هل التدفق الحر للمعلومات يحرر الشعوب أم يُكرّس الهيمنة الثقافية؟
مقدمة
تخيل للحظة أن كل خبر تقرأه، وكل فيلم تشاهده، وكل إعلان يمر أمام عينيك، ليس مجرد محتوى عابر صُنع للتسلية أو الإعلام فحسب، بل هو جزء من معركة شرسة وغير مرئية تدور رحاها على عقول البشر ووعيهم الجمعي. هذا ليس ضربًا من ضروب الخيال أو نظرية مؤامرة، بل هو التحليل العلمي الرصين الذي يقدمه كتاب "الاتصال والهيمنة الثقافية" لمؤلفه المفكر الأمريكي هربرت شيلر.
الكتاب الذي ترجمه إلى اللغة العربية وجيه سمعان عبد المسيح وراجعه مختار محمد التهامي، صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن سلسلة مكتبة الأسرة عام 2007. يقدم هذا العمل تحليلاً ثاقبًا وعميقًا لكيفية تحول وسائل الإعلام والاتصال من أدوات محايدة للتنوير وتبادل المعرفة بين الأمم إلى آليات متقنة ومعقدة تفرض من خلالها القوى الغربية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، هيمنتها الثقافية على دول العالم الثالث التي توصف بالدول "النامية". إنه بحق عمل تأسيسي في مجال الاقتصاد السياسي للاتصال، يكشف بجرأة نادرة عن الوجه الخفي لشعار "التدفق الحر للمعلومات" الذي لطالما تغنت به الحكومات الغربية ورفعته راية في المحافل الدولية.
![]() |
| غلاف كتاب الاتصال والهيمنة الثقافية | هربرت شيلر. |
الهيمنة الثقافية: أدواتها وسياقاتها الخفية
لا ينظر شيلر إلى الهيمنة الثقافية على أنها مجرد مفهوم نظري مجرد أو مصطلح أكاديمي يُتداول في قاعات المحاضرات، بل يصفها بأنها ممارسة ممنهجة ومنظمة تُستخدم فيها وسائل الاتصال الحديثة كأدوات لإخضاع الشعوب والسيطرة على عقولها. ويشير بوضوح إلى أن "الإعلام الأمريكي هو الذي يصنع مثل هذه المقولات ويروج لها ويلصقها بالمعارضين للهيمنة الأمريكية، بالإضافة إلى أنه يملك من قوة الضغط السياسي والاقتصادي والإعلامي ما يمكنه من العمل على محاولة ترسيخ هذه المفاهيم لدى الكثير من حكومات العالم وشعوبه." والأخطر من ذلك كله، أن هذه الحروب الإعلامية لا تقف عند حدود الترويج والدعاية، بل تتجاوزها لتقوم بـ "التمهيد والتعبئة للرأي العام العالمي لما يمكن أن يتخذ من إجراءات عسكرية ضد هذا النظام أو ذاك."
وفي تحليله التفصيلي لأدوات هذه الهيمنة، يفصّل شيلر الآليات الرئيسية التي تتحكم في تدفق المعلومات عالميًا:
- وكالات الأنباء العالمية الكبرى التي تحتكر جمع الأخبار وتوزيعها وتتحكم في مصادر المعلومات التي تصل إلى شعوب الأرض.
- الشركات المتعددة الجنسية التي تمول وتوجه المحتوى الإعلامي لخدمة مصالحها التجارية والاقتصادية البحتة.
- وكالات الإعلان الأمريكية العملاقة التي تخلق أنماطًا استهلاكية محددة وتفرضها بقوة على شعوب العالم المختلفة.
- التكنولوجيا المتقدمة التي تُقدم على أنها حلول محايدة للتخلف والتنمية، لكنها في جوهرها تنقل معها منظومة القيم الرأسمالية الغربية كاملة غير منقوصة.
"التدفق الحر للمعلومات": شعار بريء أم أداة للهيمنة؟
من أكثر فصول الكتاب إثارة للجدل والدهشة هو ذاك الذي يتناول قضية "التدفق الحر للمعلومات". يكشف شيلر كيف أن هذا الشعار الذي يبدو للوهلة الأولى نبيلاً وتحرريًا، لم يكن في حقيقته سوى غطاء أيديولوجي لمصالح تجارية وسياسية ضيقة. يوثق الكتاب أنه "قبل أن تنتهى الحرب العالمية الثانية بفترة، تمكنت التجارة الأمريكية من إدماج قضية التدفق الحر للمعلومات فى إيديولوجية سياسية رسمية."
والمثير للانتباه أن الحزبين الأمريكيين الكبيرين، الديمقراطي والجمهوري، تبنيا هذا المبدأ بإجماع نادر. أعلن الديمقراطيون أن "التنمية العالمية والسلام الدائم فى متناول الإنسانية... وسوف يترتبان على تمتع شعوب العالم بهذه الحريات بدرجة أكبر، وتداول الأفكار والسلع فيما بينها بقدر أعظم من الحرية."
لكن شيلر يكشف النقاب عن الوجه الحقيقي لهذا الشعار، ناقلاً عن مجلة الإيكونومست وصفًا دقيقًا لانطباع الوفود المشاركة في مؤتمر الأمم المتحدة لحرية الإعلام: "إن الانطباع السائد لدى السواد الأعظم من الوفود هو أن الأمريكيين يريدون أن يضمنوا لوكالات الأنباء التابعة لهم الحرية العامة التي تتمتع بها الأسواق بأكثر الطرق فعالية." ويضيف التقرير عبارة قاسية: "اعتبروا حرية المعلومات امتدادًا لميثاق منظمة التجارة الدولية بدلاً من اعتبارها موضوعًا خاصًا ومهمًا في حد ذاته."
ويلفت شيلر الانتباه إلى التناقض الأوروبي الملفت، حيث يشير إلى أن دول أوروبا الغربية كانت تدرك تمامًا "التهديد التجاري الذي يفرضه تطبيق هذا المبدأ على صناعاتهم الاتصالية في مواجهة الوسائل القوية التي في حوزة الولايات المتحدة"، لكنها رغم ذلك أيدته كأداة "لخلق الارتباك في المجال السوفييتي ووضعه في حالة دفاع أيديولوجي." وهكذا، فضّلت مصالح الحرب الباردة على حماية صناعاتها الثقافية الوطنية.
تكنولوجيا الاتصال: هل هي محايدة حقًا؟
في الفصل الثالث المعنون بـ "تكنولوجيا: منابعها وسياقها وأساليبها الراهنة"، يوجه شيلر نقدًا لاذعًا لفكرة حيادية التكنولوجيا. يرى أن التكنولوجيا ليست مجرد آلات وأجهزة صماء، بل هي تجسيد مادي للقيم والعلاقات الاجتماعية السائدة في المجتمع الذي أنتجها. وبالتالي، فإن استيراد الدول النامية لتكنولوجيا الاتصال الغربية دون وعي نقدي يعني في العمق استيرادًا للنظام القيمي والثقافي الغربي بكل ما يحمله من تناقضات.
من أخطر ما ينبه إليه شيلر هو الدور الخفي الذي تلعبه البحوث الإعلامية نفسها في توجيه السياسات الإعلامية لصالح مراكز القوى المهيمنة، مشيرًا إلى "توجيه البحوث الإعلامية الوجهة التي تخدم المصالح الأمريكية."
تجربة تشيلي: مختبر حي للهيمنة الثقافية
يُفرد الكتاب مساحة كبيرة لتحليل تجربة تشيلي في عهد الرئيس سلفادور أليندي بين عامي 1971 و1973، معتبرها درسًا بليغًا في كيفية تصادم سياسة إعلامية وطنية مستقلة مع مصالح الشركات الإعلامية العالمية. يسجّل الكتاب كيف أن:
"التفكير الاشتراكي قد أتيحت له فرصة للانتشار عبر البلاد أكبر مما كان متاحاً من قبل... وهذا يفسر العداء الشديد الذي أظهره خصوم أليندي تجاه حرية الصحافة التى سادت فيما بين 1971 وسبتمبر 1973."
ويستخلص شيلر مجموعة من الدروس القاسية من هذه التجربة، أبرزها:
- "إن التعدد في المجال الاتصالي يحجب الهيمنة الطبقية. وحالما تبدو هذه الهيمنة مهددة بخطر شديد فإن التعدد يصبح مرفوضاً من قبل أولئك الذين يمتدحون عادة ما ينطوى عليه من فضائل."
- "إن الاضطرار إلى الدفاع عن سيادة الأمة فى المجال الإعلامى الثقافى لا يعد دعوة إلى النزعة الإقليمية والتجزئية وإنما هو بمثابة تأكيد لمقاومة القوة النافذة للشركات متعددة الجنسية."
- الرسائل الإعلامية المهيمنة "تنظم وتبث على نحو تجاري ومن خلال الشركات التجارية. وأن الزعم بأن التداول يتم على أساس حرية التعبير الفردية لا يقوم على أساس صائب سليم."
الصراع الطبقي ينتقل إلى المجال الثقافي والإعلامي
من أكثر أطروحات شيلر عمقًا وابتكارًا فكرة أن الصراع الطبقي التقليدي، الذي كان تاريخيًا صراعًا اقتصاديًا حول توزيع الناتج القومي، قد انتقل الآن بشكل صريح ومباشر إلى المجال الثقافي والاتصالي. يقول شيلر في مقطع جوهري:
"ولقد اعتبر الصراع الطبقي من الناحية التاريخية معركة اقتصادية... غير أنه برز الآن عنصر جديد في عملية المواجهة... تمثل في استخدام الطبقة المسيطرة إلى أقصى حد لجهاز إعلامي بالغ التوسع ومتغلغل في كل مكان."
ويضيف أن البلدان غير المنحازة قد أدركت هذه الحقيقة بعمق، وعبّرت بوضوح عن أن الأنشطة الإمبريالية "لا تقتصر على المجالات السياسية والاقتصادية وإنما تشمل أيضًا المجالات الاجتماعية والسياسية حيث تفرض هيمنة أيديولوجية أجنبية على شعوب العالم النامى." ويترتب على ذلك "ضرورة إعادة تأكيد الذاتية الثقافية الوطنية وإزالة الآثار المدمرة للحقبة الاستعمارية."
خاتمة: نحو سياسات اتصالية تحررية
يبقى كتاب "الاتصال والهيمنة الثقافية" من أهم الكتب التي كشفت مبكرًا العلاقة المعقدة بين الإعلام والسلطة والاقتصاد. ورغم مرور عقود على صدوره، فإن أفكاره تبدو اليوم أكثر راهنية في عصر المنصات الرقمية وشركات التكنولوجيا العملاقة التي تعيد إنتاج الهيمنة الثقافية بأدوات أكثر تطورًا وتأثيرًا.
بطاقة معلومات الكتاب
- اسم الكتاب: الاتصال والهيمنة الثقافية
- المؤلف: هربرت شيلر (Herbert Schiller)
- ترجمة: وجيه سمعان عبد المسيح
- مراجعة: مختار محمد التهامي
- الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب - مكتبة الأسرة
- سنة النشر: 2007
- عدد الصفحات: 156 صفحة
- الرقم الدولي: ISBN 977-419-950-0
- English Title: Communication and Cultural Domination
أسئلة شائعة حول الكتاب
س: هل يدعو الكتاب إلى العزلة الثقافية ورفض كل ما هو غربي؟
لا، شيلر لا يدعو إلى العزلة الثقافية أو الرفض الدوغمائي لكل ما هو غربي. ما يفعله هو تحليل نقدي لكيفية استخدام "التدفق الحر للمعلومات" كأداة للهيمنة، ويطالب بسياسات اتصالية وطنية تحمي السيادة الثقافية وتضمن مشاركة الجماهير الشعبية في تشكيل وعيها الذاتي، بدلاً من أن يظلوا مجرد متلقين سلبيين لمحتوى تنتجه شركات تجارية عابرة للقارات.
س: ما هو الدرس الأهم الذي يمكن للدول العربية استخلاصه من الكتاب؟
الدرس الأهم هو ضرورة بناء سياسات إعلامية واتصالية وطنية تستند إلى احتياجات الجماهير الشعبية وتستثمر في وعيها، لا أن تكون مجرد سوق مستهلكة للمنتجات الإعلامية الأمريكية والغربية. تجربة تشيلي تثبت أن أي محاولة جادة للاستقلال الثقافي والإعلامي ستُواجه بحملة شرسة من القوى التي تحتكر وسائل الاتصال عالميًا.
س: كيف ينظر شيلر إلى دور التكنولوجيا الحديثة؟
يرى شيلر أن التكنولوجيا ليست محايدة على الإطلاق، بل تتجسد فيها قيم النظام الرأسمالي وعلاقات القوة السائدة فيه. ويمكن تطبيق تحليله اليوم على شركات التكنولوجيا الكبرى، التي تتحول منصاتها الرقمية إلى أدوات لجمع البيانات وتوجيه المستهلكين وإعادة إنتاج نفس أنماط الهيمنة الثقافية والاقتصادية التي انتقدها في كتابه.
س: ما أوجه القصور في أطروحة "التدفق الحر للمعلومات" وفقًا لشيلر؟
يوضح الكتاب أن هذا الشعار يفترض مسبقًا وجود تكافؤ في القوة والقدرة بين من يتدفق منهم المحتوى ومن يستقبلونه، وهذا أمر غير حقيقي على أرض الواقع. في الواقع العملي، يتحول هذا "التدفق الحر" إلى طريق ذي اتجاه واحد، تتدفق فيه منتجات وسائل الإعلام الأمريكية (أخبار، أفلام، مسلسلات، إعلانات) إلى بقية العالم دون عوائق، بينما لا تجد ثقافات هذه الدول وشعوبها أي طريق إلى الجمهور الغربي.
