ب
📁 أحدث المراجع الأكاديمية

كتاب سيكولوجية الإرهاب والتطرف العنيف للدكتورة إكرام إبراهيم

ما الذي يحول الإنسان العادي إلى إرهابي؟ ملخص كتاب سيكولوجية الإرهاب والتطرف العنيف

​ما الذي يحدث في أعماق النفس البشرية ليتحول فرد عادي، ربما كان جارًا أو زميل دراسة، إلى شخص قادر على تبني أفكار متطرفة والانخراط في أعمال عنف مروعة؟ هل وُلد هؤلاء الأشخاص وفي داخلهم بذرة الشر، أم أن هناك عوامل نفسية واجتماعية وبيئية تضافرت لتدفعهم نحو الهاوية؟ هذه التساؤلات الجوهرية والمقلقة هي التي تتصدى لها الدكتورة إكرام صالح إبراهيم صالح، المتخصصة في علم النفس الإكلينيكي (الصحة والوقاية النفسية)، في كتابها الصادر عام 2022 بعنوان "سيكولوجية الإرهاب والتطرف العنيف: النظرية والبحث وعوامل الخطورة والوقاية والمكافحة". يقدم الكتاب رحلة علمية شيّقة ومكثفة في دهاليز العقل الذي يتبنى العنف، معتمدًا على أحدث النظريات والبحوث النفسية، ومقدمًا فهماً شاملاً لا يكتفي بالوصف، بل يمتد إلى سبل المواجهة والوقاية.

غلاف كتاب سيكولوجية الإرهاب والتطرف العنيف للدكتورة إكرام إبراهيم
غلاف كتاب سيكولوجية الإرهاب والتطرف العنيف للدكتورة إكرام إبراهيم.

​الإرهاب والتطرف: خلط المفاهيم وتحديد المعنى

​منذ البداية، تحرص المؤلفة على ضبط المصطلحات وتفكيك الخلط الشائع بين مفهومي الإرهاب و التطرف العنيف. فالإرهاب، كما يوضح الكتاب، ليس مجرد فعل عنيف، بل هو استراتيجية معينة معتمدة لتحقيق غاية سياسية، وتتصف بخلق الخوف واستغلاله بصورة متعمدة. إنها رسالة نفسية مرعبة قبل أن تكون هجوماً جسدياً. وتؤكد الكاتبة على نقطة بالغة الأهمية، وهي أن الخلط بين المصطلحين يحدث على نحو مغلوط، فالتطرف العنيف هو المسار الفكري والسلوكي الذي قد يتخذ الإرهاب كأداة له. يهدف الإرهاب النفسي، كما ينقل الكتاب عن باحثين، إلى تكوين رسالة يستمع إليها جمهور معين، وإثارة انتباه هذا الجمهور من خلال الخوف واستحضار السلوك التهديدي المستهدف، ساعياً بذلك إلى استخدام النفوذ النفسي لتغيير السلوكيات. هذه النظرة التحليلية تنتقل بالقارئ من الفهم السطحي للعنف إلى إدراك عمقه الاستراتيجي والنفسي.

​بوابة التطرف: من هم الأكثر عرضة للتجنيد؟

​يجيب الكتاب على سؤال بالغ الأهمية: لماذا يقع بعض الأشخاص في شباك الجماعات المتطرفة بينما ينجو آخرون؟ الإجابة ليست بسيطة، بل هي نسيج معقد من العوامل. يشير الكتاب إلى أن الأفراد في سن المراهقة أو أوائل العشرينات الذين يسعون إلى الشعور بالهوية والأمن الذي يفتقرون إليه هم الفئة الأكثر استهدافاً. هذه الفئة العمرية، التي تتسم بالبحث عن الذات والانتماء، تجد في خطاب الجماعات المتطرفة وعداً زائفاً بهوية جاهزة ومعنى للحياة. ويعرض الكتاب لأنواع التجنيد، بدءاً من التدين الإجباري كما مارسته داعش عبر خطف الأطفال، وصولاً إلى الاستدراج الطوعي الذي يلعب على أوتار نفسية عميقة مثل: البحث عن الهوية، والشعور بالإقصاء والتظلم، والرغبة في تحقيق المجد أو الاستقرار الاقتصادي، وحتى تأثير العلاقات الشخصية وشبكات الصداقة. هذه الدوافع تشكل المادة الخام التي تستغلها التنظيمات الإرهابية بمهارة.

​كسر الحواجز: آليات نفسية واجتماعية تُمهد للعنف

​أحد أكثر فصول الكتاب إثارة للاهتمام هو ذلك الذي يناقش الآليات النفسية والاجتماعية التي تعمل على تفكيك الموانع الطبيعية لدى الإنسان ضد العنف. فالإنسان السوي يمتلك حواجز نفسية واجتماعية تمنعه عن القتل، فكيف يتم إسقاطها؟ يجيب الكتاب عبر تحليل ديناميكيات جماعية ونفسية متعددة، منها:

  1. ​انتشار المسؤولية: داخل المجموعة، يشعر الفرد بمسؤولية أقل عن أفعاله، حيث يتوزع الذنب على الجماعة.
  2. ​التجريد من الإنسانية: يتم تصوير الخصوم بعبارات لا إنسانية، وتشبيههم بالحيوانات أو "شيطننتهم"، مما يسهل استهدافهم دون تأنيب ضمير.
  3. ​الطاعة للسلطة: الخضوع المطلق لأوامر القادة يُسقط المسؤولية الفردية ويُحول العضو إلى مجرد أداة منفذة.
  4. ​التحيز للمجموعة الداخلية: يتطور لدى الفرد ولاء أعمى لجماعته، ناتج عن حاجة وجودية للانتماء، مما يجعله يتبنى قواعدها ومعاييرها دون تفكير، حتى لو كانت عنيفة. كما يذكر الكتاب، حاجة الناس النفسية للانتماء إلى الجماعات كحاجة وجودية تتضمن الهوية الاجتماعية المشتركة، وهذا ما تستغله الجماعات المتطرفة لخلق "عائلة" بديلة.

​من الدفع إلى الجذب: تشريح دوافع التطرف

​يقدم الكتاب نموذجاً تحليلياً لفهم دوافع التطرف العنيف من خلال تصنيفها إلى فئتين رئيستين:

  • عوامل الدفع "Push Factors": وهي الظروف المهيئة والبيئة الطاردة التي تدفع الفرد نحو التطرف، وتشمل: الفقر، البطالة، الفساد، التهميش، الظلم، والتمييز. هذه العوامل وحدها لا تخلق إرهابياً، لكنها تخلق أرضاً خصبة للاستقطاب.
  • عوامل الجذب "Pull Factors": وهي الحوافز والإغراءات الفردية التي تجذب الشخص نحو التنظيم، وتشمل: البحث عن الهوية والهدف، الإحساس بالبطولة والرسالة، الرغبة في الانتقام، والإغراءات المادية.

​ولا يغفل الكتاب استعراض الاضطرابات النفسية في سياق الإرهاب، لكنه يقدم ذلك بحذر علمي. فهو يشير إلى أبحاث وجدت انتشاراً لاضطرابات مثل اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، والفصام، والذهان، والاكتئاب بين عينات إرهابية، لكنه يؤكد أيضاً على أنه من المرجح أن بعض فئات الإرهابيين تمتلك سمات نفسية معينة عن عامة السكان، رافضاً التبسيط المخل الذي يربط الإرهاب بمرض نفسي واحد. ويخلص إلى أن معدلات اضطرابات الصحة العقلية المرتفعة لدى الإرهابيين أقل من 50%، مما يبرز أهمية العوامل البيئية والاجتماعية جنباً إلى جنب مع العوامل الذاتية.

​من الحضانة إلى الميدان: دور الأسرة والمجتمع

​الأسرة هي الحاضنة الأولى، وهي إما أن تكون حائط صد منيعاً أو نقطة ضعف قاتلة. يخصص الكتاب مساحة لتحليل دور الأسرة، مبيناً أن الهياكل الأسرية الضعيفة يكون أفرادها أكثر عرضة لتجنيد الإرهابيين، وذلك في ظل عوامل مثل غياب أحد الوالدين، والعنف المنزلي، وأساليب التربية المتسلطة والعقابية. ويؤكد الكتاب أن أسلوب التسلط والعقاب الممارس من الوالدين كان مرتبطاً إيجابياً بالعنف لدى المراهقين. كما أن وجود تاريخ من الاعتلال النفسي والميول الانتحارية داخل الأسرة يزيد من عوامل الخطورة. في المقابل، فإن أساليب التنشئة السوية، والحوار، وتعزيز الثقة بالذات، تمثل درعاً واقياً.

​استراتيجيات المواجهة: من الوقاية إلى المكافحة

​بعد هذا التشريح العميق، ينتقل الكتاب إلى الجزء الأكثر عملية، وهو سبل الوقاية والمكافحة. وهو لا يقدم وصفات أمنية، بل برنامجاً متكاملاً يرتكز على ثلاثة محاور رئيسية:

  1. ​الوقاية الفكرية والمعرفية: تبدأ المواجهة الحقيقية بتحرير العقل. يشدد الكتاب على إنه على الفرد والمجتمع السعي إلى الوقاية من الإرهاب الفكري. ويضع لذلك خارطة طريق واضحة: التأهيل العلمي ليكون الفكر مبنياً على حقائق، ومعرفة أسباب الخلاف ليكون الحوار هو الأساس، وإعمال النقد الذاتي والنقد البناء الذي يستهدف الفكرة لا صاحبها، وتنمية روح الحوار الفكري واحترام الاختلاف. الهدف النهائي هو بناء مناعة فكرية ضد الأفكار الهدامة.
  2. ​الوقاية السلوكية: يركز هذا المحور على فكرة "الكف بالنماذج". يقترح الكتاب تقديم نماذج سابقة تم تورطها، والاستماع إلى شهاداتهم حول واقع الحياة في هذه التنظيمات، والتي يكون الوعد بها براقاً بينما الحقيقة مليئة بالخداع والوحشية. هذا الأسلوب يحطم الصورة المثالية التي تروج لها الجماعات الإرهابية. إن شهادة أحد المنشقين، كما ينقل الكتاب، بأنه تم استدراجه للانخراط في الحركة عندما كان مراهقاً وكيف أن الواقع كان مخالفاً تماماً للوعود، هي أقوى رسالة ردع من أي خطاب نظري.
  3. ​المهارات الحياتية كدرع واقٍ: يذهب الكتاب إلى ما هو أبعد من مجرد تفنيد الأفكار المتطرفة، ليقترح بناء الشخصية من خلال تزويد النشء بمهارات حياتية تشكل حماية ذاتية. من هذه المهارات: التفكير النقدي، التعاطف واحترام التنوع، إدارة الحوار الفعال، والتعرف على أشكال الخداع والتلاعب. هذه المهارات لا تحارب التطرف فحسب، بل تبني مواطناً صالحاً وقادراً على التفاعل الإيجابي مع مجتمعه.

​بطاقة معلومات

  • عنوان الكتاب: سيكولوجية الإرهاب والتطرف العنيف: النظرية والبحث وعوامل الخطورة والوقاية والمكافحة
  • المؤلفة: الدكتورة إكرام صالح إبراهيم صالح
  • التخصص: دكتورة في علم النفس الإكلينيكي (الصحة والوقاية النفسية)
  • سنة النشر: الطبعة الأولى 2022

​الأسئلة الشائعة

  • ما الفرق بين الإرهاب والتطرف العنيف وفقاً للكتاب؟ يوضح الكتاب أن الإرهاب هو استراتيجية لخلق الخوف لتحقيق غايات سياسية، بينما التطرف العنيف هو المسار الفكري والسلوكي الأوسع الذي قد يتبنى الإرهاب كأداة، ويحدث الخلط بينهما عادةً على نحو مغلوط.
  • ما هي أبرز عوامل الخطر التي تجعل الشباب عرضة للتجنيد؟ تبرز الحاجة الماسة للهوية والانتماء في فترة المراهقة كعامل رئيسي، بالإضافة إلى الشعور بالإقصاء والتهميش والظلم، والبحث عن هدف أو معنى في الحياة، وضعف الهياكل الأسرية.
  • كيف يمكن، حسب الكتاب، الوقاية من التطرف؟ الوقاية تكون عبر محاور متكاملة تشمل الوقاية الفكرية بتعزيز النقد والحوار، والوقاية السلوكية بتقديم نماذج واقعية لمن خُدعوا، وبناء المهارات الحياتية كالتفكير النقدي والتعاطف وإدارة الحوار.
  • هل كل إرهابي يعاني من مرض نفسي؟ لا، يرفض الكتاب هذا التبسيط. على الرغم من وجود معدلات مرتفعة لبعض الاضطرابات بين عينات إرهابية، إلا أنها لا تشمل الأغلبية. الكتاب يقر بأن بعض الفئات قد تمتلك سمات معينة، لكن التأكيد هو على تضافر العوامل البيئية والاجتماعية مع الذاتية.

​رابط التحميل

​يمكنكم تحميل الكتاب كاملاً من خلال الرابط التالي: تحميل كتاب سيكولوجية الإرهاب والتطرف العنيف للدكتورة إكرام إبراهيم

تعليقات



تابعنا