📁 آخر الأخبار

أزمة الهوية والتوظيف: مستقبل خريجي علم الاجتماع في سوق العمل الجزائري

أزمة الهوية والتوظيف: مستقبل خريجي علم الاجتماع في سوق العمل الجزائري (دراسة تحليلية ميدانية)

إعداد وتحرير: فريق Boukultra للدراسات (استناداً لأطروحة نصر الدين كيرور)

التصنيف: علم الاجتماع الاقتصادي / التنمية والموارد البشرية

وقت القراءة: 25 دقيقة

​الملخص التنفيذي

​تكشف دراسة ميدانية معمقة أجريت في جامعة الجزائر أن خريجي علم الاجتماع يواجهون "بطالة مقنعة" وأزمة هوية مهنية حادة. السبب ليس في "عدم جدوى" العلم، بل في الفجوة الهيكلية بين التكوين الجامعي النظري و واقع سوق العمل الذي لا يعترف بمهنة "السوسيولوجي" إلا كإداري عام. الدراسة تؤكد أن 80% من الخريجين يتم استيعابهم في القطاع العام في وظائف لا تتطلب مهاراتهم التخصصية، مما يهدر طاقة معرفية هائلة كان يمكن أن تساهم في التنمية. الحل يكمن في الانتقال من "سوسيولوجيا الجامعة" إلى "سوسيولوجيا المؤسسة" عبر تخصصات تطبيقية دقيقة.


رسم بياني يوضح نسب بطالة خريجي علم الاجتماع وتوزيعهم في القطاع العام والخاص حسب دراسة ميدانية.
رسم بياني يوضح نسب بطالة خريجي علم الاجتماع وتوزيعهم في القطاع العام والخاص حسب دراسة ميدانية.

​مقدمة: السوسيولوجيا بين الطموح الأكاديمي والواقع المهني

​لطالما نُظر إلى علم الاجتماع في الجزائر ودول العالم الثالث على أنه "علم الأزمات" القادر على تشخيص المشكلات وتوجيه التنمية. لكن، هل تحول هذا العلم بحد ذاته إلى "أزمة" بالنسبة لحامليه؟

​تطرح الأطروحة الأكاديمية الموسومة بـ "علم الاجتماع وسوق العمل: دراسة ميدانية لعينة من خريجي علم الاجتماع" إشكالية جوهرية تتعلق بمدى تطابق مخرجات الجامعة الجزائرية مع متطلبات الجهاز الاقتصادي. الدراسة التي أعدها الباحث نصر الدين كيرور (جامعة الجزائر) تتجاوز السرد النظري لتقدم تشريحاً دقيقاً بالأرقام والتحليل التاريخي لمسار هذا التخصص، من الحقبة الاستعمارية وصولاً إلى اقتصاد السوق.

​هذه المقالة ليست مجرد عرض لنتائج، بل هي تحقيق في مصير آلاف الطلاب، ومحاولة للإجابة عن السؤال المؤرق: ماذا يعمل خريج علم الاجتماع؟

​المحور الأول: السيرورة التاريخية.. كيف وصلنا إلى هنا؟

​لفهم "أزمة التوظيف" اليوم، تعود بنا الدراسة إلى الجذور التاريخية لتشكل "الهوية السوسيولوجية" في الجزائر، مقسمة إياها إلى مراحل حاسمة شكلت نظرة المجتمع والسوق لهذا التخصص.

​1. الإرث الكولونيالي (السوسيولوجيا كأداة هيمنة)

​في البدء، لم يكن علم الاجتماع في الجزائر علماً "للمجتمع"، بل علماً "عليه". استخدم الاستعمار الفرنسي البحث السوسيولوجي كأداة استخباراتية لفهم بنية القبائل والمجتمع الجزائري بغرض تفكيكه والسيطرة عليه. هذا الإرث جعل التخصص في بداياته مرتبطاً بالنظرة "الإثنولوجية" الاستشراقية، وبعيداً كل البعد عن التنمية الاقتصادية.

​2. مرحلة "العلم الثوري" (1965-1980)

​بعد الاستقلال، وتحديداً مع إصلاح التعليم العالي عام 1971، تغيرت وظيفة السوسيولوجيا جذرياً. أصبح علم الاجتماع "علماً ملتزماً" و"ثورياً" يهدف لمواكبة الثورة الزراعية والصناعية. في هذه المرحلة، لم يجد الخريجون صعوبة في التوظيف لأن الدولة كانت في مرحلة "بناء" وتحتاج لكل الكوادر، لكن التوظيف كان "كمياً" و"سياسياً" أكثر منه مهنياً.

​3. مرحلة التهميش والتكنوقراط (الثمانينات وما بعدها)

​مع دخول فترة الثمانينات والتوجه نحو التكنولوجيا والاقتصاد، بدأ النظر إلى العلوم الاجتماعية كعلوم "غير منتجة" أو ثانوية. تقلصت أهمية السوسيولوجي لصالح المهندس والاقتصادي. وهنا بدأت الفجوة الحقيقية: الجامعة تخرج "منظرين"، والسوق يطلب "تقنيين".

​المحور الثاني: معضلة البرامج الدراسية.. هل نُدرّس ما يطلبه السوق؟

​أحد أخطر النتائج التي توصلت إليها الدراسة تكمن في تحليل البرامج البيداغوجية وتطورها. تشير الوثائق إلى تذبذب رهيب في هوية التكوين:

  • من الشهادات إلى الوحدات: انتقل النظام من "الشهادات" (نظام فرنسي قديم) إلى نظام الوحدات السنوية والسداسية، لكن المحتوى ظل غارقاً في النظريات الكلاسيكية (دوركايم، فيبر، ماركس) على حساب المهارات التطبيقية.

  • غياب "الحرفة": المناهج تركز على تخريج "باحثين أكاديميين" أو "مدرسين"، بينما السوق يحتاج إلى "خبراء تشخيص"، "مستشاري موارد بشرية"، أو "مخططي تنمية".
  • الإصلاحات الشكلية: رغم تعدد الإصلاحات (1971، 1984، 1998...)، إلا أن التغيير غالباً ما كان يمس الشكل (عدد السنوات، أسماء المواد) دون الجوهر (ربط المادة بمشكلة واقعية في المؤسسة الاقتصادية).

حقيقة صادمة: تشير الدراسة إلى أن التكوين الميداني (التربصات) غالباً ما يكون شكلياً، مما يجعل الخريج يصطدم بواقع المؤسسة لأول مرة بعد التخرج، فيجد نفسه "غريباً" عن آليات عملها الداخلية.

​المحور الثالث: قراءة في أرقام سوق العمل (تحليل بيانات الوكالة الوطنية للتشغيل)

​استناداً إلى إحصائيات دقيقة (1997-2001) وتحليل بيانات "الوكالة الوطنية للتشغيل" (ANEM)، تكشف الدراسة عن حقائق مثيرة للقلق حول سلوك التوظيف:

​1. عزوف الجامعيين عن وكالات التشغيل

​البيانات تظهر أن الفئات الأكثر طلباً للعمل عبر الوكالات الرسمية هي فئات "بدون مستوى" أو "تعليم أساسي". أما الجامعيون، وخاصة خريجي علم الاجتماع، فهم الأقل إقبالاً (نسبة 3% إلى 7% فقط من الطلبات).

التفسير: يرجع ذلك لغياب الثقة في هذه الوكالات التي توفر غالباً وظائف يدوية أو بسيطة لا تتناسب مع شهاداتهم العليا، مما يدفعهم للبحث عن عمل عبر "العلاقات الشخصية" أو المسابقات الإدارية المباشرة.

​2. بطالة الإناث مقابل الذكور

​تشير الأرقام إلى أن وتيرة إدماج الذكور أسرع نسبياً من الإناث في تخصصات العلوم الاجتماعية، لكن الإناث يمثلن نسبة معتبرة من خريجي هذا التخصص. البطالة عند الإناث تطول فترتها بسبب الشروط الاجتماعية والجغرافية (القرب من السكن)، مما يجعلهن قوة عمل معطلة.

​3. القطاع العام هو "المشغّل الوحيد"

​أكدت الدراسة أن 80% من خريجي علم الاجتماع العاملين تم توظيفهم في القطاع العام (الإدارات الحكومية)، بينما لم يستوعب القطاع الخاص سوى 6.7%.

الخطورة: هذا يعني أن علم الاجتماع في الجزائر هو "وظيفة دولة" وليس "مهنة سوق". القطاع الخاص، الذي يبحث عن الربحية والإنتاجية، لا يرى فائدة ملموسة من توظيف سوسيولوجي، لأنه لا يعرف "ماذا سيقدم له هذا الشخص" لزيادة الأرباح.

​المحور الرابع: أزمة "الهوية المهنية" للسوسيولوجي

​عندما يتم توظيف خريج علم الاجتماع، ماذا يعمل حقاً؟ هنا تكمن المأساة المهنية التي تفصلها الدراسة:

​1. الوظيفة الإدارية العامة (De-professionalization)

​معظم الخريجين يشغلون مناصب "متصرف إداري"، "عون مكتب"، أو "موظف موارد بشرية" بمهام كتابية روتينية. هذه الوظائف لا تتطلب معرفة بنظريات ابن خلدون أو بارسونز، بل تتطلب مهارات إدارية وقانونية وتقنية (إعلام آلي).

النتيجة: يشعر الخريج بـ "الاغتراب المهني"، حيث لا يطبق شيئاً مما درسه، وتصبح شهادته مجرد "تذكرة عبور" للحصول على منصب وراتب، وليست "مؤهلاً لممارسة مهنة".

​2. غياب "الطلب الاجتماعي" على المعرفة السوسيولوجية

​المؤسسات الجزائرية لا تطلب "دراسة سوسيولوجية" لحل مشاكلها (مثل ضعف الإنتاجية، غيابات العمال، الصراعات التنظيمية). هي تلجأ لحلول تقنية أو قانونية. يرجع الباحث ذلك إلى "جهل المسيرين" بما يمكن أن يقدمه علم الاجتماع من حلول عملية لزيادة كفاءة المؤسسة.

​3. الوظائف المؤقتة (Emploi d'attente)

​نسبة كبيرة (72%) من الخريجين مروا بمرحلة "العمل المؤقت" أو عقود ما قبل التشغيل. هذه الوظائف الهشة تخلق حالة من عدم الاستقرار النفسي والمادي، وتؤخر النضج المهني للخريج.

​المحور الخامس: نظريات تفسر الواقع (الإطار النظري للدراسة)

​لتأصيل هذه النتائج علمياً، استندت الدراسة إلى نظريات اقتصادية وسوسيولوجية قوية تفسر هذا الخلل:

  • نظرية رأس المال البشري (Human Capital): تفترض أن التعليم يزيد الإنتاجية وبالتالي الأجر. لكن في حالة خريج علم الاجتماع في الجزائر، التعليم الجامعي لا يترجم دائماً إلى إنتاجية ملموسة داخل المؤسسة الاقتصادية بسبب عدم تطابق المهارات.
  • نظرية صفوف الانتظار (Queue Theory): أصحاب العمل يرتبون المتقدمين في "طوابير" بناءً على تفضيلاتهم. خريجو العلوم التقنية واللغات والاقتصاد يوضعون في مقدمة الطابور، بينما يأتي خريجو العلوم الاجتماعية في المؤخرة، لا لشيء إلا للصورة النمطية السائدة عن تخصصهم.
  • نظرية أسواق العمل المجزأة: سوق العمل ليس واحداً. هناك سوق "أولي" (وظائف جيدة، أمان، رواتب عالية) وسوق "ثانوي" (وظائف هشة، رواتب دنيا). خريجو علم الاجتماع يُدفعون غالباً نحو السوق الثانوي أو الوظائف الإدارية الدنيا في القطاع العام.

​الخاتمة: هل من حل؟ (توصيات ورؤية مستقبلية)

​تخلص الدراسة إلى أن "أزمة علم الاجتماع" في سوق العمل هي أزمة مركبة: أزمة تكوين، أزمة تسيير، وأزمة عقلية مجتمعية.

لكي يستعيد هذا العلم مكانته، ويجد الخريج مكانه، لا بد من:

  1. هندسة التكوين: إعادة النظر جذرياً في البرامج الجامعية. التخلي عن الحشو النظري لصالح "السوسيولوجيا التطبيقية" (سوسيولوجيا المؤسسة، سوسيولوجيا التسويق، سبر الآراء، الإحصاء التطبيقي).
  2. تسويق التخصص: على أقسام علم الاجتماع أن "تبيع" خدماتها للمحيط الاقتصادي. يجب إقناع الشركات بأن السوسيولوجي يمكنه رفع الأرباح من خلال تحسين بيئة العمل وفهم سلوك المستهلك.
  3. الاحترافية (Professionalization): تحويل علم الاجتماع من "ثقافة عامة" إلى "مهنة" لها أدواتها وتقنياتها الدقيقة التي لا يتقنها غير المتخصص.

الأسئلة الشائعة حول مصير خريجي علم الاجتماع في الجزائر

 ​يستعرض هذا القسم الإجابات المباشرة على أكثر الأسئلة إلحاحاً التي يطرحها الطلاب والخريجون، استناداً إلى نتائج الدراسة الميدانية والواقع المهني. ​
س1: ما هي الوظائف الحقيقية المتاحة لخريج علم الاجتماع في الجزائر حالياً؟
واقعياً، وبحسب الإحصائيات، أغلب الوظائف المتاحة هي في القطاع العام (الإدارات الحكومية والبلديات) في مناصب ذات طابع إداري بحت مثل: متصرف إداري، عون مكتب، ملحق إدارة، أو موظف في مصالح الموارد البشرية والشؤون الاجتماعية. هذه الوظائف غالباً لا تتطلب تطبيق المعرفة السوسيولوجية التخصصية، بل تعتمد على المهام الكتابية والقانونية.
س2: لماذا يرفض القطاع الخاص توظيف السوسيولوجيين؟
السبب الرئيسي هو "غياب الجدوى الاقتصادية المباشرة". شركات القطاع الخاص تبحث عن الربح والإنتاجية، ولا ترى بوضوح كيف يمكن لعالم الاجتماع أن يساهم في ذلك. يضاف إلى ذلك تكوين الجامعة النظري الذي لا يزود الخريج بمهارات عملية (مثل تحليل بيانات السوق، قياس الرضا الوظيفي، أو حل النزاعات العمالية) التي تحتاجها الشركات فعلياً.
س3: هل شهادة الماجستير أو الدكتوراه تضمن وظيفة أفضل في هذا التخصص؟
ليس بالضرورة خارج السلك الأكاديمي. الشهادات العليا تؤهل حاملها أساساً للتدريس في الجامعة أو العمل في مراكز البحث العلمي، وهي مناصب محدودة جداً وتخضع لمسابقات وطنية. في سوق العمل العام (خارج الجامعة)، قد تعتبر بعض المؤسسات أن حامل الشهادة العليا "مؤهل أكثر من اللازم" (Overqualified) لوظيفة إدارية بسيطة، مما قد يعيق توظيفه أحياناً.
س4: أنا طالب علم اجتماع حالياً، كيف أحمي نفسي من البطالة بعد التخرج؟
لا تعتمد على الشهادة الجامعية وحدها. يجب عليك بناء "بروفايل مهني" موازٍ عبر:
  1. إتقان اللغات الأجنبية: خاصة الفرنسية والإنجليزية، فهي مفتاح دخول الشركات الكبرى.
  2. التحكم في الإعلام الآلي: برامج الأوفيس (Excel, Word) وبرامج التحليل الإحصائي (مثل SPSS) ضرورية جداً.
  3. التخصص الذاتي: اختر مجالاً تطبيقياً دقيقاً مثل "الموارد البشرية" أو "التسويق" وادعمه بدورات تدريبية معتمدة وتربصات حقيقية، وليس مجرد تربصات شكلية.
س5: ما هو الفرق بين "سوسيولوجيا الجامعة" و"سوسيولوجيا المؤسسة"؟
سوسيولوجيا الجامعة تركز على النظريات الكبرى وفهم الظواهر المجتمعية العامة (مثل التغير الاجتماعي، الدين، العائلة) بطريقة أكاديمية وتجريدية. أما سوسيولوجيا المؤسسة فهي تخصص تطبيقي يدرس المنظمة الاقتصادية كـ "مجتمع مصغر"، ويركز على حل مشاكل عملية داخلها مثل: تحسين التواصل الداخلي، فهم أسباب الإضرابات، رفع حافزية العمال، وتحليل الثقافة التنظيمية لزيادة الكفاءة الإنتاجية.

كلمة أخيرة:

شهادة الليسانس في علم الاجتماع ليست حكماً بالبطالة، لكنها -بصيغتها الحالية- ليست مفتاحاً سحرياً للتوظيف. الكرة الآن في ملعب الجامعة لتحديث برامجها، وفي ملعب الطالب لتطوير مهاراته الذاتية (لغات، إعلام آلي، مهارات اتصال) لفرض نفسه كـ "فاعل" لا غنى عنه في أي مؤسسة.

​المصادر والمراجع:

  • ​هذه المقالة مبنية على تحليل وتلخيص لرسالة الماجستير: "علم الاجتماع وسوق العمل: دراسة ميدانية لعينة من خريجي علم الاجتماع العاملين"، إعداد الطالب: نصر الدين كيرور، إشراف الأستاذ: محمد بومخلوف، جامعة الجزائر، 2006-2007. [PDF Document Analysis]

اقرأ أيضاً على موقعنا:

حقوق النشر: تم إعداد هذا التحليل المعمق حصرياً لموقع Boukultra.com. يمنع النقل دون ذكر المصدر. جميع الحقوق محفوظة © 2026.

تعليقات