📁 آخر الأخبار

مقال يشرح مفهوم الدياليكتيك

مقال يشرح مفهوم الدياليكتيك

الديالكتيك، كلمة أجنبية، رافقها بعض الغموض لكثرة ما مرت فيه من تحولات واستخدامات، من قبل مفكرين، وفلاسفة كثر، اختلفوا في وجهات النظر وسنبذل بعض الجهد من أجل توضيح معنى هذه الكلمة، وأصلها، وصيرورتها عبر الفكر الفلسفي، من خلال بعض الفلاسفة المشاهير. وكان فلاسفة العصور القديمة يعتقدون إن كشف التناقضات في الفكرة، وتصادم الأفكار المتناقضة، هي عوامل تساهم في عملية التوصل إلى الحقيقة.

مقال يشرح مفهوم الدياليكتيك
مقال يشرح مفهوم الدياليكتيك

أقرب تفسير، او شرح لكلمة الديالكتيك، في اللغة العربية، هو “الجـدل”،و بكلمات اخرى، هي المجادلة والمناقشة. لكن كلمة الجدل بحد ذاتها غير كافية لتوضيح الأبعاد الكثيرة التي استعملت فيها كلمة ديالكتيك، يونانية الأصل. وبما أن الفلسفة الشائعة ظهرت من اليونان، فكان لا بد ان تنتشر تلك الكلمة (الديالكتيك) كما انتشرت كلمات اخرى، مثل الفلسفة، الديموقراطية، الاوتوقراطية، …..الخ. سنبحر في بعض المحطات التي برز فيها مفهوم الديالكتيك في فلسفات شهيرة.

جدل هيراقليطس:

عدت في تاريخ الفلسفة اليونانية، باحثا عن معنى الديالكتيك، عند هيراقليطس (535 ـ 475 ق.م)، والذي كان يتحدث عن نظرية التدفق أو الجريان theory of flux فكل ما في الوجود في تغير دائم وتدفق مستمر، فجوهر الوجود هو الحركة والتغير المتواصلان، وهذا التغير والجريان صراع بين الأضداد، وهو أساس الوجود والصيرورة، فكل شيء يحمل في داخله ضده، ويشبّه الأشياء بالنهر الجاري الذي تتغير مياهه باستمرار، فأنت لا تسبح في مياه النهر مرتين، ويتولد من هذا الصراع العالم بأسره، فيكون الصراع هو القانون الحتمي الذي يحكم كل وجود، وهو لا يأتي من خارج، بل ينبثق من الوجود نفسه، فالانسجام والصراع هما ماهية وحدة الأضداد.
يرى هيراقليطس أن النار هي المادة الأولى في الطبيعة؛ لأنها الأقدر على التغير والحركة، ومنها نشأ العالم كله؛ فالنار هي أصل الوجود، وهي حياة العالم وقانونه وكل الأشياء تتحول إلى نار، والنار تتحول إلى كل الأشياء، ويتم هذا عن طريق الجدل الهابط والصاعد، فالنار الأولية عندما تصيبها الرطوبة تتحول إلى ماء، والماء إلى تراب، وبالمقابل يتحول التراب إلى ماء والماء إلى النار، فالعالم لم يصنعه أحد من الآلهة أو البشر، ولكنه موجود دائم، ويكون، وسيكون، ناراً حية أبدية تستعر بمقدار، وتنطفئ بمقدار، بيد أن النار تخلص شيئاً فشيئاً مما تحولت إليه، فيأتي دور لا يبقى فيه سوى النار، وهذا هو الدور التام أو السنة الكبرى، ويتكرر هذا إلى ما لا نهاية بموجب قانون ضروري كلي هو اللوغوس Logos. ويقصد به هيراقليطس قانوناً ذاتياً للعالم ومبدأ تنتظم به عملية التغير والجريان، وهو القانون العام الذي يسير عليه الوجود في تغيره من ضد، إلى ضد، وهو الشيء الوحيد الثابت في هذا العالم الدائم الجريان وهو الله.

جدل زينون الايلي:

استخدم زينون الايلي ( 490 ـ 430 ق. م)، الديالكتيك، وكان زينون أول واضع لعلم الجدل، فقد عرف بمفارقاته المنطقية التي كانت تضع أسئلة مهمة في صورة سالبة في الطبيعة الجدلية للحركة. وكان الجدل، بالنسبة اليه، فناً للتحاور بغية الوصول إلى الحقيقة، بطرح الفكرة، والفكرة المضادة لها، عن طريق السؤال والجواب.
تدور كتابات زينون حول فكرة أساسية، وهي أن “الوجود واحد لا متعدد، وساكن غير متحرك أو متغير”.
وقد اشتهر بمنهجه الجدلي، فكل سؤال فلسفي له في نظره إجابة محتملة، والاحتمال معناه أن الفكر لا يستطيع أن يحكم على أي شيء بالإثبات أو النفي. وهكذا نلاحظ اختلاف جدل هيراقليطس عن جدل زينون، خاصة فيما يتعلق بمسالة التغير والحركة.

جدل أفلاطون

يتجلى الجدل الافلاطوني في نظرية الكهف، وهي نظرية فلسفية تعبر عن رؤية افلاطون للعالم. حيث يتحدث افلاطون ( 427-428 ق.م)، عن الجدل الصاعد، وهو انتقال الذهن من المحسوسات، إلى المثل العليا، أي تجريد المحسوس من صفاته المادية والوصول به إلى المعنى المجرد الدال عليه، كما وتحدث عن الجدل الهابط، وهو انتقال الذهن من المُثل، أو المعاني المجردة، إلى المحسوسات. ويرى أفلاطون أن حركة الذهن هذه صعوداً وهبوطاً هي التي ترشد الإنسان إلى الحقيقة.
ان فنَّ الحوار والجدل، أو لنقل الديالكتيك، هو ما يسمح للنفس بأن تترفَّع عن عالم الأشياء المتعددة والمتحولة إلى العالم العياني للأفكار. لأنه عن طريق هذه الديالكتيك المتصاعد نحو الأصول، يتعرَّف الفكر إلى العلم انطلاقًا من الرأي الذي هو المعرفة العامية المتشكِّلة من الخيالات والاعتقادات وخلط الصحيح بالخطأ.
الأفكار هي نتاج واقع، أومحيط، أوقيود، ساهمت بتشكيل قناعاتنا، ويبني أفلاطون فكرته الجوهرية في هذه النظرية على أن ما نراه، أو ما اعتدنا أن نراه، قد لايكون معبرا عن الواقع الحقيقي للامور، بل قد يكون مجرد ظلال خادعة للحقيقة، لذا فالحواس قد تخدعنا، ولا يمكن الاعتماد عليها. ويتحدث افلاطون عن الجدل الهابط والجدل الصاعد، في نظرية الكهف، كي يشرح تصوراته الفلسفية.

جدل هيغل:

لا بد من الذكر ان الاسم الحقيقي للفيلسوف الالماني الشهير، والذي نتحدث عنه، هو جورج فيلهلم فريدريش هيغل (1770- 1831 ميلادية). اشتهر بما سمي الديالكتيك الهيغلي . والجدل عند هيغل هو ذلك التناقض بين الافكار والذي يؤدي الى بروز افكار جديدة، وهكذا يحدث التطور، فتتطور روح العالم نحو الكمال الاعظم. اذا فالجدل عنده يتركز في ان هناك فكرة، فتاتي فكرة مناقضة لها، مما يؤدي الى بروز فكرة جديدة مختلفة عن الفكرتين السابقتين، وهي مركب من الفكرة ونقيضها. ومن خلال صراع الافكار وبروز افكار جديدة ينتقل الانسان في تحصيله للمعرفة، كما ونوعا و رأى هيغل ان الوصول إلى الوعي من المادة مستحيل, كما يرى الماديون, كما أن استخلاص المادة من الوعي كما تقول الأديان مستحيل, لذا نظر إلى الوعي بوصفه نتيجة للتطور السابق لجوهر أولي مطلق لا يشكل وحدة مطلقة للذاتي والموضوعي دون أي تمايز بينهما, وعليه فالوحدة الأولية التي تشكل الأساس الجوهري للعالم هي وحدة الوجود والفكر, حيث يتمايز الذاتي والموضوعي فكريا.
ونصل الى ان المحاور والمكونات الاساسية للعملية الديالكتية عند هيجل هي : 1- الفكرة 2- نقيض الفكرة 3- المركب من الفكرة ونقيضها .

جدل ماركس، او ما يسمى بالديالكتيك الماركسي:

لاحظنا ان فلسفة هيغل قامت على فكرة ان الوعي سابق للمادة. لكن كارل ماركس ( 1818- 1883 ميلادية)، استخدم الديالكتيك الهيغلي، لكن بطريقة معكوسة، حيث ان الديالكتيك الماركسي يقوم على اساس هو أن المادة سابقة للوعي على اعتبار أن المادة هي من تحدد مدارك الوعي، وبالتالي يتطور الوعي بتطور المادة المحيطة بالإنسان. فالوعي هو انعكاس عن المادة. وتتوافق الماركسية مع هيراقليطس بان الكون هو في حالة تغير وتطور مستمرين، وان هناك شيئا جديدا ينشأ نتيجة للتناقض بين القديم والجديد، بين كائن يتفسخ، وكائن ينهض من الموت. فالاسلوب الجدلي (الديالكتيكي) يتطلب دراسة الظواهر، ليس فقط من وجهة نظر علاقاتها المتبادلة واعتماد بعضها على البعض، بل كذلك من وجهة نظر حركتها وتغيرها وتطورها، من وجهة نظر نشوئها وزوالها. ولو تابعنا فكرة الجدلية عند الماركسيين لوجدناها واضحة عند مؤسسي الماركسية، كارل ماركس،و فريدريك انجلز، كما وعند مطوريها، لينين وغيره من قادة الشيوعية العالمية.

قوانين الديالكتيك :

وحدة وصراع الضدين. 2. نفي النفي. 3. التغيرات الكمية تؤدي الى تغير كيفي (نوعي).
يقول انجلز، ان الديالكتيك “يأخذ الاشياء وصورها المحسوسة، بالجوهر، في ترابطها المتبادل، في تسلسلها، في حركتها، في نشوئها، وفي اختفائها………. يجب ان نذكر بالاساس داروين الذي وجه ضربة شديدة للفكر الميتافيزيقي عن الطبيعة ببرهانه على ان العالم العضوي المعاصر، النبات والحيوان، وعليه كذلك الانسان، كله نتاج عملية تطور كانت في تقدم منذ ملايين السنين……. في الفيزياء … يشكل كل تغير تحولا من الكمية إلى الكيفية، نتيجة لتغير كمي من شكل معين من الحركة، اما ان تكون كامنة في الجسم، أو موجهة له…… يمكن تسمية الكيمياء علم التغيرات الكيفية التي تحدث في الاجسام نتيجة لتغيرات التركيب الكمي .
يقول لينين، “ان الديالكتيك بمعناه الاعتيادي هو دراسة التناقضات في جوهر الاشياء بالذات” .
وعليه فإن الديالكتيك الماركسي يعتبر أن عملية التطور من الادنى إلى الاعلى، لا تحدث بصورة كشف منسجم للظواهر، بل بصورة كشف عن التناقضات الملازمة في الاشياء والظواهر، بصورة “صراع″ الميول المتناقضة، والتي تعمل على اساس هذه التناقضات.
يقول لينين: “ان الديالكتيك بمعناه الاعتيادي هو دراسة التناقضات في جوهر الاشياء بالذات….. التطور هو صراع الاضداد” 
يقول ماركس: ” من المستحيل فصل الفكر عن المادة المفكرة. ان المادة هي الذات لجميع التغيرات… ”
وربط الماركسيون بين النظرية الديالكتيكية والنظرية المادية، خاصة في حديثهم عن الطبقة التي أدركت نفسها، واصبحت مؤهلة لأن تهيمن على بقية الطبقات في المجتمع، والتي تتمتع، بما سموه “ديكتاتورية البروليتاريا”، وهي التي تقود المجتمع نحو الكفاية والرفاهية. لكن للاسف لم تنجح توقعاتهم، وحكم الماركسيون المثقفون باسم البروليتاريا، حكما استبداديا صرفا، لأكثر من سبعين سنة، ثم سقطت امبراطوريتهم، وتفككت، بعد أن بان زيف، وطوباوية، تلك الافكار التي كانت تحركهم.
اذا، يمكن وصف الديالكتيك بانه علم القوانين الأكثر عمومية التي تحكم الطبيعة والمجتمع والفكر. أي انه اكثر شمولا من “الجدل” حسب المفهوم العربي. بل هو يمثل رؤى وتصورات الفلاسفة فيما يختص بالكون، والصراع، والحياة، والموت، والمادة، والحقيقة، والفساد، والخلود …الخ.

مراجع:

فريدريك انجلز/ ديالكتيك الطبيعة.
لينين، ملاحظات فلسفية.
لينين، ملاحظات فلسفة.
ماركس، انجلز، مختارات.
تعليقات