هل المجتمع هو الذي يصنع عقولنا؟ — قراءة في كتاب أساسيات علم الاجتماع النفسي التربوي ونظرياته
مقدمة: من الكائن البيولوجي إلى الشخصية الاجتماعية
كيف يتحول الفرد من كائن بيولوجي محض إلى شخصية اجتماعية متفاعلة؟ وما الذي يجعل جماعة صفية تنهار وأخرى تزدهر؟ ولماذا يعتبر ابن خلدون المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع قبل الغرب بقرون؟
يجيب كتاب أساسيات علم الاجتماع النفسي التربوي ونظرياته للأستاذ الدكتور صالح حسن الداهري عن هذه الأسئلة، مقدماً رحلة علمية متكاملة تجمع بين التأصيل النظري والتطبيق التربوي. يهدف الكتاب إلى توضيح أسس هذا العلم ونظرياته وتطبيقاته العملية، بوصفه مرجعاً أكاديمياً يربط بين علم النفس وعلم الاجتماع لخدمة الميدان التربوي.
![]() |
| غلاف كتاب أساسيات علم الاجتماع النفسي التربوي – صالح الداهري. |
علم الاجتماع: رحلة في البحث عن تعريف
يستهل المؤلف كتابه باستعراض تباين التعريفات التي وضعها رواد هذا العلم، ملاحظاً أن هناك اختلافاً في التعاريف ولا يبدو أن هناك ثمة اتفاق أو إجماع من علماء الاجتماع على تعريف هذا العلم. ومع ذلك، تبرز عناصر مشتركة تتمحور حول دراسة النظام الاجتماعي، والبناء الاجتماعي، والأنماط السلوكية، والمجتمع الإنساني في حالتي استقراره وحركته، مع التركيز على مبدأ الاعتماد والتفاعل الإنساني المتبادل.
الجذور التاريخية: من الشرق القديم إلى الفكر الإسلامي
يتتبع الكتاب مسار الفكر الاجتماعي منذ بداياته في الحضارات القديمة، وصولاً إلى العصر الحديث. ويُفرد المؤلف حيزاً خاصاً لدور الإسلام في وضع أسس العلاقات الاجتماعية، مؤكداً أن الشريعة الإسلامية كقانون ديني واجتماعي تختلف اختلافاً ملموساً عن الشريعة اليهودية والقانون الكنسي، وذلك لتنوعها وشموليتها.
ويبرز الكتاب إسهامات الإسلام في علم الاجتماع من خلال:
- الزكاة والصدقات: التي تُعد شكلاً مبكراً مما يعرف حديثاً باسم البحث الاجتماعي.
- مبدأ الشورى: الذي يمثل الحجر الأساس في علم الاجتماع السياسي.
- تأصيل فروع الاجتماع الوصفي والاقتصادي والسياسي.
ابن خلدون: العبقري الذي سبق عصره بخمسة قرون
يحتل ابن خلدون مكانة مركزية في أطروحة الداهري، حيث ينقل إجماع الباحثين على أنه المؤسس الحقيقي لهذا العلم. ويرى أن الباحثين الغربيين أدركوا الشبه الموجود بين مقدمته والمسائل التي يبحثونها، واعتبروا أن ابن خلدون هو مؤسس علم الاجتماع حيث سبق أوجست كونت بحوالي خمسة قرون ونصف.
لقد وضع ابن خلدون قواعد منهجية صارمة تشمل الشك والتمحيص، والموضوعية، ومبدأ الحتمية، وتوسع في دراسة المجتمعات (البدوية والريفية والحضرية) والاجتماع المعرفي والصناعي.
العمليات الاجتماعية: محرك التفاعل الإنساني
يُشرّح الكتاب العمليات الاجتماعية بوصفها علاقات التأثر والتأثير المتبادلين بين أفراد جماعة من الجماعات، ويصنفها إلى نوعين:
1. العمليات المجمعة (التقاربية)
- التعاون: العمل المشترك للأهداف الجمعية.
- التكيف: تعديل السلوك ليلائم البيئة.
- التنشئة الاجتماعية: وهي العملية الجوهرية التي تحول الإنسان من كائن بيولوجي يدعى بالفرد إلى كائن اجتماعي له شخصية.
2. العمليات المفرقة
- التنافس: صراع غير مباشر على مكاسب محدودة.
- الصراع: الذي يُعد من أخطر العمليات الاجتماعية لأنه يعبر عن نضال القوى الاجتماعية ومبلغ تصادمها، وهو المظهر المتطرف للمنافسة.
نمو الاتجاهات وديناميكيات الجماعة
يرصد الكتاب تطور اتجاهات الفرد عبر ثلاث مراحل: تأثير الوالدين المطلق في الطفولة، ثم "المرحلة الحرة" (12-30 سنة) حيث يزداد تأثير الرفاق والتعليم، وأخيراً مرحلة الرشد حيث تميل الاتجاهات نحو المحافظة. ويؤكد المؤلف على دور التعليم في صياغة الفكر، حيث كلما زاد نصيب الفرد من التعليم زادت اتجاهاته التحررية.
كما يتناول الكتاب مفهوم المجتمع المحلي بوصفه جماعة من الناس يعيشون متجاورين في منطقة جغرافية، ولهم مراكز مشتركة لنشاطهم ومصالحهم.
تطبيقات تربوية: علم الاجتماع في غرفة الصف
ينتقل الداهري إلى الجانب الإجرائي، موضحاً كيف يخدم علم الاجتماع العملية التعليمية من خلال:
- الأمن النفسي: استخدام الجماعة كمصدر للانتماء.
- حجم الجماعة: وتأثيره على التفاعل، حيث كلما زاد عدد الأفراد قل نصيب الفرد من المشاركة وفق معادلات رياضية محددة.
- مشكلات الضبط: التي ترجع غالباً إلى الاضطراب في الجو الجماعي والتوتر الانفعالي الناتج عن ظروف مثل الامتحانات.
وفيما يخص القيادة، يشدد الكتاب على أن التغيير الضروري في تدريب القادة يتناول غالباً الأفكار الأساسية للمتعلم، وقيمه، وافتراضاته عن الآخرين، وليس مجرد تغيير سطحي في السلوك.
خاتمة: التربية كخدمة اجتماعية
يختتم الكتاب بالربط الوثيق بين الخدمة الاجتماعية والتربية الحديثة، فكلاهما يهدف لمساعدة الأفراد في التنشئة. إن الخبرة الجماعية يمكن أن تنمي القدرة على المشاركة، وتقبل الآخرين، وتحمل مسؤوليات القيادة، والاعتماد على الذات، وتكامل الشخصية.
بطاقة معلومات الكتاب
لمن هذا الكتاب؟
- لطلاب الدراسات العليا في التربية وعلم النفس.
- للمعلمين الباحثين عن فهم أعمق لديناميكيات الفصل الدراسي.
- للمرشدين التربويين المهتمين بالتنشئة الاجتماعية والقيادة.
أسئلة شائعة (FAQ)
س: ما الفرق بين علم الاجتماع العام والتربوي في هذا الكتاب؟
يركز الكتاب على تطبيق المفاهيم السوسيولوجية (مثل الجماعة والقيادة والتفاعل) داخل المؤسسة التعليمية، وكيف تساهم هذه العمليات في تشكيل شخصية الطالب.
س: كيف أنصف الكتاب العلماء العرب والمسلمين؟
أثبت الكتاب بالأدلة المنهجية أن ابن خلدون هو الواضع الحقيقي لأسس علم الاجتماع الحديث، كما استعرض إسهامات الفارابي وابن سينا في فهم الروابط الاجتماعية.
س: ما هي أهمية "التنشئة الاجتماعية" في المنظور التربوي؟
تعتبر الحجر الأساس الذي ينقل الفرد من مجرد كائن بيولوجي إلى شخص ذوي أدوار ومسؤوليات وقيم تتوافق مع هوية المجتمع.
رابط التحميل: 📥 تحميل كتاب أساسيات علم الاجتماع النفسي التربوي PDF
