نظرية الفعل التواصلي وعلاقتها بفاعلية أداء المؤسسات الإعلامية: رؤية نقدية
مقدمة: الإعلام بين غاية التفاهم ومنطق الهيمنة
في قلب المجتمعات الحديثة، تقف المؤسسات الإعلامية كقوة جبارة ذات وجهين؛ هي أداة مركزية لبناء "الفضاء العمومي" (Public Sphere) الذي يتيح النقاش العقلاني وتشكيل الإرادة الجماعية، وفي الوقت ذاته، هي كيانات تنظيمية خاضعة لمنطق "النظام" (The System) الاقتصادي والسياسي. هذا التناقض الجوهري يطرح سؤالاً محورياً: ما هو المقياس الحقيقي لـ فاعلية أداء المؤسسات الإعلامية؟ هل هو النجاح المالي والنفوذ السياسي، أم هو القدرة على تحقيق التفاهم المتبادل والوعي النقدي؟
للإجابة على هذا التساؤل، تقدم نظرية الفعل التواصلي (Communicative Action Theory) للفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس (Jürgen Habermas)، إطاراً تحليلياً بالغ الأهمية. بوصفه الوريث الأبرز لـ "النظرية النقدية" ومدرسة فرانكفورت، يسعى هابرماس لتشخيص أمراض الحداثة، وفي مقدمتها "استعمار عالم المعيش" من قبل منطق السلطة والمال، وهو ما يتجلى بوضوح في أداء الإعلام المعاصر.
![]() |
| نظرية الفعل التواصلى وعلاقتها بفاعلية أداء المؤسسات الإعلامية |
تهدف هذه المقالة إلى تفكيك العلاقة المعقدة بين نظرية الفعل التواصلي وفاعلية أداء المؤسسات الإعلامية. سنناقش كيف توفر مفاهيم هابرماس (مثل الفعل التواصلي مقابل الفعل الاستراتيجي، وعالم المعيش مقابل النظام) عدسة نقدية لتقييم ما إذا كانت وسائل الإعلام تعمل كأدوات للتحرر العقلاني أم كأدوات لترسيخ الهيمنة وإعادة إنتاج "التواصل المشوه".
1. أسس نظرية الفعل التواصلي: تفكيك رؤية هابرماس
لفهم كيفية تطبيق النظرية على الإعلام، يجب أولاً استيعاب ركائزها الأساسية. يميز هابرماس بين نمطين مركزيين من الفعل الاجتماعي:
1.1. الفعل الاستراتيجي (Strategic Action)
الفعل الاستراتيجي هو فعل موجه نحو "النجاح" (Success). في هذا النمط، يتعامل الفاعلون مع بعضهم البعض كـ "وسائل" لتحقيق غايات ذاتية. يعتمد هذا الفعل على الحسابات العقلانية للمصالح، ويستخدم أدوات كـ "النفوذ" (السلطة) أو "المال" (السوق) للتأثير على قرارات الآخرين.
- في سياق الإعلام: عندما تهدف مؤسسة إعلامية إلى تعظيم الأرباح عبر الإثارة (Sensationalism)، أو عندما تعمل كذراع دعائي (Propaganda) لنظام سياسي، فإنها تمارس فعلاً استراتيجياً. الهدف هنا ليس "الإقناع" العقلاني، بل "فرض" رؤية معينة أو "تحقيق" مصلحة محددة.
1.2. الفعل التواصلي (Communicative Action)
على النقيض تماماً، الفعل التواصلي هو فعل موجه نحو "التفاهم" (Understanding). في هذا النمط، يسعى الفاعلون للوصول إلى إجماع متبادل عبر "قوة الحجة الأفضل" (The force of the better argument) في حوار عقلاني خالٍ من الإكراه.
يعتمد الفعل التواصلي على "ادعاءات الصلاحية" (Validity Claims) الثلاثة:
- الحقيقة (Truth): أن المعلومة المقدمة تتطابق مع الواقع الموضوعي.
- الصواب المعياري (Normative Rightness): أن الفعل يتوافق مع الأعراف والقيم الاجتماعية المقبولة.
- المصداقية/الإخلاص (Sincerity/Truthfulness): أن المتحدث يعبر بصدق عما يؤمن به.
- في سياق الإعلام: المؤسسة التي تمارس الفعل التواصلي هي تلك التي تلتزم بالدقة (الحقيقة)، وأخلاقيات المهنة (الصواب المعياري)، والشفافية (المصداقية). هدفها هو تمكين الجمهور من تكوين رأي مستنير.
1.3. ثنائية "النظام" (The System) و"عالم المعيش" (The Lifeworld)
هذه الثنائية هي حجر الزاوية لفهم أزمة الحداثة عند هابرماس.
- عالم المعيش (Lifeworld): هو الأفق المشترك للثقافة، واللغة، والقيم، والمعايير التي نعيشها يومياً. إنه الفضاء الذي يحدث فيه الفعل التواصلي، حيث نعيد إنتاج هوياتنا وتضامننا الاجتماعي عبر التفاهم.
- النظام (The System): يتكون من البنى الاقتصادية (السوق) والبنى الإدارية (الدولة/البيروقراطية). هذه البنى تعمل وفق منطق "الفعل الاستراتيجي" (المال والسلطة).
المشكلة التي يشخصها هابرماس هي "استعمار عالم المعيش" (Colonization of the Lifeworld)، وتعني غزو منطق "النظام" (المال والسلطة) لمجالات "عالم المعيش" (الثقافة، الأسرة، والنقاش العام)، وتحويل التفاعلات التواصلية إلى تفاعلات استراتيجية.
2. المؤسسة الإعلامية: حقل الصراع بين "النظام" و"عالم المعيش"
تقع المؤسسات الإعلامية في قلب هذا الصراع. هي، بحكم تعريفها، تنتمي إلى "النظام" و"عالم المعيش" في آن واحد:
- الإعلام كجزء من "النظام": المؤسسات الإعلامية هي (في الغالب) شركات تجارية تهدف للربح (خاضعة لمنطق السوق)، أو مؤسسات حكومية (مثل وكالات الأنباء الرسمية) تهدف لتنفيذ أجندة سياسية (خاضعة لمنطق السلطة). هذه الضغوط تدفعها حتماً نحو "الفعل الاستراتيجي".
- الإعلام كجزء من "عالم المعيش": في الوقت نفسه، يُفترض أن الإعلام هو الركيزة الأساسية لـ "الفضاء العمومي" (أحد مكونات عالم المعيش). وظيفته المثالية هي تغذية النقاش العام بالمعلومات العقلانية والنقدية، أي ممارسة "الفعل التواصلي".
هنا يكمن التناقض: كيف يمكن لمؤسسة تعمل بمنطق "النظام" (الاستراتيجي) أن تخدم غايات "عالم المعيش" (التواصلي)؟
3. قياس "فاعلية الأداء" الإعلامي من منظور هابرماسي
عندما نتحدث عن فاعلية أداء المؤسسات الإعلامية، يكشف لنا هابرماس أن هناك مقياسين متعارضين للفاعلية:
3.1. الفاعلية الاستراتيجية (فاعلية النظام)
وفقاً لهذا المقياس، تكون المؤسسة الإعلامية "فعّالة" إذا نجحت في:
- تحقيق الأهداف التنظيمية: زيادة الأرباح، توسيع الحصة السوقية، أو (في حالة الإعلام الرسمي) ضمان الولاء السياسي.
- ممارسة النفوذ: القدرة على "حشد وتعبئة الجماهير" خلف رؤية معينة، حتى لو كانت هذه الرؤية تخدم مصالح "القوى المسيطرة" (Dominant Forces).
- التحكم بالخطاب: "إعادة تشكيل الحقائق الاجتماعية" بما يتفق مع أهداف النخبة السياسية أو الاقتصادية.
هذا النوع من الفاعلية هو نجاح "استراتيجي" بامتياز، ولكنه من منظور هابرماس، يمثل فشلاً "تواصلياً" ذريعاً لأنه يقوض أسس النقاش العقلاني.
3.2. الفاعلية التواصلية (فاعلية عالم المعيش)
أما المقياس النقدي المستند إلى نظرية الفعل التواصلي، فيرى "الفاعلية" بشكل مختلف تماماً. تكون المؤسسة الإعلامية "فعّالة" إذا نجحت في:
- خلق فضاء عمومي نقدي: توفير منصة للحوارات الجماعية العقلانية التي تتحدى الخطاب الرسمي المهيمن.
- تعزيز العقلانية التواصلية: الالتزام بادعاءات الصلاحية (الحقيقة، الصواب، المصداقية) ورفض "التواصل المشوه".
- تحقيق الاستقرار عبر الإجماع: المساهمة في استقرار المجتمع ليس عبر "التعبئة" القسرية، بل عبر بناء "إجماع" (Consensus) حقيقي قائم على التفاهم المتبادل حول القضايا العامة.
4. تطبيق النظرية: الإعلام الرسمي و"استعمار الخطاب"
يُظهر التطبيق العملي للنظرية، كما أشار الملخص البحثي المرفق حول وكالة أنباء الشرق الأوسط (كمثال للإعلام الرسمي)، كيف يتجلى هذا الصراع.
4.1. تأكيد فرضية "القوى المسيطرة"
تتفق نتائج دراسات الحالة (مثل دراسة وكالة الأنباء المصرية) مع رؤية هابرماس (والنظرية النقدية بشكل عام) حول تأثير القوى المسيطرة. عندما يتحول الإعلام الرسمي إلى "داعم لرموز النظام السياسي الحاكم" بدلاً من "التعبير عن مصالح الدولة" أو المجتمع، فهذا يعني:
- هيمنة الفعل الاستراتيجي: يتم استخدام الإعلام كأداة "نظام" (سلطة) لخدمة مصالح فئة معينة.
- استعمار عالم المعيش: يتم قمع "الخطاب العقلاني النقدي" لصالح "الخطاب الرسمي" الموجه.
- إنتاج "التواصل المشوه" (Distorted Communication): وهو الإعلام الذي يبدو ظاهرياً أنه يقدم "معلومات" (فعل تواصلي)، لكنه في باطنه يهدف إلى "التوجيه" و"الهيمنة" (فعل استراتيجي).
4.2. فشل "التعبئة" كفاعلية حقيقية
أشار الملخص إلى "عدم دعم النتائج" لفرضية قدرة الإعلام (بهذا الشكل) على تحقيق "استقرار المجتمعات" عبر "حشد وتعبئة الجماهير". هذا يتسق تماماً مع منطق هابرماس.
- التعبئة القائمة على "الفعل الاستراتيجي" (الدعاية، تلميع الرموز) لا تنتج "استقراراً" حقيقياً، بل تنتج "طاعة" مؤقتة أو "لامبالاة" (Cynicism) جماعية.
- الاستقرار الحقيقي (التضامن الاجتماعي) لا يمكن أن ينشأ إلا من "عالم المعيش" عبر "الفعل التواصلي"، أي عبر الاقتناع الحر والعقلاني.
- عندما تفشل المؤسسة الإعلامية في أن تكون ساحة للتفاهم، فإنها تفقد "فاعليتها التواصلية"، حتى لو بدت "فعّالة" استراتيجياً في المدى القصير.
5. الخلاصة: نحو أنماط اتصالية جديدة
تكمن القيمة الحقيقية لـ نظرية الفعل التواصلي في أنها لا تقدم تشخيصاً للأزمة فحسب، بل تلمح أيضاً إلى الحل. الحل، كما يراه هابرماس وأكدته النتائج البحثية، يكمن في "ضرورة خلق أنماط اتصالية جديدة".
إن فاعلية أداء المؤسسات الإعلامية الحقيقية لا تقاس بقدرتها على "الهيمنة" على الخطاب، بل بقدرتها على "تحرير" الخطاب. وهذا يتطلب:
- التحرر من "النظام": السعي نحو استقلالية الإعلام (سواء عبر نماذج التمويل العام، أو المواثيق التحريرية الصارمة) لفصله عن الضغوط المباشرة للسلطة والمال.
- تبني العقلانية النقدية: الانتقال من "الإعلام الرسمي" (الذي يكرس ما هو قائم) إلى "الإعلام النقدي" (الذي يتساءل ويحاور).
- إحياء الفضاء العمومي: أن ترى المؤسسات الإعلامية دورها ليس كـ "مرسل" لرسائل أحادية الاتجاه، بل كـ "منصة" (Platform) لحوارات جماعية تتيح لـ "قوة الحجة الأفضل" أن تسود.
في عالمنا المعاصر الذي تهيمن عليه خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي (التي هي شكل متقدم من "الفعل الاستراتيجي" الموجه بالربح) والأخبار الزائفة، يصبح "الفعل التواصلي" لهابرماس ليس مجرد نظرية سوسيولوجية، بل ضرورة أخلاقية وديمقراطية لبقاء فكرة "الفضاء العمومي" على قيد الحياة، وهو المقياس الأوحد لفاعلية أي مؤسسة إعلامية تدعي خدمة المجتمع.
