أحدث كتب

الفلسفة.....كيف فهمتها؟

الفلسفة.....كيف فهمتها؟

الفلسفة.....كيف فهمتها؟


ملخص:

 توصف الفلسفة بأنها «التفكير في التفكير» وهي حب الحكمة والمعرفة. والفلسفة هي البحث الدؤوب في المعرفة من خلال التفكير والتأمل والتدبير في محاولة الإجابة عن الأسئلة الكبرى الوجودية أو الأساسية التي يمثلها الكون والوجود، والمسائل الجوهرية في الحياة والموت والوجود والبحث في ما وراء الطبيعة وغيرها من العلوم.. ذلك شيء.
الشيء الآخر والمختلف، هو الفلسفة كما عرفتها، حيث يرتبط مفهوم الفلسفة في ذاكرتي بحدثان لا يغيبان عن ذاكرتي كلما قرأت شيئا عن الفلسفة، أو سمعت من يتكلم عنها. وفي الحقيقة هما حدثان صدرا من الشخص نفسه، وهو معلمنا في المرحلة الثانوية. الحدث الأول هو عندما انبرى يشرح ما الفلسفة وارجاع المعنى إلى الأصول، يقول بأن محمد علي كلاي أسد، الأسد حيوان، إذن محمد علي كلاي حيوان. هكذا أراد المعلم أن يرجع الشيء إلى أصوله، حسبما يعتقد، فأرجع أصل الإنسان المتمثل في محمد علي كلاي (وكان مشهورا في ذلك الوقت) إلى الحيوان، وهو تفكير قد يكون منطقياً، إذا أرجعنا ذلك إلى أرسطو الذي عرف الإنسان بأنه حيوان عاقل، وأن العقلانية أهم ما يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات. وكذلك ما ذهبت إليه نظرية «أصل الأنواع» لتشارلز داروين، الذي أرجع أصل الإنسان العضوي إلى عالم حيوان (قرد). وليس بعيداً أيضاً ذلك عن معنى الفلسفة عند ديكارت بأن وصفها «بأنها تهتم بعلم الأصول، كعلم الله، وعلم الانسان وعلم الطبيعة. (دون الدخول في تلك المتاهة الفلسفية).
والحدث الثاني هو كنا مرة وكانت المدرسة تنظم احتفالية بمناسبة دينية وكانت القاعة مليئة الضيوف، ومنهم شخصيات دينية وطلبة وكنا في انتظار وزير التربية والتعليم الذي تقام المناسبة تحت رعايته، ولما حان وقت صلاة العشاء، اعتلى الأستاذ المسرح وشرع في إقامة الأذان ثم قام يصلي أمام الجمهور وكأن لا أحد أمامه متجرداً تماماً ومتوحداً مع نفسه. وأذكر أننا سألناه في الفصل عن ذلك التصرف، فرد علينا أنه يفهم الصلاة بأنها علاقة خاصة بينه وبين الله، يؤديها أينما يشاء ووقتما يشاء، وكيفما يشاء، وبتجرد تام، وأضاف عندما أصلي لا أرى أمامي أي شيء آخر، أكون متوحداً متجرداً مع الله.
كنا ننظر لهذا المعلم بأنه شخص غريب الأطوار في التصرفات والكلام كأنه مختل عقليا أو غريب الأطوار، شخص له فلسفة خاصة في الحياة، يدرسنا النظري، لكن هو بنفسه يمارس الفلسفة كما يفهمها، لكن ما يشفع له أنه مدرس فلسفة وبطبيعة الحال الفكرة المأخوذة عن الفلسفة، أو التي تروج لها بأنها علم الجنون، وعلم خارج عن المعقول وميتافيزيقي وينعت مرة بالزئبقي، وأن من الطبيعي من يدرس الفلسفة يوصف بالجنون.
منطقياً ربما هذا المعلم أراد أن يتبع منهج التجريب، فيجرب تلك الأفكار التي قد تكون غريبة على نفسه، ويقول إن الإنسان في سعيه للحقيقة يجب أن يكون متجرداً. لما لا والفلسفة هي الاقتراب من المعني الحقيقي للأشياء والبحث عن مكونها بتجرد.
فهمنا أن الفلسفة هي الخروج عن المألوف والعادي والجنوح نحو الغرائبية. ومن الأشياء الغريبة وغير المألوفة تأتي تصرفات في مقدمتها، تلك التصرفات التي لا يستوعبها الناس ولا يستحسنونها. غالبا ما يجنح الفلاسفة أو الأشخاص الذين يخطون لأنفسهم منهجاً مختلفاً في الحياة، غالباً ما يجنحون لتصرفات قد يراها الناس العوام تصرفات غريبة ويشمئزوا منها، بينما يعتقد ذلك الشخص بأن تلك التصرفات هي تصالح مع نفسه ومع ما يعتقد وعين الحكمة. وقد عرفنا أن كثيرا من الفلاسفة تملكتهم أطوار غريبة وتصرفات ربما يراها الغير لا تستقيم ولا تليق بشخص يدعي المعرفة فما بالك بفيلسوف.
فهذا سقراط مثلاً صرح «بأن الحياة غير المختبرة فكرياً لا تستحق أن تُعاش» وليتناسق مع أفكاره الفلسفية وما ينظره اتبع منهج المنطق والحوار والتجريب، فآثر أن يمضي تائهاً في طرقات أثينا، محاولاً حث الناس على اختبار حياتهم وتغييرها، وبأن المنطق والعقل هو أساس للتفكير السليم والفهم، لكن ذلك لم يرق للناس في أثينا لدرجة، كما يقال، كره ما يفعله وملوا من كثرة استفساراته المستمرة منه.
ففي حياتنا صادفنا أشخاصا كثيرين ربما كانوا مختلفين في طريقة تفكيرهم وتصرفاتهم وملبسهم، وكان يقال عنهم إنهم متفلسفون، وكنا نسمع كلمة (التفلسف) تتكرر كثيراً، لأولئك الناس. لا أدري ما الذي قادهم إلى تلك الأشياء غير المألوفة؟ وببساطة جداً ترسخت في تفكيرنا لفترة من الزمن أن الفلسفة شيء غير مألوف وشيء غير طبيعي، والتفلسف وهو الخروج عن المألوف الذي ألفة الناس، سواء كان ذلك الخروج في الكلام أو المنطق أو التسليم بالأشياء بديهياً، أو التفكير. ويتعدد ذلك الخروج عن المألوف (المألوف الذي كان بسيطاً جداً) في المظهر والملبس كلبس النظارة الشمسية أو الملابس الغريبة أو حلق اللحية، وغيرها من الأشياء الغريبة عن المجتمع. بمعنى كل شيء غريب يقال له فلسفة.

أولئك الأشخاص الذين يخرجون عن المألوف ويسلكون مسلكاً مختلف ما الذي أثارهم وما الذي أثار الفضول لديهم وما كان يدور في عقولهم، هل هو حب المعرفة أو الحكمة أو رغبتهم في التميز عن الآخرين، هل هي الدهشة التي ولدت لديهم حب المعرفة والبحث عنها، حسب أرسطوطاليس «الدهشة هي أول باعث على الفلسفة» ربما تلك وربما شيء مختلف.
أولئك الأشخاص ربما قد لا يفصلهم عن الجنون إلا شيء بسيط حسبما يراه العامة من الناس، لكن في الحقيقة هم أشخاص متميزون قادتهم الأشياء والدهشة (حسب تعبير أرسطوطاليس) إلى ذلك النوع من التفكير في البحث عن ماهيتها، وربما توصلوا إلى قناعة تامة بأنها هي الحقيقة لذلك جسدوا تلك الحقيقة التي يرونها وتصالحوا مع أنفسهم، ربما كان بيننا فلاسفة أو يحملون جينات فلسفية دون أن نعي ذلك.
الفلسفة بمعني آخر وكما اعتقدنا وتولد لدينا في وقت مبكر جداً من حياتنا شيء يجب عدم الاقتراب منه، وكأن شيئا مبطنا وتحذيرا مخفيا بأن لا نفكر في الأشياء التي حولنا، ولا نحاول أن نجد تفسيرا لها مخالفا للتفسيرات الموجودة والمرسخة والمسلم بها، ولعل ذلك عائد إلى سلطة التفكير الديني الذي يرد كل شيء في الكون إلى الله خالقه، دون عناء التفكير، وإن التفكير في ما دون ذلك هو نوع من الهرطقة والجحود بقدرة الله. لدرجة أن أصبحت الفلسفة وكأنها من المحرمات والمحظورات، لذلك يوسم كل شيء غريب بالتفلسف، حتى بمجرد ما شرعت التفكير في شيء أو بدأت الحديث عنه بشكل مختلف، عما هو سائد، مستخدماً المنطق والحجج والبراهين في ذلك توسم مباشرة بالمتفلسف والشخص الفيلسوف.
ما أريد أن أقوله وأسترجعه الآن بمزيد من الشغف هو أن منطق الأشياء هو البحث في المعرفة، من خلال التفكير والتأمل، ولعل تلك التصرفات التي أتى بها (المتفلسفون) قد لا يخلو من الصواب، تملكتهم الدهشة وتولدت لديهم الأسئلة وقادهم تفكيرهم إلى البحث عن ماهيتها ووصلوا إلى حب الحكمة، وإن استخدموا في ذلك وسائل يرونها صحيحة ويراها البعض ضرب من الجنون. ربما كانوا فلاسفة بيننا دون أن نعي.
-------------------
بدر الشيدي - عمان

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-