية بين نشأتها وبين واقع المجتمع والسلطة ومصادر التمويل.

​الأطر القانونية والفجوة بين النص والممارسة

​يفرد الكتاب مساحة مهمة لتحليل الأطر القانونية الناظمة للأحزاب، معتبراً الدستور أهم وثيقة سياسية تحدد أنماط العلاقات بين الحكام والمحكومين وعقداً اجتماعياً يبلور حركة المجتمع للتعبير عن ذاته. ويشير إلى أن دستور دولة الوحدة جاء متميزاً بنصه الصريح في المادة (39) على حق المواطنين في التنظيم السياسي والمهني والنقابي. كما يستعرض القوانين المكملة كقانون الأحزاب رقم (66) لسنة 1991 وقانون الصحافة، معتبراً أنها جاءت متطورة ومتقدمة نظرياً.

​لكن الدراسة لا تكتفي بسرد النصوص، بل تتعمق في كشف التناقض الصارخ بينها وبين الواقع، مؤكدة أنه مع الإقرار بذلك فهناك فجوة كبيرة بين نصوص الدستور والقوانين وبين الواقع المعاش. ويشخص الكتاب مواطن الضعف والقصور في العملية التشريعية ذاتها، مشيراً إلى أن الغرفة التشريعية في اليمن تتصف بكل سمات حداثة النشأة من ضعف البناء المؤسسي... وضعف استقلاليتها حيث تخضع دوماً لتأثير السلطة التنفيذية.

​إشكالية الاستقلالية والتمويل والعلاقات

​من أعمق ما يتناوله الكتاب هي إشكالية استقلالية النشاط الحزبي. فالاستقلالية، كما يراها المؤلف، هي محدد من المحددات الهامة الدالة على فاعلية الأحزاب... ودالة على مدى ديموقراطية النظام السياسي وليبراليته. ويكشف الكتاب أن الأحزاب لا تفقد استقلاليتها من خلال تدخلات الدولة فقط، بل أيضاً عبر تدخلات قوى اجتماعية تقليدية، وعلى رأسها التكوينات القبلية التي تعتبر من أهم الجماعات الضاغطة. والمفارقة التي يبرزها النص هي أن التدخلات الحكومية في النشاط الحزبي والأهلي لا يرجع فقط إلى ممارسات قصدية تنتهجها الحكومة بل يرجع أيضاً إلى ممارسات من قيادات الأحزاب والمنظمات ذاتها حيث تميل إلى إقامة علاقات غير معلنة مع الحكومة... بغية تحقيق مصالح شخصية.

​وتشكل قضية التمويل محوراً رئيسياً في فقدان هذه الاستقلالية. يرصد الكتاب تنوع مصادر التمويل للأحزاب، بدءاً من ارتباط الحزب الاشتراكي بـ أنبوب المساعدات من الاتحاد السوفيتي، وارتباط المؤتمر الشعبي العام بمصادر متعددة، إلى اعتماد أحزاب المعارضة على دعم النخب الحاكمة كعامل احتواء. وهكذا، يخلص إلى أن عقلية الجباية وإعادة إنتاج آلياتها التقليدية ممثلة بالعلاقات العصبويه كانت أهم سمة، مما جعل العلاقات بين الأحزاب نفسها تتسم بالازدواجية والشك والتآمر.

​غياب التناوب الديمقراطي وظاهرة الشخصنة

​من خلال تحليل بنية الأحزاب الداخلية، يصل الكتاب إلى نتيجة مفادها أن هناك فجوة بين الخطاب الديمقراطي والممارسة الفعلية داخل الأحزاب نفسها. فبينما يؤكد الخطاب السياسي الحزبي على أهمية التداول السلمي للسلطة... فالواقع يؤكد غياب تلك العملية داخل الأحزاب السياسية خصوصاً أحزاب المعارضة التي تتخذ من الديمقراطية وتداول السلطة حججاً ضد الحزب الحاكم. وينقل الكتاب عن قيادي سياسي بارز أن سبب التعثر هو أننا في القيادة لم نكن مستعدين لها بالكامل... لذلك لم تكن قيادة الحزب مستعدة لتقبل نتائجها.

​هذا الغياب للديمقراطية الداخلية أنتج ظاهرة خطيرة يسميها الكتاب شخصنة الدولة وشخصنة الحزب. ويوضح قائلاً إن غياب الديمقراطية في المجتمع اليمني قبل إعلان الوحدة أصاب الأحزاب جميعها... بروز ظاهرة شخصنة الدولة وشخصنة الحزب. تتحول هذه الظاهرة، مع غياب المساءلة والمحاسبة، إلى عامل معيق لحركة الحزب وتطوره، حيث برزت ظاهرة المناورة والتآمر وتصفية الأعضاء لبعضهم البعض وأصبحت العلاقات الشخصية والأسرية والقبلية بديلاً للعلاقات الحزبية، مما أدى إلى انشقاقات متعددة وغياب للفاعلية.

​مدى استجابة البنى التقليدية والفاعلية الحزبية

​من أهم محاور الكتاب تلك التي تتناول الصدام بين حداثة التنظيم الحزبي وتقليدية البنى الاجتماعية. فالمجتمع اليمني، كما يصفه المؤلف، مجتمع مركب ومتشظي تبرز فيه القبلية كقوة فاعلة خاصة من خلال منظومتها الثقافية والقيمية. واستمرار هذه البنى التقليدية ليس مجرد مظاهر ماضوية، بل باعتبارها بنى فاعلة ومقررة في مختلف جوانب المجال العام، مما يخلق ممانعة قوية تعيق تأصيل وتجذر النشاط الحزبي والأهلي الحديث. ينقل الكتاب عن باحثين غربيين وصفهم للدولة بأنها تعاني من ازدواجية بين كيان شرعي يظهر للعالم وكيان فعلي تتحدد بواسطته عملية صنع القرار وفق تركيبة القوة التقليدية.

​في هذا السياق الصعب، تأتي قراءة الكتاب للفاعلية الحزبية لتؤكد ضعفها الشديد. فالأحزاب التي يفترض أن تكون الأكثر تعبيراً عن قضايا الرأي العام، لم تقو على ممارسة دورها المجتمعي، ولم تقو حتى على حماية أعضائها. ويشخص الكتاب واقعاً مفاده أن أحزاب نخبوية تتفصل قياداتها عن القواعد الحزبية وعن اهتمامات وقضايا المجتمع، وتتصف بنشاطها الموسمي، وأنها غير قادرة على تقديم تصور سياسي بديل لسياسة الحزب الحاكم. وبذلك، يخلص إلى أنها أصبحت رديفة للنظام السياسي والحزب الحاكم، قريبة منه مقابل بعدها وانفصالها عن المجتمع.

​خاتمة

​في خاتمة دراسته، يضع الدكتور فؤاد الصلاحي أصبعه على جوهر المشكلة في المجتمع اليمني المعاصر، وهو أنه يمر بمرحلة انتقالية خطيرة نحو عالم الحداثة، لم تحسم بعد صراعها مع إرث ثقيل من مجتمع اللادولة وعلاقاته العصبويه. إن ما تكشفه سوسيولوجيا الظاهرة الحزبية في اليمن ليس مجرد تاريخ للأحزاب، بل هو تشريح عميق لروح المجتمع والدولة، حيث تتظاهر بمظهر الدولة الحديثة وجوهرها دولة سلطانية مملوكية.

​يؤكد الكتاب أن البنى العصبويه ومنظومتها الثقافية تعتبر نقيضاً للحداثة السياسية القائمة على مفهومي الوطن والمواطنة. ويطرح رؤية مفادها أن تحقيق مستقبل أفضل للديمقراطية وحقوق الإنسان في اليمن يرتبط بتحقيق تنمية شاملة، والأهم من ذلك، بالتحول من رفع الشعارات إلى العمل الواقعي المعاش من أجل تحول تلك الشعارات من أفكار ونماذج تصورية إلى خدمات وممارسات ملموسة. وهذا يتطلب، كما يقترح الكتاب، وجود حركة اجتماعية منظمة وفاعلة (تكتل لقوى التحديث والديمقراطية)، قادرة على تجاوز الازدواجية الثقافية وبناء دولة قائمة على المواطنة المتساوية، كشرط وحيد للعبور الناجح إلى المستقبل. إن بناء الدولة الحديثة، في منظور الكتاب، ينبغي أن يقوم على المواطنة المؤسسة على الحرية وعلى تحويل الدولة إلى إطار جامع يتعامل مع أفراد الشعب بالتساوي، وهو التحدي الأكبر الذي يظل ماثلاً أمام التجربة اليمنية.

بطاقة معلومات عن الكتاب

  • العنوان: سوسيولوجيا الظاهرة الحزبية في اليمن
  • المؤلف: د. فؤاد الصلاحي
  • الموضوع: دراسة سوسيولوجية تحليلية لتجربة التعددية الحزبية في اليمن، ومسار تشكلها، وعلاقتها بالدولة والمجتمع المدني والبُنى التقليدية.
  • اللغة: العربية
  • المحتوى الرئيسي: يتناول الكتاب مراحل نشأة وتطور الأحزاب اليمنية، الأطر القانونية الناظمة لها، إشكاليات الاستقلالية والتمويل، علاقتها بالقبيلة والمجتمع المدني، ودورها في الإصلاح السياسي، مع جداول وإحصاءات توثق للخارطة الحزبية.

أسئلة شائعة

  1. ما هي الفكرة المحورية لكتاب "سوسيولوجيا الظاهرة الحزبية في اليمن"؟ يركز الكتاب على تحليل الفجوة بين طموح التعددية الحزبية كنموذج حداثي، والواقع الاجتماعي والسياسي في اليمن الذي تهيمن عليه البنى التقليدية والعلاقات العصبويه، مما أفرز أحزاباً هشة وفقاعة نخبوية بعيدة عن المجتمع.
  2. كيف يقسم المؤلف مراحل تطور الأحزاب السياسية في اليمن؟ يقسمها إلى ثلاث مراحل: الأولى (قبل الاستقلال) تميزت بالنشأة المعارضة والعمل السري، والثانية (الدولة الشطرية 62-90) اتسمت بحظر التعددية وتحول العمل الحزبي إلى السرية، والثالثة (دولة الوحدة) التي شهدت انفجاراً في عدد الأحزاب والاعتراف القانوني بها.
  3. لماذا يرى المؤلف أن الأحزاب اليمنية تفتقد للفاعلية والاستقلالية؟ يفتقر النشاط الحزبي للفاعلية بسبب هيمنة ظاهرة الشخصنة، وغياب الديمقراطية الداخلية، والتبعية للتمويل الحكومي أو الخارجي، إضافة إلى عجزها عن تقديم برامج حقيقية تعبر عن مصالح المواطنين، مما جعلها في كثير من الأحيان رديفاً للسلطة وليس رقيباً عليها.

رابط التحميل

رابط تحميل كتاب سوسيولوجيا الظاهرة الحزبية في اليمن PDF

تعليقات