الهم الإنساني في الفكر السوسيولوجي النقدي: قراءة في جدلية الوعي والتحرر عند د. حسام الدين فياض.
مقدمة: أزمة السوسيولوجيا وغياب الإنسان
في خضم السعي المحموم لعلم الاجتماع المعاصر نحو "العلمية" و"الموضوعية" المفرطة، تحول الإنسان في كثير من الدراسات إلى مجرد رقم إحصائي أو متغير تابع في معادلات رياضية جافة. هنا تكمن الإشكالية الكبرى التي يتصدى لها الباحث والأكاديمي السوري د. حسام الدين فياض في كتابه المرجعي "الهم الإنساني في الفكر السوسيولوجي النقدي".
ينطلق الكتاب من صرخة تحذيرية: لقد فقدنا "الإنسان" في زحمة "الأنساق". هذا العمل ليس مجرد سرد للنظريات، بل هو محاولة جادة لاستعادة "الروح النقدية" لعلم الاجتماع، باعتباره علماً للتحرر (Emancipation) لا مجرد علم للضبط والمراقبة. يطرح فياض مشروعاً فكرياً يهدف إلى تأسيس "علم اجتماع تنويري" يعيد الاعتبار للذات الفاعلة في مواجهة طغيان البنية والهيمنة.
![]() |
| الهم الإنساني في الفكر السوسيولوجي النقدي. |
المرتكز النظري للكتاب
تعريف "الهم الإنساني" في السياق السوسيولوجي:
يقصد د. فياض بالهم الإنساني تلك النزعة التي ترفض التعامل مع الظواهر الاجتماعية كأشياء مادية جامدة (Reification). إنه التزام أخلاقي ومعرفي يرى أن غاية السوسيولوجيا ليست مجرد تفسير العالم، بل تغييره نحو الأفضل، عبر كشف آليات القهر والاستلاب التي تمارسها الأنظمة الرأسمالية والبيروقراطية الحديثة على وعي الأفراد.
المحور الأول: نقد العقل الأداتي وهيمنة البنية
يخصص الكتاب مساحة تحليلية واسعة لتفكيك ما يُعرف في النظرية النقدية (مدرسة فرانكفورت) بـ "العقل الأداتي" (Instrumental Reason).
1. من العقلانية إلى اللاعقلانية
يوضح المؤلف كيف تحول العقل في الحداثة الغربية من أداة لتحرير الإنسان (كما أراد التنوير) إلى أداة للسيطرة عليه.
- العقلانية التقنية: أصبح المعيار الوحيد للفعل هو "الكفاءة" و"الربح"، بغض النظر عن الغايات الأخلاقية أو الإنسانية.
- تشييء الإنسان: تحت وطأة هذا العقل، يتحول البشر إلى "موارد بشرية" أو "تروس" في آلة الإنتاج الضخمة، مما يؤدي إلى حالة من الاغتراب (Alienation) العميق.
2. طغيان البنية (Structure) على الفاعل (Agency)
يناقش د. فياض الجدلية الأزلية في علم الاجتماع: هل الإنسان حر أم مسير؟
يرى الكتاب أن البنى الاجتماعية المعاصرة (المؤسسات، الإعلام، الأنظمة الاقتصادية) تمارس نوعاً من "العنف الرمزي" (بمفهوم بيير بورديو) الذي يجعل الأفراد يمتثلون للقهر وهم يظنون أنهم أحرار. الهيمنة هنا ليست بالسوط، بل بصناعة "الموافقة" وتزييف الوعي.
المحور الثاني: جدلية الوعي والتحرر (المشروع التنويري)
إذا كان التشخيص سوداوياً، فإن الحل الذي يطرحه د. حسام الدين فياض يكمن في "الوعي". الكتاب يتبنى موقفاً جدلياً يرفض الاستسلام للحتمية البنيوية.
1. الوعي النقدي كأداة للمقاومة
لا يمكن التحرر من الهيمنة إلا بوعيها أولاً. يفرق الكتاب بين نوعين من الوعي:
- الوعي الزائف/المطابق: هو الوعي الذي يقبل الواقع كما هو، ويردد مقولات السلطة (الإعلامية أو السياسية).
- الوعي النقدي/السلبي: (بالمعنى الهيربرت ماركوزي) هو الوعي الذي يقول "لا". إنه القدرة على رؤية التناقضات في المجتمع، وفهم أن "ما هو كائن" ليس بالضرورة "ما يجب أن يكون".
2. دور السوسيولوجيا التنويرية
يطرح المؤلف رؤية لـ "علم اجتماع تنويري" (Enlightened Sociology). السوسيولوجي هنا ليس باحثاً محايداً يجمع البيانات في برج عاجي، بل هو "مقف عضوي" (بمفهوم غرامشي).
- مهمة السوسيولوجي: ليست التنبؤ بالمستقبل، بل صناعته من خلال تزويد الفاعلين الاجتماعيين بالأدوات الفكرية التي تمكنهم من فهم واقعهم وتغييره.
- الهدف: الانتقال من "حالة الضرورة" (الخضوع للقوانين العمياء للسوق والمجتمع) إلى "حالة الحرية" (صناعة المصير بوعي).
المحور الثالث: المقارنة المنهجية (الوضعية vs النقدية)
لفهم الموقع الذي ينطلق منه د. فياض في كتابه، قمنا بتلخيص الفارق الجوهري بين المدرسة الوضعة التقليدية (التي ينتقدها) والمدرسة النقدية (التي يتبناها) في الجدول التالي:
جدول مقارنة: السوسيولوجيا الوضعية vs السوسيولوجيا النقدية
المحور الرابع: السياق العربي وإشكالية التحرر
بما أن الكتاب صادر ضمن سلسلة "نحو علم اجتماع تنويري" (2026)، فإنه يحمل هماً خاصاً بالواقع العربي. يرى د. فياض أن "الهم الإنساني" في المنطقة العربية مضاعف.
1. التحديث المشوه
تعاني المجتمعات العربية من استيراد "قشور الحداثة" (التكنولوجيا، الاستهلاك) دون استيراد جوهرها (العقلانية النقدية، الحرية الفردية). هذا يخلق بنى اجتماعية هجينة تجمع أسوأ ما في التقليد وأسوأ ما في الحداثة.
2. ضرورة التنوير السوسيولوجي
يدعو الكتاب إلى أن يكون علم الاجتماع العربي أداة لفك الاشتباك بين التراث والمعاصرة، ولنقد الاستبداد السياسي والاجتماعي. التحرر هنا ليس فقط تحرراً من الاستعمار الخارجي، بل تحرراً من "الاستعمار الداخلي" المتمثل في الجهل، الخرافة، وغياب العدالة الاجتماعية.
المحور الخامس: مفاهيم مفتاحية في الكتاب
لتعميق الفهم، نستعرض أهم المفاهيم التي يرتكز عليها تحليل د. فياض:
- الاغتراب (Alienation): ليس مجرد شعور نفسي بالوحدة، بل هو حالة بنيوية يفقد فيها الإنسان السيطرة على نتاج عمله وعلاقاته، وتصبح الأشياء هي التي تتحكم في البشر.
- صناعة الثقافة (Culture Industry): كيف يتم تحويل الفن والثقافة إلى سلع استهلاكية تهدف إلى تسطيح وعي الجماهير وإلهائهم عن قضاياهم الحقيقية (تأثراً بأدورنو وهوركهايمر).
- الفعل التواصلي (Communicative Action): (تأثراً بهابرماس) الحل يكمن في خلق فضاء عام للحوار العقلاني الحر، بعيداً عن تشويهات المال والسلطة.
الخاتمة: نحو أنسنة علم الاجتماع
يخلص كتاب "الهم الإنساني في الفكر السوسيولوجي النقدي" إلى نتيجة حاسمة: العلم بلا ضمير إنساني هو خراب للروح.
يقدم د. حسام الدين فياض مرافعة بليغة للدفاع عن الإنسان ضد التروس الباردة للنظم الحديثة. إنه يدعونا لإعادة اختراع علم اجتماع "مشاكس"، لا يرضى بتوصيف الواقع وتبريره، بل يسعى بدأب لكشف المسكوت عنه، والانتصار للفئات المهمشة والمستلبة.
إن قراءة هذا الكتاب ليست مجرد تمرين فكري، بل هي خطوة ضرورية لكل باحث أو طالب يريد أن يفهم كيف يمكن للمعرفة أن تكون، في آن واحد، دقيقة علمياً وملتزمة إنسانياً.
أسئلة شائعة (FAQ)
س: ما المقصود بـ "النظرية النقدية" التي يعتمد عليها الكتاب؟
ج: هي مدرسة فلسفية واجتماعية (ارتبطت بمعهد البحث الاجتماعي في فرانكفورت) ترفض الاكتفاء بوصف المجتمع (كما تفعل النظرية التقليدية)، وتهدف بدلاً من ذلك إلى نقده وتغييره وتحرير الإنسان من أشكال الهيمنة الحديثة.
س: كيف يختلف هذا الكتاب عن كتب علم الاجتماع التقليدية؟
ج: الكتب التقليدية تركز غالباً على المنهجية، الإحصاء، ودراسة النظم باستقرار. هذا الكتاب يركز على "الإنسان" كمركز، وعلى "الصراع" و"التغيير" و"القيم"، مما يجعله أقرب للفلسفة الاجتماعية.
س: لمن يوجه د. حسام الدين فياض هذا الكتاب؟
ج: الكتاب موجه للباحثين الأكاديميين، طلاب علم الاجتماع والفلسفة، والمثقف العربي العام المهتم بقضايا التنوير والنهضة وفهم آليات السيطرة في العالم المعاصر.
بيانات المرجع:
فياض، حسام الدين. (2026). الهم الإنساني في الفكر السوسيولوجي النقدي: جدلية الوعي والتحرر في مواجهة البنية والهيمنة. الطبعة الأولى. سلسلة نحو علم اجتماع تنويري.
