ما الوعي الطبقي؟ - فيلهلم رايش: ملخص شامل وتحليل
مقدمة: لماذا فشلت الثورة رغم وجود الجماهير؟
ماذا لو أن هذه العفوية الثورية لم يكن لها من وجود إلا في رأس أعضاء الأحزاب الاشتراكية، من دون أن يقابلها شيء في الواقع؟
هذا التساؤل الجريء الذي يطرحه فيلهلم رايش في مقدمة كتابه ما الوعي الطبقي يكشف عن الإشكالية المركزية التي يعالجها المؤلَّف: لماذا تمتلك الجماهير مشاعر مناهضة للرأسمالية، ومع ذلك تصوت لصالح الفاشية أو تستسلم لها؟ كيف نفسر أن كان في ألمانيا زهاء 30 مليون شغيل تعمر قلوبهم مشاعر مناهضة للرأسمالية ... لكن الفاشية هي التي ارتقت إلى سدة السلطة؟
هذا الكتاب، الذي صدرت ترجمته الكاملة عن دار الطلبة في بيروت (يوليو 1974/فبراير 1979)، يمثل محاولة جريئة لتجاوز الفجوة بين النظرية الماركسية التقليدية وعلم النفس الجمعي، ساعياً إلى فهم العوائق الذاتية التي تمنع تكون الوعي الطبقي الثوري.
فيلهلم رايش هو محلل نفسي نمساوي وتلميذ سابق لفرويد، حاول الجمع بين الماركسية والتحليل النفسي لفهم أسباب خضوع الجماهير للسلطة والفاشية. عُرف بأفكاره المثيرة للجدل حول الكبت الجنسي والسياسة، وتعرض لاحقاً للإقصاء من المؤسسات التحليلية والحزبية معاً.
![]() |
| غلاف كتاب ما الوعي الطبقي؟ لفيلهلم رايش. |
بطاقة معلومات الكتاب
- العنوان الأصلي: Qu'est-ce que la conscience de classe ?
- المؤلف: فيلهلم رايش (Wilhelm Reich)
- المترجم: غير مذكور (ترجمة كاملة)
- الناشر: دار الطلبة للطباعة والنشر - بيروت
- تاريخ النشر: يوليو 1974 / فبراير 1979
- اللغة: العربية (ترجمة عن الفرنسية)
- عدد الصفحات: 128 صفحة
- الموضوع: علم النفس السياسي - الوعي الطبقي - الماركسية
لمن هذا الكتاب؟
هذا الكتاب مخصَّص لكل من يهتم بفهم التناقض بين الاشتراكية النظرية والسلوك السياسي الفعلي للجماهير. إنه موجه إلى:
- الباحثين في علم النفس السياسي وعلم النفس الجمعي
- المناضلين الثوريين الذين يريدون فهم سبب فشل الحركات الاشتراكية
- الطلاب والأكاديميين المهتمين بالفكر الماركسي والتحليل النفسي
- كل من يتساءل: لماذا تتصرف الجماهير أحياناً ضد مصلحتها الذاتية؟
الفكرة الأساسية للكتاب
يمكن تلخيص الفكرة الأساسية للمؤلَّف على النحو التالي: الكفاح المر الذي يخوضه ثوريو العالم قاطبة يحملهم على ألا ينظروا إلى حياة البشر إلا من وجهة نظر إيديولوجيتهم الخاصة، بينما القسم الأعظم من السكان يجعل كل شيء أو كل شيء تقريباً عن صراعاتهم وامتحاناتهم وأفكارهم، ويحيا عبوديته بقدر أو بآخر من عدم الإدراك.
يكمن جوهر المشكلة في أن الطليعة الثورية تمتلك وعياً متقدماً بالوضع الاجتماعي ووسائل تغييره، بينما تفتقر الجماهير الواسعة إلى هذا الوعي. والفجوة بين الاثنين هي ما يستغله الخصم الطبقي، وعلى رأسه الفاشية، للوصول إلى السلطة.
نوعا الوعي الطبقي
يميز رايش بين مستويين من الوعي الطبقي:
- الوعي العفوي أو الشعور الطبقي – وهو المشاعر المناهضة للرأسمالية التي تنشأ تلقائياً من تجربة الاستغلال اليومي. هذا الوعي موجود لدى قطاعات واسعة من العمال، لكنه لا يكفي وحده لإحداث ثورة.
- الوعي الثوري الناضج – وهو الذي يمتلكه المناضلون المحترفون في الطليعة، ويتضمن فهماً للقوانين التاريخية والاقتصادية، واستراتيجية واضحة للعمل السياسي.
يقتبس رايش من لينين قوله: لقد قلنا إن العمال لا يمكن أن يكون لهم وعي اشتراكي – ديموقراطي. فهذا الوعي لا يمكن أن يأتيهم إلا من الخارج.
وهنا يكمن السؤال الحاسم: كيف نجلب الوعي الثوري إلى الجماهير إذا لم نكن مطلعين على ما نسميه بالوعي الثوري أصلاً؟
لماذا فشلت الحركة الاشتراكية في ألمانيا؟
يرى رايش أن أحد الأسباب الرئيسية لفشل الحركة الاشتراكية في ألمانيا هو غياب علم نفس سياسي ماركسي قابل للاستخدام. في الوقت الذي كان الاشتراكيون يقدمون للجماهير تحليلات تاريخية واقتصادية موسعة حول المنازعات الإمبريالية، كانت حماستها كلها تنصب على هتلر تحت تأثير تحريضات عاطفية عميقة.
والخلاصة التي يخلص إليها رايش هي: لقد تركنا، على حد تعبير ماركس، ممارسة العامل الذاتي للمثاليين، وغدونا ماديين ميكانيكيين.
إن تجاهل البعد النفسي والغرائزي والعاطفي في السياسة الثورية كان بمثابة ميزة كبرى للعدو الطبقي، كما كانت أقوى سلاح بيد الفاشية.
العوامل التي تعيق تكوّن الوعي الطبقي
يقدم رايش قائمة من العوامل التي تمنع تكون الوعي الطبقي لدى الفرد المتوسط:
1. الأخلاق الجنسية البورجوازية
في مثال بليغ، يروي رايش قصة عامل في سكة حديدية قال: القانون يقول إن الزوج يستطيع أن يضرب امرأته. لكن الأغنياء هم وحدهم الذين يستطيعون ذلك. فلو ضرب فقير زوجته لما نجا من العقاب. هذا العامل يحدد موقعه ومكانه نسبة إلى الغني، ويحس بعدم المساواة ... لكن ليس أحلى على قلبه من ضرب زوجته، كما يبيح له القانون ذلك.
إن الأخلاق الجنسية البورجوازية تتعايش مع الوعي الطبقي لدى العامل نفسه، بل إن حق الملكية الجنسية الذي تمنحه الدولة الطبقية للرجل يشكل أحد أهم العوائق التي تربط الإنسان بالنظام البورجوازي.
2. الروابط العائلية والذكورية
إن إحدى العقبات الكبرى أمام وضوح الرؤية السياسية تمثلت في خوف النساء ... من احتمال 'انتراع' أولادهن منهن بسبب التربية الجماعية. هذا الخوف، وإن لم يظهر في الاجتماعات العلنية، كان يتجلى في كبت سياسي فعلي.
3. العوامل المادية والنفسية
يذكر رايش أيضاً: الروابط الذكورية، حياة الخمارة، الملكية الصغيرة، الوصولية، والكبرياء التي تخامر العامل حين يرى المنشأة الرأسمالية تزدهر. كلها عوامل تفعل فعلها ضد تكون الوعي الطبقي.
دور الشبيبة والجنس في الوعي السياسي
يعطي رايش اهتماماً خاصاً للشبيبة، معتبراً أنها خليقة بأن تحتل الرتبة الأولى في العمل السياسي، لأن المستقبل ما يزال أمامها. لكنه يلفت إلى أن كلما كانت الحاجة الجنسية المثلية فعالة في النفسية ... اتجهت الشبيبة يميناً. فالخوف من النشاط الجنسي، والتعبير بالذنب المرتبط بهما، هما على الدوام عوامل دافعة باتجاه اليمين.
كلما نمت الميول الجنسية الطبيعية باتجاه اشتهاء الآخر، باتت الشبيبة أكثر انفتاحاً على الأفكار الثورية.
هذه المقاربة الجريئة، التي تضع الحياة الجنسية في صلب التحليل السياسي، هي ما ميز حركة السياسة الجنسية التي قادها رايش، وجعلتها تلقى قبولاً واسعاً لدى فئات من السكان في ألمانيا والنمسا.
السياسة البورجوازية مقابل السياسة الثورية
يميز رايش بشكل حاد بين شكلين من العمل السياسي:
السياسة البورجوازية
- ديماغوجية بطبيعتها
- تقدم وعوداً لا تفي بها
- تلجأ إلى الدبلوماسية السرية
- تخاطب الجماهير بلغة لا تفهمها
السياسة الثورية
- قادرة على تقديم ما تعد به
- ترفض الإيحاء وتقول كل شيء للجماهير
- توجهها الأساسي هو التوجه المستمر إلى الجماهير
- تتكلم بلغة بسيطة وواضحة ومفهومة
ويضرب رايش مثالاً على السياسة البورجوازية التي ينتهجها حتى الشيوعيون: عندما كان قادة الحزب الشيوعي الألماني يفيضون طوال ساعات في 'قصر الرياضة' في الحديث عن تصارع المصالح بين الدول الكبرى وعن الخلفية الاقتصادية للحرب القادمة، كانوا يقلدون، من دون قصد ومن دون معرفة، الشكل البورجوازي للسياسة.
السياسة الجنسية: نموذج بديل
يقدم رايش تجربة حركة السياسة الجنسية كبديل للسياسة التقليدية. لم تكن هذه الحركة تدين بشعبيتها لتنظيمها المحكم، بل لمبدأها القائل بـ الطرح العلني لمشكلة الصحة الجنسية.
منهجيتها تقوم على: عدم الانطلاق أبداً إلا من المشكلات الشخصية للوصول إلى سياسة هتلر وبرونيغ. فبدلاً من الحديث عن الوضع السياسي المجرد، كانت تطرح مواضيع مثل: كيف أربي طفلي؟، أو الفتيان والفتيات في التنظيم.
والنتيجة: كانت كل مناقشة لمسألة تتعلق بالحياة الشخصية تثير اهتماماً كبيراً ومساهمة حية من قبل الحضور، وتقود بانتظام إلى المسائل السياسية الكبرى التي ما كانت إلا لتخنق العاطفة الثورية لو تلبست شكلاً آخر.
تطوير الوعي الطبقي انطلاقاً من حياة الجماهير
يرى رايش أن السياسة الثورية الحقيقية يجب أن تنطلق من حاجات السكان الذاتية، لا من التحليلات الاقتصادية الموضوعية فقط. وهو ينتقد النزعة الاقتصادية التي تبني عملها كله على الجانب الموضوعي من الحياة الاجتماعية، وتهمل الحاجات اليومية للناس.
الإنسان هو الذي يصنع التاريخ، لا الآلة. الإنسان يستخدم الآلة. والاقتصاد لا يتحول مباشرة إلى وعي؛ لكن هناك العديد من الحلقات المتوسطة.
ويعطي رايش أمثلة على السلوك اللاغلاني الذي يجب أن يفهمه الثوريون: النساء يدافعن عن الزواج حتى حين يكون عليهن عبئاً، العمال يتناسون الاستغلال حين يكون المصنع في ازدهار، الشبان يناصرون القمع الجنسي. هذه التناقضات ليست سطحية، بل هي جوهر المشكلة.
خاتمة: ما الوعي الطبقي حقاً؟
في الصفحات الأخيرة من الكتاب، يقدم رايش تعريفاً واضحاً للوعي الطبقي، بعيداً عن المفاهيم المجردة:
ليس وعي الجماهير الطبقي معرفة القوانين التاريخية أو الاقتصادية التي تسوس حياة البشر، ولكن معرفة ما يلي:
- الحاجات الحيوية لكل فرد في الميادين كافة.
- طرق تلبيتها وإمكانياتها.
- العقبات التي ينصبها في وجهها مجتمع الاقتصاد الفردي.
- شروط الكبت والكف والقلق التي تمنع كل فرد من إدراك متطلبات حياته بالذات.
- عدم قابلية قوة هذا الفرد للفشل أمام قوة المضطهدين بشرط أن تتحد في شكل حركة جماهيرية.
هذا التعريف العملي، الذي يربط بين الحاجات الحيوية والوعي الطبقي، هو جوهر رسالة رايش. وهو يدعو الثوار إلى التخلي عن اللغة الأكاديمية المعقدة، والحديث إلى الجماهير بلغتها الخاصة، عن همومها اليومية، عن جوعها، عن كبتها الجنسي، عن خوفها على أولادها.
الاقتباسات الرئيسية من الكتاب
- إن الفشل الماحق الذي منيت به الحركة الاشتراكية في ألمانيا كان له أصداؤه وانعكاساته المؤسفة في البلدان الأخرى، والفاشية تحقق في كل مكان تقدماً كبيراً بالمقارنة مع الحركة الثورية. (ص 11)
- ما معنى أن يتقبل العامل الصدقة من دون أن يعي أنه في الواقع سيد الإنتاج، وأنه ليس في المكان أهداؤه أي شيء كان؟ (ص 52)
- انطلاقاً من الحاجات الذاتية، واستنباط جميع المشكلات السياسية من مشكلة معرفة ما الحاجات التي ينبغي تلبيتها لدى الجماهير وكيف السبيل إلى ذلك، هو ما يثير اهتماماً حاداً لدى الناس الأكثر تسييساً. (ص 105)
الأسئلة الشائعة
س: ما الفرق بين الوعي الطبقي العفوي والوعي الثوري الناضج؟
ج: الوعي العفوي هو المشاعر المناهضة للرأسمالية التي تنشأ تلقائياً من تجربة الاستغلال اليومي، وهو موجود لدى قطاعات واسعة لكنه لا يكفي وحده لإحداث ثورة. أما الوعي الثوري الناضج فهو الذي يمتلكه المناضلون المحترفون، ويتضمن فهماً استراتيجياً للقوانين التاريخية ووسائل التغيير.
س: لماذا يربط رايش بين الحياة الجنسية والوعي الطبقي؟
ج: يرى رايش أن الأخلاق الجنسية البورجوازية تشكل أحد أهم عوامل الكبت التي تربط الإنسان بالنظام القائم. فالخوف الجنسي، والتعبير بالذنب، والكبت، كلها عوامل تدفع باتجاه اليمين وتعيق تكون الوعي الطبقي الثوري.
س: ما الذي يعنيه رايش بـالسياسة البورجوازية للحزب الشيوعي**؟**
ج: يعني أن الحزب الشيوعي الألماني كان يقلد أساليب السياسة البورجوازية: التحدث بلغة معقدة غير مفهومة للجماهير، الانشغال بـالسياسة العليا (تحالفات الدول، سباق التسلح، إلخ) بدلاً من الاهتمام بالهموم اليومية للناس، واستخدام الديماغوجية والدبلوماسية السرية بدلاً من التوجه المباشر الصادق إلى الجماهير.
س: هل هذا الكتاب موجه للقارئ العادي أم للأكاديميين؟
ج: الكتاب موجه في المقام الأول للمناضلين الثوريين وللباحثين في علم النفس السياسي، لكن لغته واضحة وأمثلته من الحياة اليومية تجعله في متناول القارئ المهتم. الاستثناء هو بعض الفقرات النظرية التي تحتاج إلى خلفية في الماركسية والتحليل النفسي.
