📁 آخر الأخبار

قراءة تحليلية في كتاب قضايا منهجية في العلوم الاجتماعية للدكتور فضيل دليو

دراسة تحليلية لكتاب قضايا منهجية في العلوم الاجتماعية: دليل الباحثين في مناهج البحث السوسيولوجي

مقدمة: أزمة المنهج في العلوم الاجتماعية

​لا تكمن أزمة البحث العلمي في العالم العربي في نقص المعلومات، بل في "فوضى المنهج". يجد الباحث نفسه غالباً تائهاً بين نظريات غربية قد لا تلائم واقعه، وبين أدوات إحصائية يستخدمها دون فهم لعمقها الفلسفي. من هنا، يكتسب كتاب "قضايا منهجية في العلوم الاجتماعية"، الذي أشرف عليه الدكتور فضيل دليو وصدر عن ديوان المطبوعات الجامعية، أهمية استثنائية.

​إن هذا العمل ليس مجرد تجميع لفصول دراسية، بل هو مشروع فكري جماعي لنخبة من أساتذة جامعة قسنطينة، يهدف إلى "توطين" المعرفة المنهجية. يدمج الكتاب ببراعة بين الصرامة الأكاديمية (المتمثلة في خطوات البحث والتحليل الإحصائي) وبين الهمّ الهوياتي (المتمثل في محاولات التأصيل الإسلامي لعلم الاجتماع).

​في هذه الدراسة المعمقة، سنفكك محاور الكتاب فصلاً فصلاً، لنقدم للطلاب والباحثين دليلاً عملياً يتجاوز القراءة السطحية إلى الفهم التطبيقي.


كتاب قضايا منهجية في العلوم الاجتماعية: مقاربات ورؤى
غلاف كتاب قضايا منهجية في العلوم الاجتماعية.

الجمهور المستهدف

​يوجَّه هذا المقال بشكل خاص إلى طلبة الليسانس (المستويات المتقدمة)، وطلبة الماستر والدكتوراه، والأساتذة الباحثين في علم الاجتماع، والعلوم الإنسانية، والإعلام، بالإضافة إلى كل باحث يعمل على دراسات ميدانية أو بحوث بينية تتطلب ضبطاً منهجياً صارماً.

بطاقة الكتاب التقنية

  • العنوان: قضايا منهجية في العلوم الاجتماعية.
  • الإشراف: د. فضيل دليو، ضمن عمل جماعي لنخبة من أساتذة وباحثي جامعة قسنطينة.
  • الناشر: ديوان المطبوعات الجامعية - الجزائر.
  • سنة النشر: 2001 (الطبعة الورقية المرجعية المتداولة أكاديمياً).
  • الموضوعات: مناهج البحث، تقنيات البحث الاجتماعي، التأصيل الإسلامي للمنهج، الإحصاء في العلوم الاجتماعية.

أهمية الكتاب في المكتبة السوسيولوجية

​تنبع قيمة هذا الكتاب من كونه نتاج "جهد جماعي" لثلة من الأساتذة المخضرمين، حيث جاء لسد الفراغ في المكتبة الجامعية الجزائرية فيما يخص المراجع المنهجية التطبيقية. يتميز الكتاب بالتنوع والتدرج البيداغوجي، بدءاً من "أبجديات البحث العلمي" ووصولاً إلى "التحليل السوسيولوجي للمعطيات" ومقاييس الاتجاهات المعقدة.

المحور الأول: أبجديات البحث العلمي والعلاقة بين المشرف والطالب

​يفتتح الكتاب بفصل تأسيسي للدكتور علي غربي بعنوان "أبجديات البحث العلمي"، يعالج فيه الإشكاليات الواقعية التي تواجه الطالب الجامعي في بداية مشواره.

1. علاقة المشرف بالطالب: تجاوز النقيضين

​يشير الدكتور غربي إلى خطأين شائعين يهددان العملية البحثية:

  • الاختفاء النسبي للمشرف: ترك الطالب يواجه متاهات البحث بمفرده دون توجيه.
  • الهيمنة الكاملة للمشرف: تحويل الطالب إلى مجرد منفذ، مما يلغي شخصيته العلمية وتكوينه النقدي. الحل المقترح يكمن في علاقة مبنية على "الثقة والتوجه العلمي"، حيث يقتصر دور المشرف على التوجيه المنهجي، بينما تقع مسؤولية البحث كاملة على عاتق الطالب.

2. الهيكل النموذجي لخطة البحث

​يقترح الكتاب خطة نموذجية تضمن التسلسل المنطقي للأفكار (دليو وآخرون، 2001، ص 68-74):

  • المقدمة: تُرجي كتابتها للنهاية، لتشمل ملخصاً دقيقاً لأهمية البحث والمنهجية.
  • الباب الأول (الإطار المفاهيمي والنظري): يتضمن تحديد المشكلة، الأهداف، المفاهيم، والدراسات السابقة.
  • الباب الثاني (الإطار الافتراضي والمنهجي): يحدد الفروض، المنهج المتبع، الأدوات، والمجال الميداني.
  • النتائج والخاتمة: عرض النتائج ومناقشتها في ضوء الفروض والدراسات السابقة.

المحور الثاني: مراحل البحث في العلوم الإنسانية (مقاربة مقارنة)

​يقدم الدكتور فضيل دليو تحليلاً مقارناً لنماذج مراحل البحث العلمي، مؤكداً أن البحث عملية دائرية تربط النظرية بالواقع. يستعرض الفصل عدة نماذج عالمية:

  1. نموذج قباري محمد إسماعيل: يقسم البحث إلى "مرحلة إمبريقية" (جمع البيانات) و"مرحلة تفسيرية" (التحليل).
  2. نموذج ر. سييرا برافو (R. Sierra Bravo): يرى البحث حركة مزدوجة؛ "اختبار" (استنباط من النظرية للواقع) و"تنظير" (استقراء من الواقع للنظرية).
  3. نموذج كيفي وكامبنهود (Quivy & Compenhoudh): نموذج تفصيلي من 7 مراحل يبدأ بـ "سؤال الانطلاق" وينتهي بـ "الخاتمة".

الاستنتاج الرئيسي: يخلص د. دليو إلى أن عملية البحث تحتاج إلى "الحدس والإبداع" بجانب الصرامة المنهجية، فلا بحث جيد بدون خيال سوسيولوجي.

المحور الثالث: المفاهيم والتعريفات الإجرائية

​يعالج الدكتور محي الدين مختار إشكالية "المفاهيم" باعتبارها اللبنات الأساسية للعلم.

  • أهمية المفهوم: هو تجريد للعناصر المشتركة، ضروري لتلخيص المعرفة ونقلها.
  • التعريف الإجرائي (Operational Definition): هو الجسر الحقيقي بين النظرية والواقع. يُعرف المفهوم بتحديد "العمليات" أو "الأنشطة" اللازمة لقياسه بدقة.

​على سبيل المثال، مفهوم "الرعاية الصحية" يظل مجرداً، ولكن تعريفه إجرائياً يتطلب تحديد مؤشرات قابلة للقياس الرقمي مثل (التطعيم، عدد زيارات الطبيب، السعرات الحرارية).

المحور الرابع: المدخل المنهجي الإسلامي

​يمثل هذا المحور إضافة نوعية للكتاب، حيث يتناول أ. مراد زعيمي و أ. أحمد زردومي قضية "أسلمة المعرفة" في علم الاجتماع، ليس كشعار، بل كضرورة ابستمولوجية.

مبررات وخصائص النموذج

​يرى الباحثون أن المناهج الغربية (الوضعية والماركسية) قد تكون قاصرة عن فهم الواقع الاجتماعي في العالم الإسلامي، حيث يقدم الإسلام "نموذجاً تصورياً" مختلفاً للكون والإنسان:

  • الكون: حادث ومخلوق، وله سنن ونواميس ثابتة.
  • الإنسان: كائن مكرم، مركب من روح وجسد وعقل، وهو خليفة ومسؤول.
  • المجتمع: حقيقة فطرية تخضع لسنن التغيير (التدافع، التعاون).

مبادئ المنهج الإسلامي

​يحدد الأستاذ أحمد زردومي عدة مبادئ توجيهية للباحث المسلم (دليو وآخرون، 2001، ص 79-85):

  • احترام العقل لا تقديسه: العقل أداة للإبداع لكنه يحتاج لتوجيه الوحي.
  • المسؤولية الأخلاقية: البحث أمانة، مما يوجب تجنب التزوير والسرقة العلمية.
  • رفض التقليد الأعمى: عدم قبول المناهج الغربية كمسلمات مطلقة دون فحص.

المحور الخامس: الإحصاء ومقاييس الاتجاه

​يعود الدكتور فضيل دليو لتقديم فصل تقني حول "مقاييس الاتجاه"، وهو جزء حيوي للباحثين الميدانيين. يشرح الكتاب المستويات الأربعة للقياس (الاسمي، الترتيبي، الفئوي، النسبي) قبل الغوص في المقاييس المعقدة (دليو وآخرون، 2001، ص 395-406).

أهم مقاييس الاتجاه المستعرضة:

  1. مقياس ليكرت (Likert): الأكثر شيوعاً وسهولة، يعتمد على درجات الموافقة (موافق بشدة - ... - غير موافق بشدة).
  2. مقياس بوجاردوس (Bogardus): يُستخدم لقياس "البعد الاجتماعي"، أي درجة التقبل أو النفور من جماعة عرقية أو اجتماعية معينة (مثل قبول السكن بجوارهم أو مصاهرتهم).
  3. مقياس ثورستون (Thurstone): يعتمد على فترات متساوية، ويتميز بالدقة العالية لكنه يتطلب وجود "محكمين" لبنائه.

خاتمة وتقييم نقدي

​يُعد كتاب "قضايا منهجية في العلوم الاجتماعية" وثيقة بيداغوجية وعلمية هامة. إنه لا يكتفي بعرض القواعد الجافة، بل يغوص في فلسفة المنهج (عبر المدخل الإسلامي) وتطبيقاته التقنية (عبر الإحصاء والمقاييس).

​للباحثين عن التميز الأكاديمي، وتحديداً في سياق الجامعة الجزائرية، يعتبر هذا الكتاب دليلاً لا غنى عنه، حيث يجمع بين صرامة المناهج العالمية وخصوصية الواقع المحلي، مما يمنح الباحث أدوات متنوعة لفهم الظواهر الاجتماعية المعقدة.

أسئلة شائعة (FAQ)

س: ما هي أهمية التعريف الإجرائي في البحث الاجتماعي؟

ج: التعريف الإجرائي هو الأداة التي تنقل المفهوم من التجريد النظري إلى الواقع الملموس، عبر تحديد العمليات والأنشطة اللازمة لقياسه، وبدونه يستحيل جمع بيانات دقيقة قابلة للتحليل.

س: ما الفرق الجوهري بين مقياس ليكرت ومقياس بوجاردوس؟

ج: مقياس ليكرت يقيس "شدة" الاتجاه (موافقة/رفض) تجاه قضية معينة، بينما صُمم مقياس بوجاردوس خصيصاً لقياس "المسافة الاجتماعية" (القرب/البعد النفسي) تجاه جماعات بشرية محددة (دليو وآخرون، 2001، ص 420-422).

س: كيف يتعامل المنهج الإسلامي مع العقل في البحث العلمي؟

ج: المنهج الإسلامي يحترم العقل ويعتبره أداة محورية للإبداع والاكتشاف وفهم سنن الكون، لكنه يرفض تأليهه أو اعتباره المصدر الوحيد للحقيقة، مؤكداً على تكامله مع الوحي لضبط المسار الأخلاقي والمعرفي.

تعليقات