الأنثروبولوجيا والفنون التشكيلية الشعبية: قراءة في الدلالات والرمزية
مقدمة: هل الفن الشعبي مجرد زينة أم وثيقة حياة؟
عندما ننظر إلى قطعة حلية فضية قديمة أو تطريز بدوي باهر الألوان، قد يتبادر إلى الأذهان سؤال جوهري: هل هذه مجرد أدوات للزينة، أم أنها تحمل في طياتها شيفرة ثقافية كاملة؟ هذا هو السؤال الذي يحاول كتاب "الأنثروبولوجيا والفنون التشكيلية الشعبية" الإجابة عنه، متخذاً من الحارة المصرية ومن زنقة الستات مختبراً حياً لدراسة الروح الجمعية للمجتمع. يوضح الكتاب أن "التفاقات، مهما كانت بسيطة أو معقدة، تحتوى على منتج إنساني على درجة عالية من الكفاءة بالقياس إلى النتاجات الأخرى، هذا الناتج يسمى الفن"، مما يضع الفن الشعبي في مكانته المستحقة كنتاج إنساني رفيع وليس مجرد ممارسة هامشية.
![]() |
| غلاف كتاب الأنثروبولوجيا والفنون التشكيلية الشعبية. |
1. ماهية الفن ووظيفته الاجتماعية
يؤكد الكتاب في صفحاته الأولى على أن الفن ظاهرة اجتماعية، وثقافية هامة فى المجتمع، فهو دائما يعكس الظروف الاجتماعية السائدة ويتطور وفقا لقوانينه. هذه الرؤية تنفي فكرة أن الفن ينشأ من فراغ أو من وعي فردي بحت، بل هو تعبير عن نظرة يحددها المجتمع تجاه العالم. يوضح الكتاب أن "التأثير الثقافى والفكرى للفن فى إمكانية تجسيده لأفكار محددة أخلاقية، أو فلسفية مرتبطة بالحياة الواقعية بكل فئاته الاجتماعية"، مما يعطي الفن وظيفة تتجاوز الجمال لتصل إلى كونها أداة للاتصال والتعبير عن الأفكار الجمعية.
وعن وظيفة الفن، يستعرض الكتاب مفهوم تادل حيث ينظر إلى الفن باعتباره نظاما ولكل نظام وظيفته الهامة، فالوظيفة الهامة للفن هى الاتصال. فالفن يعمل كموصل جيد للمعلومات بطريقة مباشرة، ويقوم على التمثيل الرمزي للأفكار والسلوك. ويلفت الكتاب إلى أن الفن في المجتمعات التقليدية ليس موجهاً للمعارض والمتاحف كما في المجتمعات الحضرية، بل هو نشاطا يستخدم ويمارس من أجل الاحتفالات والشعائر والأساطير والقيمة الجمالية.
أما من حيث نشأة الفن، فيقدم الكتاب سرداً تاريخياً لتطوره بدءاً من العصر الحجري القديم وصولاً إلى العصور الإسلامية، مروراً بحضارات مصر القديمة مثل نقادة والبداري. يشير الكتاب إلى أن المصريين اعتمدوا بصورة أكبر على المعلومات فى إخراج أعمالهم الفنية، في حين اعتمد اليونانيون على الحواس والملاحظة البصرية. هذه الفروقات تبرز كيف أن البيئة والثقافة تشكلان الرؤية الفنية لكل شعب.
2. العلاقة بين الأنثروبولوجيا والفن التشكيلي الشعبي
يخصص الكتاب حيزاً مهماً لتوضيح العلاقة الوثيقة بين علم الأنثروبولوجيا والفن، مؤكداً على أن للأنثروبولوجيا دورا فى الكشف عن التراث الإنسانى منذ أقدم العصور، حيث ساهمت فى تسجيل التراث الشعبى ومختلف الآداب والفنون والصناعات. ويؤكد على مركزية دراسة الفن في هذا العلم بقوله: وللفن مكانه الطبيعى باعتباره نشاطا إنسانيا حيث يصدر عن الإنسان من أجل الإنسان.
يستعرض الكتاب جهود علماء بارزين مثل كلود ليفي ستروس الذي قارن بين إبداع الطبيعة وأعمال الفـن وطبق منهج التحليل البنائي في دراسة الفن البدائي. ويبين ليفي ستروس من خلال تحليله للوحات الفنان الفرنسي مونيه كيف أن هذه اللوحات أبرزت تفاصيل دقيقة وأعطت فكرة واضحة عن العلاقة بين الطبيعة والفن وعن أصالة الخلق. ويوضح الكتاب أن الأنثروبولوجيا تدرس الأساليب وطرق التعبير المختلفة وكم المعتقدات والعادات المتوارثة، مما يجعلها الأداة المثلى لفهم الفنون الشعبية.
3. الدلالات الأنثروبولوجية والرمزية
يركز الكتاب بشكل كبير على مفهوم الرمز، حيث يعرفه بأنه يوحى بشيء غامض أو غير معروف أو مستتر بالنسبة لنا، والكلمة أو الصورة تكون (رمزاً) حين توحى بشيء أكثر من معناها الواضح المباشر. ويقدم مثالاً توضيحياً على ذلك: قطعة الذهب أو الفضة التى يشكل منها مصحفا صغيرا أو صليبا، لا تأخذ قيمتها من بعض الخصائص المادية للذهب والفضة وإنما يضيفها عليها المعتقدون.
ويوضح الكتاب أن الرموز تنتظم في شكل من الأشكال بحيث يتلاءم كل نسق منها مع أحد مجالات الحياة، وأن مهمة الأنثروبولوجي هي البحث عن المعانى وكيفية التعبير عنها. كما يشير إلى أن السلوك الإنسانى سلوك رمزى وله معنى لهؤلاء الذين يشتركون فى هذا السلوك.
من أبرز الرموز التي تناولتها الدراسة العين التي تعتبر من أكثر الرموز شيوعا فى الفن، وفى كل بلاد العالم القديم، وذلك لارتباطها بالشمس والقمر. ويشرح الكتاب أن العين تستخدمها الفنان الشعبي تعبيرا عن الحسد أو التخلص منه، رسم معها الثعبان الذي لا يغمض له جفن، كما رسم العقرب والضفدعة. أما رمـز الهلال فيمتد ظهوره من الحضارات القديمة إلى الفن الإسلامي، حيث يستخدم في الحلي كرمز ديني، وإن كان قد تطور ولا يحمل نفس المعتقد ولا نفس القيمة التي كان عليها في العصور السابقة.
4. نماذج من الفنون التشكيلية الشعبية
يقوم الكتاب بدراسة ميدانية في منطقتين رئيسيتين هما منطقة زنقة الستات بميدان المنشية بالإسكندرية، وحارة اليهود بخان الخليلى بالقاهرة، حيث يركز على أربعة محاور رئيسية:
- فن الحلي والصاغة: يوضح الكتاب أن المصريين القدماء كانوا يزينون أنفسهم بالحلى الذهبية والفضية لاعتقادهم بأن هذه المعادن تحمل فى طياتها قوى سحرية. ويشرح العلاقة الوثيقة بين الحلي والاعتقاد، مستشهداً بقول المستشرق برسينال أن كل نموذج أو وحدة تستخدم فى تكوين هذه الحلى، كانت دائما ترمز معنى خاص. ويقدم أمثلة على ذلك مثل الجعران الذى كان يرمز إلى معنى بعث الموتى، و الصقر ذو الرأس البشرى الذى كان يمثل وحدة الجسد والنفس والروح والقلب. ويؤكد الكتاب أن الخرز الأزرق شائع فى مصر كتمام للأطفال، والخيل، والسيارات أيضا لجلب الرزق والخير والحماية من الحسد، مما يبرز استمرارية المعتقدات عبر الزمن.
- الأحجار الكريمة ودلالاتها: يفصل الكتاب في دلالات الأحجار الكريمة التي ترصع بها الحلي، فيذكر أن الياقوت هو سيد الأحجار، ومن المعتقد أنه يمثل الوقار والهيبة، ويعمل على قضاء الحوائج وجلب الرزق ورفع الفقر. أما الفيروز فيتمتع بمكانة خاصة ويسمى أحيانا "عظام الآلهة"، حيث كان من معتقدات بعض الشعوب أنه سيرفع عن صاحبه الخطر. ويكشف الكتاب أن اختيار الحجر ليس عشوائياً، بل إن لكل إنسان معدن أو خامة تتوافق معه والأشياء الطبيعية غالبا ما يكون لها رونق.
- الأزياء والملابس الشعبية: يعرض الكتاب للأزياء الشعبية كأحد أهم عناصر الثقافة المادية، حيث يبين أن الزي الشعبى بمثابة لغة يتحدث بها الفرد عن انتماءاته المختلفة وأيضاً يعبر عن ثقافة سائدة فى مجتمع ما في فترة ما. وفي سياق حديثه عن عادات الزواج، يذكر الكتاب أنه من عادات أهل الدقهلية أن المرأة تستخدم الحجاب فوق الطرحة البيضاء فى ليلة الحنة ثم العرس، أما المرأة فى القاهرة فتستخدم الطرحة والملابس الحرير فى ليلة زفافها. ويحلل الزي الرجالي موضحاً أن الحزام كان يستخدمه الأعيان ورجال الدين والتجار، وأن ضخامة العمامة تشير إلى المكانة الاجتماعية لصاحبها.
- الفخار والخزف: يتناول الكتاب فن الخزف باعتباره فناً يعتبر أجمل فنون الأرض وأصعب فنون الأرض، وهو فن فيه عمق لا حدود له وقيمة عظيمة لأن عنصر تشكيله أساسا من الطين. ويميز الكتاب بين الخزفيات الفنية بغرض الزينة و الخزفيات النفعية للأغراض النفعية، لافتاً إلى أن هذا الفن يتطلب من ممارسه أن يدرس "التصوير والنحت والتكنولوجيا والكيمياء والهندسة".
5. الحرفي والفنان: نظرة في الإبداع
يميز الكتاب بين الحرفي والفنان، شارحاً أن الحرفى أو الصانع هو الشخص المتمكن فى صنعته أو حرفته ماهر وصادق ولا يطلق عليه لفظ فنان إلا فيما يبدع وأن يكون خالقا فى صفته. فالإبداع هو الفارق الجوهري، حيث يتميز بالقدرة على التخيل والابتكار كما يشير تعريف الفن. ويؤكد الكتاب على أن ممارسة الفن التشكيلى عملية لا تقوم على مجرد العمل اليدوى بوصفه هدفًا فى حد ذاته أو على الأداء الآلى والمحاكاة الساذجة فقط، ولكنها تنبثق من المعرفة والفكر.
ويوضح الكتاب الفرق بين الصانع الحقيقي والتاجر، نقلاً عن أحد الحرفيين: الصانع هو المغمور ويعتبر نفسه الفنان والحرفى المبتكر وله خياله الخاص الذى يخرج فنونا تتحدث عن تاريخ، أما التاجر فهو الذى يتاجر دون هوية، وهذا فارق كبير بين المبدع الحقيقى والتاجر.
وينتقل الكتاب للحديث عن استلهام الفنان التشكيلي المعاصر من التراث الشعبي، موضحاً أن للتأثير الحملة الفرنسية بما أتت به إلينا من تلك الخبرات الحديثة وكذلك تأثر الفنانين بالمدارس الفنية الحديثة لم يمنع من وجود تيار وطني يسعى لتخليق "فن مصرى له استقلاليته وشخصيته المتميزة". ويستعرض كيف أن بعض أولئك الفنانين قد اتجه إلى تسجيل الحياة الشعبية فى الأحياء الوطنية والمصلين بالمساجد وحلقات العرس فى الكتاتيب وأسواق الخيام وخان الخليلى، مما يعكس وعياً مبكراً بأهمية توثيق هذا التراث.
خاتمة: الفنون التشكيلية الشعبية كلمات ناطقة
يختتم الكتاب بالتأكيد على أن الفنون التشكيلية الشعبية ليست مجرد أشياء مادية، بل هي كلمات ناطقة بثقافة الشعب المصرى وتراثا مجيدا كنقش على حجر. وهي تمثل جزءاً لا يتجزأ من بناء المجتمع وثقافته، وتحمل في طياتها تاريخاً طويلاً من التفاعل الإنساني مع البيئة والمعتقدات. كما أن دراستها من منظور أنثروبولوجي لا تساهم فقط في تفسير الماضي، بل تساعد في فهم الحاضر وصون الهوية المصرية للأجيال القادمة، محققة بذلك أحد أهم أهداف الكتاب وهو المحافظة على التراث الفنى للفنون التشكيلية الشعبية المصرية.
اقتباسات من الكتاب
"التفاقات، مهما كانت بسيطة أو معقدة، تحتوى على منتج إنساني على درجة عالية من الكفاءة بالقياس إلى النتاجات الأخرى، هذا الناتج يسمى الفن وهذا يؤكد أن فى كل ثقافة بواقع جمالية خاصة بها يمكن أن نطلق عليها مصطلح الفن"
"الفن يلعب دورا هاما وكبيرا فى تحسين عادات البشر وهو أحد الأدوات التى تكسب الإنسان بصيرة فى رؤيته وفى تعامله الذى حوله فهو أداة لتحرير العقل وتغيير النظرة الساذجة إلى نظرة أكثر عقلا وتأملا"
"إن وجود الفن هو واقعة إيجابية لها أهميتها فى صميم الحياة الاجتماعية والدليل أن المجتمع نفسه فى كل زمان ومكان يعتبر الفن وظيفة اجتماعية"
بطاقة معلومات عن الكتاب
- اسم الكتاب: الأنثروبولوجيا والفنون التشكيلية الشعبية
- اسم المؤلف: كبير قريطه (حسب ما ورد في الصفحات الأولى)
- الموضوع: دراسة أنثروبولوجية ميدانية للفنون التشكيلية الشعبية في مصر القديمة والمعاصرة
- مجتمع الدراسة: منطقة زنقة الستات بالإسكندرية وحارة اليهود بخان الخليلي بالقاهرة
- أهم المحاور: الفن والحضارة المصرية القديمة – الدلالات والرمزية – الحُلي والصاغة – الأحجار الكريمة – الأزياء الشعبية – الإبداع الفني
أسئلة شائعة
ما هي أهم المناطق التي اعتمدت عليها الدراسة الميدانية في الكتاب؟
اعتمد الكتاب على بعدين مكانيين رئيسيين: منطقة منطقة زنقة الستات بميدان المنشية بالإسكندرية، وحارة اليهود بخان الخليلى بالقاهرة.
كيف يفسر الكتاب استمرار استخدام الخرز الأزرق كتميمة في الثقافة الشعبية المصرية؟
يذكر الكتاب أن الخرز الأزرق استخدم منذ مصر القديمة كتمائم للحماية، وأن هذا الاعتقاد مستمر حتى الآن. ويوضح أن الخرز الأزرق شائع فى مصر كتمام للأطفال، والخيل، والسيارات أيضا لجلب الرزق والخير والحماية من الحسد.
ما الفرق بين الحرفي والفنان من منظور الكتاب؟
يطرح الكتاب تمييزاً واضحاً حيث يرى أن الحرفى أو الصانع هو الشخص المتمكن فى صنعته أو حرفته ماهر وصادق ولا يطلق عليه لفظ فنان إلا فيما يبدع وأن يكون خالقا فى صفته، لكنه لا يصبح فناناً إلا عندما يبدع ويبتكر ويخرج عن المألوف في حرفته. أما التاجر فهو من يتاجر في المنتجات الفنية دون أن يكون له دور في عملية الإبداع أو الابتكار.
ما هي أبرز الرموز التي تناولها الكتاب بالتحليل في مجال الحلي والمشغولات الشعبية؟
ركز الكتاب على تحليل رموز رئيسية منها العين المرتبطة بالحسد وقوى الشر، و رمـز الهلال الذي ظهر في الحضارات القديمة واستمر في الفن الإسلامي، و الجعران الذى كان يرمز إلى معنى بعث الموتى، بالإضافة إلى "الكف" أو "الخمسة وخميسة" كرموز لدفع الأذى.
