📁 آخر الأخبار

سؤال المنهج في المعرفة السوسيولوجية: من البراديغم الوضعي إلى البراديغم التأويلي.

سؤال المنهج في المعرفة السوسيولوجية: قراءة إبستمولوجية معمقة في الصراع بين البراديغم الوضعي والبراديغم التأويلي

دراسة أكاديمية شاملة تحلل "سؤال المنهج" في علم الاجتماع. تستعرض الانتقال من الهيمنة الوضعية (دوركهايم) التي تعامل الظواهر الاجتماعية كأشياء، إلى الثورة التأويلية (فيبر) التي تركز على الفهم والمعنى. تحليل معمق للجذور الفلسفية، المرتكزات المنهجية، والجدل المستمر بين التفسير والفهم.


سؤال المنهج في المعرفة السوسيولوجية فكرة "الصراع بين منهجين" أو "الرؤية المزدوجة للمجتمع".

​مقدمة: الإشكال الأزلي للمعرفة السوسيولوجية

​منذ لحظة ميلاده في القرن التاسع عشر، لم يكف علم الاجتماع عن طرح السؤال الأكثر إلحاحاً وإرباكاً: كيف ندرس المجتمع؟ هذا السؤال، الذي يبدو للوهلة الأولى إجرائياً، هو في جوهره سؤال إبستمولوجي (معرفي) عميق يلامس طبيعة الوجود الاجتماعي نفسه. على عكس العلوم الطبيعية التي تتعامل مع مادة صامتة وخاضعة لقوانين ثابتة، يجد عالم الاجتماع نفسه أمام "موضوع" للدراسة هو في نفس الوقت "ذات" واعية، تمتلك إرادة، وتنتج معانٍ، وتتحرك داخل سياق تاريخي وثقافي معقد ومتغير.

​إن هذه الخصوصية للظاهرة الاجتماعية جعلت من "سؤال المنهج" العصب الحساس في الجسد السوسيولوجي. لم يكن مجرد اختيار بين أدوات بحثية، بل كان صراعاً حول "هوية" هذا العلم الناشئ. هل يجب أن يكون "فيزياء اجتماعية" تقتفي أثر العلوم الحقة في صرامتها وموضوعيتها؟ أم يجب أن يؤسس لمنهجية خاصة تليق بخصوصية الإنسان ككائن صانع للمعنى؟

​هذه الدراسة التحليلية تغوص في عمق هذا الصراع التاريخي والمستمر، متتبعة المسار المتعرج للمعرفة السوسيولوجية من هيمنة البراديغم الوضعي (Positivist Paradigm)، الذي سعى لـ "ترييض" الظاهرة الاجتماعية، إلى صعود البراديغم التأويلي/الفهمي (Interpretive Paradigm)، الذي أعاد الاعتبار للذاتية والمعنى. سنقوم بتفكيك المرتكزات الفلسفية والمنهجية لكل نموذج، وصولاً إلى فهم أعمق لجدلية "التفسير" و"الفهم" التي لا تزال تحكم الخطاب السوسيولوجي المعاصر.

​المحور الأول: الجذور الإبستمولوجية للأزمة.. "عقدة العلمية"

​لفهم حدة الصراع المنهجي، يجب العودة إلى السياق التاريخي لنشأة علم الاجتماع. ولد هذا العلم في عصر "انتصار العلم"، حيث كانت الفيزياء والبيولوجيا تحققان نجاحات باهرة في تفسير الكون والسيطرة على الطبيعة. كانت "العلمية" هي معيار الحقيقة الوحيد، وكان النموذج النيوتني (نسبة لنيوتن) هو النموذج الأمثل لكل معرفة تطمح للجدية.

​في هذا المناخ، شعر الرواد الأوائل لعلم الاجتماع (خاصة أوغست كونت) بـ "دونية" معرفية. كان هاجسهم الأكبر هو إثبات أن دراسة المجتمع يمكن أن تكون "علماً" بالمعنى الدقيق للكلمة، لا تقل صرامة عن دراسة الكواكب أو الخلايا. هذا الهاجس، الذي يمكن تسميته بـ "عقدة العلمية"، دفعهم لتبني مناهج العلوم الطبيعية كطريق وحيد للخلاص المعرفي.

​لقد تم تأسيس السوسيولوجيا على افتراض وجود "وحدة في المنهج العلمي"؛ فالعقل البشري واحد، والحقيقة واحدة، وبالتالي يجب أن يكون الطريق إليها واحداً، سواء كنا ندرس حركة الذرات أو حركة الجماهير. هذا الافتراض هو حجر الزاوية الذي قام عليه البراديغم الوضعي، وهو أيضاً النقطة التي ستوجه إليها سهام النقد التأويلي لاحقاً.

​المحور الثاني: البراديغم الوضعي.. هندسة "الفيزياء الاجتماعية"

​يمثل البراديغم الوضعي المحاولة الأولى والأكثر راديكالية لتأسيس علم اجتماع "علمي". يستند هذا النموذج إلى فلسفة وضعية (Empiricism) ترى أن المعرفة الحقيقية هي فقط تلك القائمة على الملاحظة الحسية والتجربة، رافضة أي تأملات ميتافيزيقية أو لاهوتية حول المجتمع.

​1. المرتكزات الفلسفية: من كونت إلى دوركهايم

  • أوغست كونت (Auguste Comte): الأب الروحي لهذا الاتجاه، هو من صك مصطلح "سوسيولوجيا" ولكنه فضل في البداية اسم "الفيزياء الاجتماعية". هذا الاختيار اللفظي لم يكن بريئاً؛ فقد أراد كونت أن يدرس المجتمع بنفس الطريقة التي يدرس بها الفيزيائي المادة، باحثاً عن "قوانين" اجتماعية ثابتة تحكم النظام والتقدم (الاستاتيكا والديناميكا الاجتماعية) تماماً كقوانين الجاذبية.
  • إميل دوركهايم (Émile Durkheim): هو الذي نقل المشروع الوضعي من الطموح الفلسفي إلى الممارسة المنهجية الصارمة. في كتابه التأسيسي "قواعد المنهج في علم الاجتماع"، وضع دوركهايم القاعدة الذهبية للوضعية: "يجب دراسة الظواهر الاجتماعية على أنها أشياء". هذه "الشيئية" (Reification) هي قلب الإبستمولوجيا الوضعية.

​2. المبادئ المنهجية الكبرى للوضعية

​لقد ترتب على اعتبار الظاهرة الاجتماعية "شيئاً" مجموعة من الالتزامات المنهجية الصارمة:

  • الموضوعية المطلقة (Objectivity): يجب على الباحث أن يفصل نفسه تماماً عن موضوع دراسته. يجب أن يتخلص من كل أفكاره المسبقة، عواطفه، وقيمه (الحياد القيمي)، وأن يتعامل مع الظواهر الاجتماعية "من الخارج" كوقائع مستقلة عن وعي الأفراد الذين ينتجونها.
  • الخارجية والقهر (Exteriority and Constraint): يرى دوركهايم أن الظواهر الاجتماعية (مثل اللغة، الدين، القانون، الأعراف) ليست نتاجاً لإرادة الأفراد، بل هي "حقائق خارجية" سابقة على وجودهم وتمارس عليهم قهراً وإلزاماً. الفرد لا يختار لغته أو دينه بحرية مطلقة، بل يجدها جاهزة ويخضع لها.
  • التفسير السببي (Causal Explanation): هدف العلم هو البحث عن الأسباب. في السوسيولوجيا الوضعية، يجب تفسير الظاهرة الاجتماعية بظاهرة اجتماعية أخرى سابقة عليها (وليس بحالات نفسية فردية). مثلاً، يفسر دوركهايم ارتفاع معدلات الانتحار (ظاهرة اجتماعية) بضعف التماسك الاجتماعي (ظاهرة اجتماعية أخرى)، وليس بيأس الأفراد (حالة نفسية).
  • التكميم والقياس (Quantification): بما أن الظواهر "أشياء"، فهي قابلة للعد والقياس. أصبحت الإحصاءات، المسوحات الاجتماعية، والبيانات الرقمية هي اللغة المفضلة للباحث الوضعي، لأنها توفر "الدليل الصلب" وتسمح بالتعميم والتنبؤ.

​3. نقد المشروع الوضعي: اغتيال المعنى

​رغم النجاحات التي حققها البراديغم الوضعي في مأسسة علم الاجتماع، إلا أنه واجه نقداً لاذعاً. لقد اتُهم بأنه، في سعيه المحموم نحو الموضوعية، قام بـ "تفريغ" الظاهرة الاجتماعية من محتواها الإنساني. لقد اختزل الإنسان الفاعل، المريد، والخلاق للمعنى، إلى مجرد "مستجيب" سلبي لقوى اجتماعية قاهرة. لقد نجحت الوضعية في تفسير "هيكل" المجتمع، لكنها فشلت في فهم "روحه".

​المحور الثالث: البراديغم التأويلي.. ثورة "المعنى" واستعادة الذات

​كرد فعل مباشر وعنيف على "طغيان" النموذج الوضعي المستلهم من العلوم الطبيعية، ظهر في ألمانيا تيار فكري قوي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، سعى لتأسيس منهجية خاصة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، تنبع من طبيعتها المغايرة.

​1. الجذور الألمانية: التمييز بين الطبيعة والروح

​قاد فلاسفة مثل فلهلم دلتاي (Wilhelm Dilthey) وهنريش ريكرت ثورة إبستمولوجية. لقد رفضوا "وحدة المنهج العلمي"، وأسسوا لتمييز جوهري بين نوعين من العلوم:

  • علوم الطبيعة (Naturwissenschaften): موضوعها المادة الصامتة، وهدفها التفسير (Erklären)، أي البحث عن علاقات سببية خارجية وقوانين عامة.
  • علوم الروح/الثقافة (Geisteswissenschaften): موضوعها الإنسان ومنتجاته (التاريخ، الفن، المجتمع)، وهدفها الفهم (Verstehen)، أي النفاذ إلى المعنى الداخلي والمقاصد التي تقف وراء الفعل الإنساني.

​لقد جادلوا بأننا لا يمكننا دراسة الفعل الإنساني (مثل الثورة، أو الطقوس الدينية) كما ندرس سقوط حجر. الحجر يسقط بقانون الجاذبية ولا "يقصد" السقوط، بينما الإنسان يفعل السلوك وله "معنى" و"هدف" في ذهنه.

​2. ماكس فيبر: تأسيس السوسيولوجيا الفهمية

​إذا كان دلتاي قد وضع الأساس الفلسفي، فإن ماكس فيبر (Max Weber) هو الذي قام بـ "سوسيولوجية" هذا المنهج التأويلي. رفض فيبر أن يترك علم الاجتماع فريسة للوضعية العمياء، وعرّفه تعريفاً جديداً ثورياً:

"علم الاجتماع هو العلم الذي يحاول فهم الفعل الاجتماعي عبر تأويله، ومن ثم تفسيره سببياً في مجراه ونتائجه".

​في هذا التعريف، يقلب فيبر الطاولة على دوركهايم. نقطة البداية ليست "البنية الاجتماعية القاهرة"، بل هي "الفعل الاجتماعي" (Social Action) الذي يقوم به الفرد، والذي يضفي عليه الفاعل معنى ذاتياً.

​3. المرتكزات المنهجية للبراديغم التأويلي

  • مركزية المعنى والذاتية (Subjectivity and Meaning): لا يمكن فهم أي ظاهرة اجتماعية دون فهم المعنى الذي يخلعه الفاعلون عليها. الباحث هنا لا ينظر "من الخارج"، بل يحاول أن يضع نفسه "مكان الفاعل" ليفهم دوافعه ومقاصده من الداخل (التعاطف المنهجي).
  • الفهم (Verstehen) كأداة منهجية: الفهم ليس مجرد حدس أو شعور، بل هو عملية عقلية منضبطة تهدف إلى إعادة بناء السياق الذهني والثقافي الذي جعل الفعل منطقياً بالنسبة للفاعل. إنه محاولة للإجابة على سؤال "لماذا؟" من وجهة نظر الفاعل نفسه.
  • النموذج المثالي (Ideal Type): إدراكاً منه لصعوبة الإحاطة بالواقع الاجتماعي في كل تعقيده، ابتكر فيبر أداة "النموذج المثالي". وهو بناء عقلي مجرد (غير موجود في الواقع بنقائه) يبرز سمات معينة لظاهرة ما (مثل "البيروقراطية" أو "الرأسمالية") ليستخدمها كمسطرة قياس لفهم الواقع العيني ومقارنته.
  • الخصوصية والسياق (Contextuality): يميل البراديغم التأويلي إلى التركيز على الفريد والخاص، بدلاً من البحث عن قوانين كونية عامة. إن فهم ظاهرة ما يتطلب وضعها في سياقها التاريخي والثقافي المحدد، لأن المعاني تتغير بتغير السياقات.
  • المنهجيات الكيفية (Qualitative Methods): انسجاماً مع التركيز على المعنى، يفضل هذا البراديغم أدوات بحثية قادرة على الغوص في الأعماق، مثل المقابلات المعمقة، الملاحظة بالمشاركة، تحليل الخطاب، وتحليل الوثائق الشخصية. الأرقام هنا ليست الهدف، بل الكلمات والرموز والسرديات هي التي تحمل الحقيقة.

​4. حدود التأويل: خطر الذاتية المفرطة

​كما هو الحال مع الوضعية، واجه البراديغم التأويلي انتقادات. الخطر الأكبر هنا هو السقوط في "الذاتية المفرطة"، حيث يصبح التفسير مجرد انطباع شخصي للباحث يصعب التحقق منه علمياً. كما يُتهم أحياناً بإهمال البنى الاجتماعية الكبرى وعلاقات القوة المادية التي تقيد حرية الفاعل، من خلال التركيز المفرط على وعيه ومقاصده.

​المحور الرابع: جدلية التفسير والفهم.. مقارنة نسقية

​لتوضيح الفروقات الجوهرية بين البراديغمين، اللذين شكلا تاريخ علم الاجتماع، نوجز التباينات في هذا الجدول التحليلي المقارن:

مقارنة البراديغمات السوسيولوجية

وجه المقارنة البراديغم الوضعي (دوركهايم نموذجاً) البراديغم التأويلي/الفهمي (فيبر نموذجاً)
طبيعة الواقع الاجتماعي واقع موضوعي، خارجي، يمارس قهراً على الأفراد (شيئية). واقع مبني اجتماعياً، نتاج تفاعل الأفراد والمعاني التي يضفونها عليه (ذاتية).
وحدة التحليل الأساسية البنية الاجتماعية، الظاهرة الكلية (المجتمع سابق على الفرد). الفعل الاجتماعي للفرد (الفرد هو صانع المجتمع).
هدف البحث السوسيولوجي التفسير (Explanation): البحث عن القوانين السببية العامة التي تحكم الظواهر. الفهم (Understanding): النفاذ إلى المعنى الداخلي والمقاصد وراء الفعل.
موقف الباحث ملاحظ خارجي محايد (موضوعية مطلقة). مشارك متعاطف يحاول فهم الداخل (ذاتية منضبطة).
النموذج العلمي المحتذى العلوم الطبيعية (الفيزياء، البيولوجيا). العلوم الإنسانية والتاريخية (علوم الروح).
الأدوات المنهجية المفضلة المناهج الكمية (إحصاء، مسح، تجريب). المناهج الكيفية (تحليل نصوص، مقابلات، ملاحظة).
المفهوم المركزي الحتمية الاجتماعية، القانون، الوظيفة. المعنى، القصد، القيمة، التأويل.
 

خاتمة: نحو تعددية براديغماتية.. هل انتهى الصراع؟

​إن استعراض تاريخ "سؤال المنهج" في علم الاجتماع يكشف لنا أن هذا العلم لم يولد مكتملاً، بل ولد في أتون صراع معرفي مرير حول هويته. لقد كان الانتقال من الهيمنة المطلقة للبراديغم الوضعي، الذي حاول "تأميم" الإنسان لصالح قوانين الطبيعة، إلى صعود البراديغم التأويلي، الذي أعاد "أنسنة" العلم الاجتماعي، لحظة فارقة في تاريخ الفكر الإنساني.

​لكن، هل انتهى هذا الصراع؟ الواقع السوسيولوجي المعاصر يؤكد أن الجدل لم يُحسم، ولن يُحسم. إن علم الاجتماع، بطبيعته، علم "متعدد البراديغمات" (Multi-paradigmatic). لا يمكن لنموذج واحد أن يدعي احتكار الحقيقة الاجتماعية المعقدة والمتغيرة.

​إن الدرس البليغ الذي تقدمه لنا هذه الرحلة الإبستمولوجية هو أن السوسيولوجيا الحقة ليست تلك التي تختار بين "التفسير" و"الفهم"، بل هي تلك التي تسعى لجدل خلاق بينهما. نحتاج للوضعية لنرصد البنى التحتية والانتظامات الإحصائية التي تؤطر حياتنا، ونحتاج للتأويلية لنفهم كيف يعيش الناس هذه البنى، وكيف يمنحونها معنى، وكيف يقاومونها أحياناً.

​إن سؤال المنهج، في النهاية، ليس سؤالاً تقنياً حول أدوات البحث، بل هو سؤال وجودي حول كيف نرى الإنسان وموقعه في العالم. وسيظل هذا السؤال هو المحرك الأول لكل إبداع نظري ومنهجي في حقل المعرفة السوسيولوجية.

المراجع والمصادر الأساسية:

  • ​تستند هذه المقالة التحليلية بشكل أساسي إلى نص المحاضرة المقدمة تحت عنوان: "سؤال المنهج في المعرفة السوسيولوجية من البراديغم الوضعي إلى البراديغم التأويلي"، للدكتور عبد الحكيم أحمن.
  • ​تم الرجوع إلى الأصول النظرية للأفكار المطروحة في أعمال إميل دوركهايم (خاصة "قواعد المنهج في علم الاجتماع") وأعمال ماكس فيبر (خاصة "الاقتصاد والمجتمع" والمقالات المنهجية) لتعميق التحليل بما يتوافق مع الطرح الوارد في المحاضرة.

الأسئلة الشائعة (FAQ) حول منهجية المعرفة السوسيولوجية

س1: لماذا يعتبر "سؤال المنهج" في علم الاجتماع أكثر تعقيداً منه في العلوم الطبيعية؟

ج: لأن موضوع علم الاجتماع هو "الإنسان" بصفته كائناً واعياً وصانعاً للمعنى، وليس مادة صامتة. هذا يطرح تحدياً مزدوجاً: فالباحث السوسيولوجي هو جزء من المجتمع الذي يدرسه، والمبحوثون يمتلكون "وعياً" بأفعالهم لا يمكن تجاهله، مما يجعل تطبيق مناهج العلوم الطبيعية الصارمة أمراً إشكالياً وغير كافٍ.

س2: ما هو الجوهر الفلسفي للبراديغم الوضعي في السوسيولوجيا؟

ج: جوهره هو اعتبار الظواهر الاجتماعية "أشياء" (Reification)، تماماً كالظواهر الطبيعية. هذا يعني أنها وقائع خارجية وموضوعية تمارس قهراً على الأفراد، ويجب دراستها "من الخارج" بحياد مطلق، بحثاً عن قوانين سببية عامة وتفسيرات إحصائية، مع استبعاد الحالات النفسية أو المعاني الذاتية.

س3: كيف أحدث البراديغم التأويلي "ثورة" على المنهج الوضعي؟

ج: لقد قلب المعادلة المنهجية رأساً على عقب. فبدلاً من الانطلاق من "البنية الاجتماعية" القاهرة، انطلق من "الفعل الاجتماعي" للفرد والمعنى الذي يضفيه عليه. وبدلاً من "التفسير السببي" الخارجي (مثل الفيزياء)، اعتبر أن هدف علم الاجتماع هو "الفهم" (Verstehen) الداخلي لمقاصد الفاعلين ودوافعهم.

س4: ما الفرق الجوهري بين "التفسير" (Explanation) و"الفهم" (Understanding) في السياق السوسيولوجي؟

ج: التفسير (الوضعي) يجيب عن سؤال "كيف حدث هذا؟" من خلال ربط الظاهرة بأسباب خارجية سابقة عليها (مثل ربط الانتحار بضعف التماسك الاجتماعي). أما الفهم (التأويلي) فيجيب عن سؤال "لماذا فعل الفاعل هذا؟" من خلال النفاذ إلى قصده ومعناه الداخلي (مثل فهم المعنى الديني أو السياسي الذي يضفيه الفرد على فعل التضحية بالنفس).

س5: هل يمكن الجمع بين المنهج الوضعي والمنهج التأويلي في دراسة واحدة؟

ج: نعم، بل هذا هو الاتجاه الأغلب في السوسيولوجيا المعاصرة. يعترف كثير من علماء الاجتماع بـ "التعددية البراديغماتية"، حيث يمكن استخدام المناهج الكمية (الوضعية) لرصد حجم ظاهرة ما وانتشارها الهيكلي، واستخدام المناهج الكيفية (التأويلية) لفهم كيف يعيش الأفراد هذه الظاهرة ويفسرونها من الداخل. التكامل بين "التفسير" و"الفهم" يمنح صورة أكثر شمولاً للواقع الاجتماعي.

تعليقات