كتاب التغير الاجتماعي – الجدل الماركسي والبنائية الوظيفية

ملخص كتاب التغير الاجتماعي: من الجدل الماركسي إلى البنائية الوظيفية

​مقدمة: كيف تتغير المجتمعات؟ وهل تسير وفق قوانين حتمية أم عمليات تدريجية؟

​كيف تنتقل المجتمعات من شكل إلى آخر؟ ولماذا تنهار أنظمة اجتماعية كاملة وتقوم على أنقاضها أنظمة جديدة؟ هذه التساؤلات الكبرى هي جوهر كتاب "التغير الاجتماعي" الذي ألفه نخبة من أساتذة علم الاجتماع (الدكتور علي شكري والدكتور علي لطفي) وصدر عن دار المغرب الجامعية سنة 2000. يقدم الكتاب مسحًا نظريًا شاملاً لأهم المقاربات التي فسرت التغير الاجتماعي، بدءًا من المادية التاريخية عند كارل ماركس، مرورًا بالمدرسة الانتشارية، وصولاً إلى البنائية الوظيفية عند تالكوت بارسونز الذي أعاد إحياء التطورية الاجتماعية بمصطلحات حديثة. في هذا المقال ننقل لكم ما جاء في الكتاب دون نقد أو تحليل، مركزين على المفاهيم الجوهرية والاقتباسات التي تعكس روح النص.

غلاف كتاب التغير الاجتماعي
غلاف كتاب التغير الاجتماعي.

​أولاً: الجدل الماركسي كإطار لتحليل التغير الاجتماعي

​يفرق الكتاب بين جدل هيجل المنطقي وجدل ماركس الذي أصبح "حركة تاريخية تعكس تفاعلًا عينيًا واقعيًا". فماركس، حسب نص الكتاب، "يقدم لنا الجدل من حركته الحقيقية العينية". ومن هذا المنطلق، يُفهم التغير الاجتماعي في الماركسية بوصفه عملية حتمية تنتقل بالمجتمع عبر مراحل محددة.

​يشرح المؤلفون أن التغير عند ماركس "تغير دائري حلزوني (Spiral)"، تبدأ حلقته من الشيوعية البدائية الأولى وتنتهي إلى الشيوعية المنظمة، حيث "ينتفي التناقض والاغتراب والصراع، ويعود الإنسان للانعقاد مع الطبيعة من جديد". وهذا التغير ليس اعتباطيًا، بل تحكمه حتمية تاريخية تجعل "كل نسق ينهار ليصبح الأساس الحتمي الذي يهب الميلاد للنسق الجديد".

​ثانيًا: الحتمية وأولوية الاقتصاد على الثقافة

​يؤكد الكتاب أن الماركسية تميز بين نمطين من الحتمية:

  1. الحتمية التطورية (الجدلية): حيث عناصر النسق السابق تحتوي في طياتها بذور النسق اللاحق.
  2. الحتمية المورفولوجية: التي تنظم العلاقة بين مكونات البناء الاجتماعي.

​يقرر الكتاب أن "تأكيد كارل ماركس على الأساس المادي للمجتمع قلبًا للتأكيد الهيجلي على الأساس العقلي للوجود". ويعرض مقولة فيورباخ التي:

​"تؤكد أن الطبيعة هي الحقيقة الأولية بينما الفكر هو الحقيقة الثانوية، وأن العلاقة الصحيحة بين الفكر والوجود هي أن الوجود موضوع والفكر محمول".


​ويشرح المؤلفون أن الماركسية ترى أن "الاقتصاد أو بالتحديد وسائل الإنتاج هي التي تشكل الأساس الحقيقي الذي يستند إليه البناء الفوقي والسياسي والتشريعي، ثم أشكال الوعي الاجتماعي المرتبطة به". بعبارة أخرى، "ليس وعي البشر هو الذي يحدد وجودهم، ولكن على العكس من ذلك فإن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم". غير أن الكتاب لا يغفل الإشارة إلى أن إنجلز نفسه اعترف لاحقًا بأن ماركس وإياه "قد أطرقوا في التأكيد على الجانب الاقتصادي في مواجهة إهماله من قبل مناوئيهم"، تاركين الباب مفتوحًا لاستقلال نسبي للبناء الفوقي (الثقافة، القانون، الدين)، وهو ما بلوره ألتوسير لاحقًا بمبدأي: الاستقلال النسبي للبناءات الفوقية، والتأثير الحتمي في النهاية لأسلوب الإنتاج الاقتصادي.

​ثالثًا: الصراع الطبقي والاغتراب وآليات انهيار الرأسمالية

​يكشف الكتاب عن أن الماركسية لا ترى المجتمع كيانًا متجانسًا، بل ساحة صراع طبقي مستمر: "فتاريخ كل مجتمع ليس سوى تاريخ النضال بين الطبقات، فالحر والعبد، والنبيل والعامي، والسيد الإقطاعي والقن، والمعلم والصبي، وباختصار المضطهدون والمضطهدين". ويركز التحليل على آليتين تؤديان حتمًا إلى تقويض النظام الرأسمالي:

  1. عملية استخلاص فائض القيمة: حيث "القيمة التي يدفعها الرأسمالي جزء من القيمة الفعلية لقوة العمل المستخدمة، على حين أن الجزء الآخر من هذه القوة يعود على الرأسمالي دون أن يدفع شيئًا". فقوة العمل هي "السلعة الوحيدة التي إلى جانب أن لها قيمة انتفاعية فهي أيضًا مصدر لقيمة أكثر"، مما يجعل الاستغلال جوهر العلاقة الإنتاجية.
  2. تناقض الربح والعائد: الذي يخلق "ميلاً بنائيًا موروثًا نحو تناقص الربح"، بسبب ما يسميه ماركس "قانون الميل التناقص لمعدل الربح"، والمتصل بتغير التركيب العضوي لرأس المال.

​أما الاغتراب، فيمتد في رأي المؤلفين ليشمل الطبقتين: العامل الذي "لا يؤكد ماهيته بل يناقضها، وبدلاً من أن ينمي طاقات جسمية وذهنية حرة، يكتب جسمه ويدمر ذهنه"، والبرجوازي الذي "يعاني من اغتراب آخر" حين يصبح علم الصناعة بالنسبة له "علم التقشف، الذي يعني إنكار الذات وإنكار الحياة وإنكار كل الحاجات البشرية".

​رابعًا: كفاءة الاتجاهين التطوري والانتشاري في تفسير التغير

​ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى تقييم المقاربات التطورية والانتشارية. يعرض فكرة مالينوفسكي أن "التطورية والانتشارية ليستا متناقضتين، وإنما تدخلان إلى الثقافة من زوايا مختلفة". تتميز الانتشارية، حسب النص، بـ"امتلاكها لدرجة من الواقعية، والحس التاريخي، ثم معرفة أكثر بالمؤثرات البيئية والجغرافية". غير أنها تعالج الثقافة "على أنها كائن عضوي ميت، ليس بين أجزائه أي تساعد بنائي أو تفاعل وظيفي"، فتتحول السمات إلى مجرد "سمات مستعارة" تنتقل من ثقافة لأخرى دون رابط عضوي.

​خامسًا: البنائية الوظيفية وتصورها للتغير (سبنسر، دوركايم، بارسونز)

​أفرزت البنائية الوظيفية، وفقًا للكتاب، على يد هربرت سبنسر وإميل دوركايم "تصورًا عددًا للتغير الاجتماعي استند إلى مبادىء التباين – التكامل الاجتماعي". فقد تصور سبنسر انتقال المجتمع "من حالة التجانس إلى حالة اللا تجانس"، بينما ركز دوركايم على التغير من التضامن الآلي إلى التضامن العضوي. لكن الكتاب يخصص حيزًا واسعًا لمشروع تالكوت بارسونز الذي حاول بناء نظرية شاملة للتغير الاجتماعي.

​يؤكد بارسونز، حسب النص، أن النظريات السابقة "إنما أسندت إثارة التغير لعامل بعينه"، سواء كان اقتصاديًا أو جغرافيًا أو ابتكاريًا، وهو ما يراه منهجياً خاطئاً. وعوضًا عن ذلك، يقرر بارسونز "مبدأ منهجيًا يؤكد على إمكانية تساند جمع من المتغيرات التي تحدث التغير الاجتماعي، ومن ثم ضرورة الاعتقاد في جمع من المصادر الممكنة لإثارة التغير". ويعتبر الكتاب أن بارسونز بدأ في 1960 "نقلة جديدة تجاه بناء نظرية شاملة عن التغير الاجتماعي" مستندًا إلى فكرة العموميات التطورية.

​سادسًا: نماذج التغير عند بارسونز (التمايز، الثوري، الذاتي)

​يفصل الكتاب ثلاثة نماذج بارسونزية للتغير:

  1. التغير بالتباين (التمايز): وهو تغير تدريجي تنبثق فيه وحدات جديدة داخل النسق لتشبع حاجات مستحدثة. ويتطلب هذا النموذج أربع مراحل: ظهور القوة الدافعة، تصريف التوتر، توفير الدعم للوحدة الجديدة عبر تغيير القواعد، وأخيرًا إضفاء الشرعية عليها بحيث تتحرر من متعلقات النظام القديم. ويؤكد النص أن "نسق القيم يظل ثابتًا خلال عمليات التفاعل هذه"، موجهاً التغيرات دون أن يطال هو نفسه.
  2. نموذج التغير الثوري بفعل الصفوة المهمة: يحدد بارسونز شروطًا لنجاح الحركة الثورية، منها: وجود حافزية مترتبة ومنظمة في ثقافة فرعية، ثم "ضرورة إمتلاك الجماعة الثورية لأيديولوجية س.ه. وعدًا بإشباع احتياجات الجماهير". ويرى بارسونز أن مصدر الأيديولوجية المنحرفة غالبًا ما يكون من داخل النسق القيمي نفسه، الذي "يحتوي بداخله على توترات وعدم اتساقات حادة". وفي مراحل لاحقة، تتبدد نقاوة الحركة وتتحول إلى جزء من النظام الجديد، إذ "إن الحركة الثورية لا يمكن أن تتمتع بكمكة الامتيازات الحافزية للقدرة على الثورة والتمرد".
  3. نموذج التغير الذاتي: الذي استند إلى مبادىء التباين – التكامل، وهو النموذج الذي استخدمه بارسونز لاحقًا لتفسير انتقال المجتمعات عبر مراحل تطورية.

​سابعًا: العموميات التطورية والمجتمع الحديث

​في القسم الأخير من الكتاب، تُعرض نظرية بارسونز عن التطور الاجتماعي عبر أربع مراحل رئيسية: المجتمع البدائي، المجتمع الوسيط، ثم المجتمع الحديث الذي يستند إلى أربع عموميات تطورية:

  1. التنظيم البيروقراطي: كإطار موضوعي لتحقيق الأهداف، وفق نموذج فيبر القانوني–الرشيد.
  2. مركب المال والسوق: كأساس لتعبئة الموارد، والذي "يتفوق على منافسيه لكونه يتغلب على ثلاث معضلات: الخضوع للقوة، والولاء للجماعة، والخوف على أمان العائلة".
  3. المعايير العامة والشاملة: كإطار حديث للضبط، وهي "نسق متكامل من المعايير الشاملة التي تلائم المجتمع ككل وليس بعض قطاعاته".
  4. الجماعة الديموقراطية: استنادًا إلى الاقتراع الحر، باعتبارها الصيغة السياسية الأكثر تكيفًا مع متطلبات المجتمع الحديث.

​يختتم الكتاب بالإشارة إلى أن ظهور هذه العموميات لا يعني نهاية التغير، بل يولد توترات جديدة تدفع بدورها نحو مزيد من التمايز والتكامل، في حركة "توازن دينامي" هي الوجه الآخر للتغير التدريجي.

​بطاقة معلومات

  • عنوان الكتاب: التغير الاجتماعي
  • المؤلفان: الدكتور محمد الجوهري و الدكتور علي ليلة والدكتورة علياء شكري 
  • الناشر: دار المغرب الجامعية
  • سنة النشر: 2000
  • الرابط بالفرنسية: Le Changement Social

​أسئلة شائعة (FAQ)

1. ما هو مفهوم الحتمية الاقتصادية عند ماركس كما يشرحه الكتاب؟

الحتمية الاقتصادية تعني أن الأساس المادي (وسائل الإنتاج والعلاقات الاقتصادية) هو الذي يحدد طبيعة البناء الفوقي (السياسة، القانون، الوعي). فالتغيرات في القاعدة الاقتصادية تسبق وتقود التغيرات في باقي أجزاء المجتمع، مع الاعتراف باستقلال نسبي للثقافة في بعض السياقات.

2. كيف يميز بارسونز بين التغير التدريجي والتغير الثوري؟

يرى بارسونز أن التغير التدريجي هو النمط الغالب الذي يسير عبر التمايز والتكامل، بينما التغير الثوري يحدث عندما تتعذر آليات التكيف ويظهر "بناء حافزي" مضاد في ثقافة فرعية منظمة، سرعان ما يفقد نقاوته الثورية إذا ما استوعبه النسق الجديد.

3. ما المقصود بـ "العموميات التطورية" في نظرية بارسونز؟

العموميات التطورية هي ملامح بنائية تظهر في المجتمعات الأكثر تقدمًا، وتمثل حلولاً ضرورية لمشكلات التكيف، مثل البيروقراطية، نظام السوق، القانون الشامل، والديمقراطية. ظهورها يوفر قدرة تكيفية أعلى.

4. كيف عالج الكتاب العلاقة بين التطورية والانتشارية؟

الكتاب ينقل عن مالينوفسكي أن المدرستين ليستا متناقضتين بل مختلفتا الزوايا: التطورية تبحث في أصل السمة عبر التاريخ، والانتشارية تركز على انتشارها في الجغرافيا، لكنها عولجت ككيانات ميتة تنتقل دون رابط عضوي، مما أضعف قدرتها التفسيرية.

رابط تحميل الكتاب: 

تحميل كتاب التغير الاجتماعي PDF 

المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق