الوعي الاجتماعي والعلوم الاجتماعية: جدلية الانعكاس والتطور
هل يمكن للعلوم التي نبتكرها لدراسة المجتمع أن تنعزل عن الوعي الجمعي الذي يشكّل نسيجه ذاته؟ وكيف يمكن لفكرةٍ أن تتحول إلى قوة مادية تغير وجه التاريخ؟ هذه الأسئلة الجوهرية هي مدار كتاب الوعي الاجتماعي والعلوم الاجتماعية لمؤلفيه م. ي. كوفالزون و ن. إ. ماكيشين. لا يقدم الكتاب إجابات سطحية، بل يغوص في أعماق الفلسفة الماركسية ليكشف عن العلاقة العضوية والمعقدة بين ما نفكر به كجماعة والأدوات المعرفية التي نستخدمها لفهم أنفسنا. في هذا الملخص، ننقل جوهر ما ورد في الكتاب، مستندين إلى مفاهيمه ومصطلحاته الأساسية مثل الوعي العادي، الوعي المنظم، الجنوسيولوجيا، و السوسيولوجيا، لنرسم صورة دقيقة عن مضمونه.
![]() |
| غلاف كتاب الوعي الاجتماعي والعلوم الاجتماعية – كوفالزون وماكيشين. |
خلفية الكتاب ومؤلفاه
صدرت النسخة العربية من هذا الكتاب عن دار التقدم في موسكو عام 1980، وهو ثمرة تعاون بين عالمين سوفيتيين بارزين هما م. ي. كوفالزون و ن. إ. ماكيشين. ينتمي الكتاب إلى تيار فلسفي وعلمي واضح؛ إنه يعالج قضايا الوعي الاجتماعي انطلاقا مما يسميه المؤلفان الاجتاه العلمي، المادي في الابحاث النظرية، ويعتبرانها الطريق الصائبة لدراسة المجتمع والانسان. يعلن المؤلفان بوضوح أن منهجهما يستند إلى مواقع ماركسية، داعين إلى نبذ المحاولات العقيمة لاقفار المنهج الماركسى أو تشويهه بمناهج أخرى يصفانها بـ الجنوسيو لوجيا الوحيدة الجانب أو المدخل غير التاريخي. هذه الأسس الفكرية تشكل حجر الزاوية في كل تحليل يقدمانه.
يُعد هذا الكتاب من أبرز المؤلفات السوفيتية التي ناقشت إشكالية الوعي الاجتماعي ضمن الإطار الماركسي، وقد استُخدم مرجعاً في الدراسات الفلسفية والسوسيولوجية داخل الجامعات الاشتراكية خلال القرن العشرين.
الوعي الاجتماعي: ليس مجرد مجموع وعي الأفراد
منذ البداية، يقطع الكتاب مع أي فهم تبسيطي للوعي الاجتماعي. فهو ليس مجرد حاصل جمع وعي الأفراد، بل هو ظاهرة مركبة ومعقدة. وفقاً للكتاب، ان طبيعة الوعى الاجتماعى مرهونة بالتطور الطبيعى التاريخى للمادة وخصائص انعكاسها، وبالعوامل الاجتماعية ايضا. هذا يعني أن الوعي الاجتماعي كيان ديناميكي، يتشكل بفعل عاملين: القوانين الموضوعية لتطور المادة (الانعكاس) والظروف الاجتماعية التاريخية الملموسة. وهذان العاملان، كما يؤكد النص، لا ينفيان، بل يكملان ويشترطان بعضهما البعض.
مستويان للوعي: من اليومي إلى المنظم
أحد أهم إسهامات الكتاب هو تمييزه الواضح بين مستويين أساسيين للوعي الاجتماعي، وذلك من منظور التحليل الجنوسيولوجي، أي التحليل المتعلق بنظرية المعرفة والانعكاس:
- الوعي العادي (أو المباشر): وهو الوعي المتولد من التجربة اليومية المباشرة للناس. يصفه الكتاب بقوله: فى الحياة الواقعية يعكس الناس مباشرة ظروف حياتهم، يدركون مصالحهم وطموحاتهم، وهذا بالذات ما نسميه بالوعى المباشر، الوعى العادى.
- الوعي المنظم: وهو مستوى أرقى وأكثر تجريداً، يبنى على الخبرة الإنسانية المتراكمة والمعرفة العلمية. يشرح الكتاب: فى مجرى تطور المجتمع وى مرحلة معينة من هذا التطور يظهر الوعى، الذى يعكس الوجود الاجتماعى من خلال التجربة المتراكمة من المعرفة، وهذا ما نسميه بالوعى المنظم.
ويحدد الكتاب الفرق بينهما في عنصرين رئيسيين:
- المنشأ: الانعكاس المباشر والتجريبي للواقع بالنسبة للوعي العادي، مقابل الانعكاس عبر الخبرة والمعرفة والممارسة المتراكمة للوعي المنظم.
- النوعية: الوعي العادي يتسم بالبساطة والارتباط بالمحسوس، بينما الوعي المنظم يتميز بالنسقية والعمق والتجريد.
منهجان للتكامل: جدل الجنوسيولوجيا والسوسيولوجيا
لدراسة هذه الظاهرة متعددة الأبعاد، يقترح الكتاب منهجين متكاملين، يشكلان العمود الفقري للتحليل الفلسفي:
- المدخل الجنوسيولوجي: ينظر إلى الوعي الاجتماعي باعتباره انعكاس للوجود الاجتماعي، ويقيمه من منظور الحقيقة. أي أنه يدرس الوعي كـ معرفة اجتماعية ويسأل عن مدى صحتها أو خطئها.
- المدخل السوسيولوجي: يتجاوز فكرة الانعكاس ليرى في الوعي جزءا ضروريا فى عمل وتطور النظام الاجتماعى. هذا المدخل يربط الوعي بالبنية الاجتماعية، ويكشف عن وظائفه الاجتماعية. كما يوضح الكتاب: ان دراسة الاساس الاجتماعى للوعى الاجتماعى وتفصي الوظائف الاجتماعية للوعى فى المجتمع يتيحان فرز عناصر التفاعل والتباين بين الوعى الاجتماعى والوعى الفردى.
التكامل بين هذين المدخلين هو ما يجعل التحليل شاملاً، وهذا هو بالتحديد حقل القضايا الفلسفية السوسيولوجية للترابط بين الوعى الاجتماعى والعلوم الاجتماعية الذي يكرس الكتاب نفسه لدراسته.
الوعي في المجتمع الاشتراكي: تحولات وصفات جديدة
يخصص الكتاب جزءاً مهماً لتحليل التغيرات التي تطرأ على الوعي في ظل المجتمع الاشتراكى المتطور. يرصد المؤلفان تحولات عميقة في بنية الوعي ووظائفه:
- تغيرات في أشكال الوعي: وتجرى تغيرات فى تركيب تلك الاشكال من الوعى، التى تخدم المتطلبات المتنوعة لمواطنى المجتمع الاشتراكى. من أبرز الأمثلة على ذلك الموقف من الدين، حيث يشير الكتاب إلى أن زهاء 90٪ من مواطنى الاتحاد السوفيتى هم من الملحدين. كما يلاحظ تغيرات هامة في الوعي السياسي والحقوقي.
- تقاليد وصفات جديدة: يبرز الكتاب تشكل صفات أخلاقية وعملية جديدة تميز المناضل فى سبيل الشيوغية، ومنها: الثقة بعدالة قضية الاشتراكية والشيوغية، وحب الوطن، والشعور بالواجب والمسؤولية الاممية. هذه الصفات، كما يصف الكتاب، تشكل هذه الصفات اليوم الميزة المسيطرة فى الوعى الاجتماعى للمجتمع الاشتراكى المتطور.
- فاعلية الوعي: ينتقل الوعي من مجرد معرفة نظرية إلى موقف واضح فى الحياة يترسخ فى افضل مزايا الانسان السوفييتى. ويتجلى هذا بشكل خاص في المواقف العصيبة الحرجة، حيث يضرب الكتاب أمثلة على استعداد الناس للتضحية بأنفسهم من أجل إنقاذ الآخرين أو الممتلكات العامة.
تحذير من "النواقص": صراع الوعي القديم والجديد
على الرغم من النجاحات، لا يغرق الكتاب في المثالية. فهو يحذر من ظهور نواقص اخلاقية وفكرية كرد فعل على نمو الثروة والرفاهية في غياب عمل فكري وتربوي كاف. ومن بين هذه الظواهر السلبية، يذكر الكتاب: الاهتمام بالمصالح الذاتية الانانية، والنزعة للانطواء داخل عالم المصالح الذاتية الضيق. هذا التحذير ليس مجرد ملاحظة عابرة، بل هو جزء من جدلية الصراع بين الوعي الفردي التملكي القديم والوعي الجماعي الاشتراكي الجديد.
أهم أفكار كتاب الوعي الاجتماعي والعلوم الاجتماعية
الوعي الاجتماعي ليس مجموع وعي الأفراد.الوعي يتشكل عبر التاريخ والبنية الاجتماعية.
يوجد فرق بين الوعي العادي والوعي المنظم.
العلوم الاجتماعية لا تنفصل عن الواقع الطبقي والتاريخي.
فهم المجتمع يتطلب الجمع بين التحليل المعرفي والسوسيولوجي.
الخاتمة
بطاقة معلومات عن الكتاب
- العنوان: الوعي الاجتماعي والعلوم الاجتماعية
- العنوان الأصلي: Общественное сознание и общественные науки
- المؤلفان: م. ي. كوفالزون (M. Ya. Kovalzon) و ن. إ. ماكيشين (N. I. Makishin)
- الناشر: دار التقدم، موسكو
- سنة النشر: 1980 (النسخة العربية)
- اللغة: مترجم إلى العربية
- التصنيف: فلسفة، علم اجتماع، ماركسية
- مخصص لـ: الباحثين في الفلسفة وعلم الاجتماع، والمهتمين بالنظرية الماركسية، والمثقفين الراغبين في فهم أعمق لجدلية الفكر والمجتمع.
أسئلة شائعة
1. ما هو التعريف الدقيق للوعي الاجتماعي الذي يقدمه الكتاب؟
يقدمه الكتاب كظاهرة معقدة ومشروطة بعاملين رئيسيين: التطور الطبيعي والتاريخي للمادة (باعتباره انعكاساً)، والعوامل الاجتماعية (باعتباره جزءاً من النظام الاجتماعي). وهو ليس مجموعاً للوعي الفردي، بل وجود مستقل نسبياً ومتشابك مع البنية الاجتماعية.
2. كيف يختلف الوعي العادي عن الوعي المنظم في هذا الكتاب؟
الفرق جوهري: الوعي العادي هو وعي الحياة اليومية، انعكاس مباشر وتجريبي للواقع. أما الوعي المنظم فيتكون من خلال الخبرة المتراكمة والمعرفة والممارسة، وهو وعي نظري ونسقي يعكس الوجود الاجتماعي بشكل غير مباشر.
3. لماذا يميز الكتاب بين المدخلين الجنوسيولوجي والسوسيولوجي؟
لأنه يعتبر أن كل مدخل يكشف عن جانب مختلف من الوعي. فالمدخل الجنوسيولوجي يدرس الوعي كمعرفة ويسأل عن حقيقتها. بينما يدرسه المدخل السوسيولوجي كجزء فعال في المجتمع، ويكشف عن ارتباطاته بالطبقات والفئات ووظائفه في الحفاظ على النظام الاجتماعي. الجمع بينهما ضروري للفهم الكامل.
رابط التحميل
يمكنكم تحميل نسخة PDF من كتاب الوعي الاجتماعي والعلوم الاجتماعية عبر الرابط المباشر التالي: تحميل الكتاب
