العولمة الثقافية وتكنولوجيا الاتصال: قراءة إبستمولوجية في المحددات والتداعيات (مراجعة شاملة لكتاب د. ليلى فيلالي)
ملخص تنفيذي
قراءة تحليلية عميقة وتحميل لكتاب "العولمة الثقافية وتكنولوجيا الاتصال: محددات إيبيستيمولوجية وتداعيات سوسيوثقافية" للدكتورة ليلى فيلالي. اكتشف كيف تعيد التكنولوجيا تشكيل الهوية، القيم، والمجتمع العربي في ظل الطوفان الرقمي. دليل شامل للطلاب والباحثين.
مقدمة: صدام الثقافة والتقنية في الألفية الثالثة
لم يعد الحديث عن تكنولوجيا الاتصال ترفاً فكرياً أو مجرد استعراض لأحدث الأجهزة الرقمية، بل تحول إلى ضرورة وجودية لفهم التحولات العميقة التي تضرب جذور المجتمعات الإنسانية. في قلب هذا التحول، تبرز ظاهرة "العولمة الثقافية" كقوة جارفة تسعى لتوحيد الأنماط السلوكية والقيمية للبشر، مستخدمة التكنولوجيا كأداة ناعمة وفعالة للاختراق.
يأتي كتاب "العولمة الثقافية وتكنولوجيا الاتصال: محددات إيبيستيمولوجية وتداعيات سوسيوثقافية" للباحثة الأكاديمية الجزائرية الدكتورة ليلى فيلالي، ليقدم مقاربة سوسيولوجية وفلسفية رصينة لهذا المشهد المعقد. الكتاب ليس مجرد رصد للظواهر، بل هو حفر "إبستمولوجي" (معرفي) يحاول فهم الأصول النظرية للعولمة، وكيف تحولت من مفهوم اقتصادي إلى هيمنة ثقافية شاملة.
في هذا المقال المطول، سنقوم بتفكيك أطروحات الكتاب، وتحليل فصوله، واستقراء النتائج التي توصلت إليها المؤلفة، لنضع بين يدي الباحث العربي خارطة طريق لفهم واقعه المتغير.
![]() |
| العولمة الثقافة وتكنولوجيا الاتصال محددات إيبيستيمولوجية وتداعيات سوسيوثقافية |
البطاقة التعريفية للكتاب (Metadata)
لضمان الدقة الأكاديمية والتوثيق، نستعرض البيانات الأساسية للكتاب موضوع الدراسة:
- عنوان الكتاب: العولمة الثقافية وتكنولوجيا الاتصال: محددات إيبيستيمولوجية وتداعيات سوسيوثقافية.
- المؤلف: د. ليلى فيلالي.
- الناشر: دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع - عين مليلة، الجزائر.
- سنة النشر: 2017 (الطبعة الأولى).
- عدد الصفحات: 172 صفحة.
- ردمك (ISBN): 978-9947-0-4883-2.
- التصنيف: علم اجتماع الاتصال / دراسات ثقافية / نقد العولمة.
المحور الأول: الإطار المفاهيمي والإبستمولوجي (تفكيك المصطلحات)
تستهل الدكتورة ليلى فيلالي كتابها بتأسيس نظري متين، تدرك فيه أن "فوضى المصطلحات" هي العائق الأول أمام الفهم الصحيح. لذا، تخصص الفصل الأول لضبط المفاهيم.
1. العولمة: من الاقتصاد إلى الثقافة
تنتقد المؤلفة الاختزال الاقتصادي لمفهوم العولمة. فالعولمة ليست مجرد فتح للأسواق وحرية انتقال رؤوس الأموال، بل هي في جوهرها "عولمة للوعي".
- المحدد الإبستمولوجي للعولمة: تشير الدراسة إلى أن العولمة عملية تاريخية تراكمية تهدف إلى "نمذجة" العالم (Standardization)، أي جعل العالم نمطاً واحداً.
- البعد الثقافي: هو الأخطر، لأنه يستهدف "الخصوصية". العولمة الثقافية تعمل على تذويب الهويات المحلية في "بوتقة" ثقافة عالمية واحدة، غالباً ما تكون الثقافة الغربية (الأمريكية تحديداً).
2. تكنولوجيا الاتصال: الوسيط ليس محايداً
تتبنى الكاتبة طرحاً يقترب من مدرسة "حتمية التكنولوجيا" ومدرسة "فرانكفورت النقدية". التكنولوجيا ليست مجرد أدوات (هواتف، إنترنت، أقمار صناعية)، بل هي "أيديولوجيا".
- الوسيلة تحمل في طياتها قيم صانعها.
- الإنترنت ليس فضاءً حراً تماماً، بل هو فضاء محكوم بخوارزميات وقيم ليبرالية تعزز الفردانية والاستهلاك.
[]
المحور الثاني: الخلفية الفكرية والتاريخية للعولمة الثقافية
لا يمكن فهم الحاضر دون العودة للجذور. يستعرض الكتاب في فصله الثاني السيرورة التاريخية التي أدت إلى هيمنة العولمة الثقافية.
1. من القرية الكونية إلى الغرفة الكونية
تتتبع المؤلفة تطور نظريات الاتصال، بدءاً من نبوءة مارشال ماكلوهان حول "القرية الكونية" (Global Village).
- في الماضي، كان التلفزيون يجمع العائلة (اتصال جماهيري).
- اليوم، مع الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، انتقلنا إلى "الغرفة الكونية" أو حتى "العزلة الكونية"، حيث يتصل الفرد بالعالم وهو منعزل في غرفته.
2. الإمبريالية الثقافية الجديدة
يناقش الكتاب كيف حلت "القوة الناعمة" (Soft Power) محل الاستعمار العسكري.
- الشركات العابرة للقارات لا تصدر السلع فقط، بل تصدر "نمط الحياة" (Lifestyle).
- هوليوود، نتفليكس، وفيسبوك هي أدوات العولمة الجديدة التي تعيد تشكيل ذائقة الجمهور العربي وتطلعاته.
المحور الثالث: التداعيات السوسيوثقافية (جوهر الأزمة)
هذا هو المحور الأهم في الكتاب (الفصل الثالث والرابع)، حيث تغوص الدكتورة فيلالي في تحليل الأثر المباشر للتكنولوجيا على البنية الاجتماعية والقيمية.
1. تصدع منظومة القيم التقليدية
تكنولوجيا الاتصال أحدثت زلزالاً في منظومة القيم:
- من الجماعية إلى الفردانية: المجتمع العربي بطبعه "جماعي" (Collectivist)، لكن وسائل التواصل تعزز "النرجسية" و"الفردانية" (Individualism). الفرد أصبح محور الكون، يبحث عن "اللايكات" والشهرة السريعة.
- القيم الاستهلاكية: تحول المواطن إلى "مستهلك". السعادة باتت مرتبطة بالقدرة على الشراء واقتناء أحدث الماركات التي يروج لها المؤثرون (Influencers).
2. أزمة الهوية: بين "الأنا" و"الآخر"
تطرح المؤلفة إشكالية "الهوية الهجينة".
- الشباب العربي يعيش حالة "انفصام". جسده في المجتمع المحلي، وعقله وروحه في الفضاء الرقمي الغربي.
- هذا يخلق "اغتراباً" (Alienation) مزدوجاً: اغتراب عن الواقع المعاش الذي يراه متخلفاً، واغتراب داخل العالم الافتراضي الذي لا يملكه ولا يصنعه.
3. تفكك الروابط الأسرية
ترصد الدراسة ظاهرة "الخرس العائلي". الأسرة تجلس في غرفة واحدة، لكن كل فرد غارق في شاشته.
- تراجع الحوار المباشر (Face-to-Face Interaction).
- استبدال العلاقات الدافئة والحميمية بعلاقات "باردة" وافتراضية عبر الشاشات.
المحور الرابع: محددات إيبيستيمولوجية (نقد المعرفة)
ما يميز هذا الكتاب هو جانبه الفلسفي. تتساءل الكاتبة: كيف نعرف ما نعرفه في عصر التكنولوجيا؟
1. تسليع المعرفة (Commodification of Knowledge)
في عصر العولمة، لم تعد المعرفة "قيمة" بحد ذاتها، بل أصبحت "سلعة".
- المعلومة السريعة والسطحية حلت محل المعرفة العميقة.
- ثقافة "التصفح" (Surfing) قضت على ثقافة "التأمل" والتحليل النقدي.
2. الواقع الفائق (Hyperreality)
تستلهم الكاتبة أفكار جان بودريار حول "الواقع المفرط".
- الصورة أصبحت أهم من الواقع. نحن نعيش في عالم من "النسخ" (Simulacra) التي لا أصل لها.
- الناس يصدقون ما يرونه على الشاشة أكثر مما يرونه بأعينهم المجردة.
المحور الخامس: تفاعلات الفرد في الفضاء الرقمي
تخصص الدكتورة ليلى فيلالي مساحة لتحليل سيكولوجية المستخدم العربي في البيئة الرقمية.
1. الهوية الافتراضية
يلجأ الأفراد إلى صناعة "هويات بديلة" مثالية على مواقع التواصل الاجتماعي، هروباً من واقعهم المحبط. هذا يخلق فجوة نفسية خطيرة بين "الذات الحقيقية" و"الذات الرقمية".
2. التفاعلات الاجتماعية السائلة
تتسم العلاقات في عصر التكنولوجيا بالسيولة (كما وصفها زيجمونت باومان). علاقات سهلة التكوين وسهلة القطع (Block/Unfriend)، مما يفقد العلاقات الإنسانية عمقها ومتانتها ومسؤوليتها الأخلاقية.
رؤية نقدية للكتاب: ماذا يضيف للمكتبة العربية؟
بصفتنا خبراء في التحليل الأكاديمي، يمكننا رصد نقاط القوة التالية في كتاب "العولمة الثقافية وتكنولوجيا الاتصال":
- الجمع بين النظري والتطبيقي: لم تكتفِ المؤلفة بالتنظير الفلسفي، بل ربطته بواقع المجتمعات العربية والجزائرية تحديداً.
- الجرأة في الطرح: الكتاب لا يهادن التكنولوجيا ولا ينبهـر بها، بل يفكك "أساطيرها" (مثل أسطورة الحياد، وأسطورة الديمقراطية الرقمية).
- المنهجية الرصينة: الاعتماد على مراجع إبستمولوجية وسوسيولوجية قوية (ماكلوهان، بودريار، هابرماس، وغيرهم).
نقاط يمكن تطويرها في دراسات لاحقة:
- قد يحتاج الموضوع إلى تحديث ليشمل ظواهر ما بعد 2017 (مثل الذكاء الاصطناعي، وتيك توك، والميتافيرس)، حيث تسارعت الوتيرة بشكل مذهل.
الخاتمة: هل نحن أمام نهاية الخصوصية الثقافية؟
يخلص كتاب الدكتورة ليلى فيلالي إلى نتيجة مقلقة ولكنها محفزة للتفكير: نحن أمام مفترق طرق حضاري.
العولمة الثقافية وتكنولوجيا الاتصال ليست شراً مطلقاً، ولكن التعامل معها بـ "سذاجة" وبدون "حصانة ثقافية" سيؤدي إلى مسخ الهوية وتذويب الذات.
الحل لا يكمن في الانعزال أو رفض التكنولوجيا، بل في:
- إنتاج المحتوى: التحول من مستهلكين للثقافة الرقمية إلى منتجين لها.
- التربية الإعلامية: تسليح الأجيال الجديدة بمهارات التفكير النقدي لفرز الغث من السمين في الفضاء الرقمي.
- توطين التكنولوجيا: تبيئة التقنية لتخدم قيمنا وخصوصيتنا بدلاً من أن تستعمرنا.
إن كتاب "العولمة الثقافية وتكنولوجيا الاتصال" هو صرخة تحذير أكاديمية، ودعوة للاستيقاظ من "الغيبوبة الرقمية" لاستعادة زمام المبادرة في تشكيل مستقبلنا الثقافي.
تحميل كتاب العولمة الثقافية وتكنولوجيا الاتصال PDF
للباحثين وطلاب الدراسات العليا، والمهتمين بفهم ديناميكيات الصراع بين المحلي والعالمي، يمكنكم الاطلاع على الكتاب كاملاً والاستفادة من مراجعه الثرية.
[تحميل كتاب: العولمة الثقافية وتكنولوجيا الاتصال - د. ليلى فيلالي]
الأسئلة الشائعة (FAQ)
س: ما المقصود بالمحددات الإبستمولوجية في عنوان الكتاب؟
ج: يقصد بها الأسس المعرفية والنظرية التي تحكم فهمنا لظاهرة العولمة والتكنولوجيا. أي كيف يتم بناء "المعرفة" حول هذه الظواهر، وكيف تؤثر التكنولوجيا على طريقة تفكيرنا وإدراكنا للحقيقة.
س: كيف تؤثر العولمة الثقافية على الشباب العربي وفقاً للكتاب؟
ج: تؤدي إلى أزمة هوية (Identity Crisis)، واغتراب ثقافي، وتبني قيم استهلاكية وفردانية قد تتناقض مع قيم المجتمع الأصلية، مما يخلق صراعاً جيلياً ونفسياً.
س: هل تدعو الكاتبة لمقاطعة التكنولوجيا؟
ج: لا، الكاتبة تقدم نقداً وتحليلاً (Analysis) وليس دعوة للمقاطعة. هي تدعو إلى "الوعي" بمخاطر التكنولوجيا وضرورة استخدامها بذكاء مع الحفاظ على الهوية، وليس الاستسلام الأعمى لتيار العولمة.
س: لمن يوجه هذا الكتاب؟
ج: الكتاب موجه لطلاب وأساتذة علم الاجتماع، علوم الاتصال والإعلام، الفلسفة، والمثقف العام المهتم بقضايا العولمة والهوية.
