📁 آخر الأخبار

كتاب الموضوعية في العلوم الإنسانية عرض نقدي لمناهج البحث.pdf

الموضوعية في العلوم الإنسانية عرض نقدي لمناهج البحث.pdf

الموضوعية في العلوم الإنسانية عرض نقدي لمناهج البحث.pdf


مقدمة


نقدم بين يدى القارئ محاولة تسعى إلى احتواء الطابع الإشكالي للعلوم الإنسانية الذى يبدو في النوعية المتفردة لموضوعها من جهة، وفي العلاقة المتميزة بين الباحث وموضوعه من جهة أخرى. ويمكننا أن نضيف أن اسمها نفسه ما يزال محل خلاف فهناك الكثير من التسميات التي يؤثر أصحابها أن تطلق على مجموع البحوث والدراسات التي تتعلق بالإنسان ونشاطه المتميز عن سائر الكائنات.

ومن أمثال هذه التسميات: العلوم الاجتماعية والعلوم الثقافية، والعلوم السلوكية ، والعلوم العقلية أو الروحية، والعلوم المعنوية. فأما مصطلح للعلوم الاجتماعية فهو أقرب أن يكون مرادفاً لمصطلح العلوم الإنسانية، فالإنسان مهما يكن من تنوع سلوكه وتفرده لابد أن يكون منضوياً في سباق اجتماعي. وقد صدر هذا المصطلح عن التقاليد الفكرية الأنجلو ساكسونية التي تستخدم مصطلح انسانیات Humanities للدلالة على الآداب والفلسفات والدراسات المعيارية وهو ما لا ينبغي أن يغلط بالعلوم.

ويعد مصطلح العلوم السلوكية نتيجة لغلبة الاتجاهات الوضعية والتجريبية في التقليد الأمريكي بوجه خاص حيث يكون ذلك المصطلح امتدادا وتوسعا للمدرسة السلوكية في علم النفس يستوعب كل علوم الإنسان والمجتمع على المستوى الفردي والجمعي على السواء. وتنطوي التسمية على اعتقاد بأن ليس من شأن العلم سوى دراسة السلوك الخارجي الظاهر المقيس لكافة ضروب نشاط الإنسان فرداً كان أو جماعة.

أما مصطلح العلوم العقلية أو الروحية فيرد إلى التقاليد الألمانية المثالية والعقلانية التي فرقت بين علوم الطبيعة وعلوم الروح Geistswissenschaften على أساس أن الإنسان وحده هو الذي يتميز بالروح أو النفس أو العقل.

ويقابل هذه التسمية في فرنسا مصطلح العلوم المعنوية Morales، حيث يقصد بالمعنوى ما هو عقلى أو نفس أو روحى في مقابل ما هو عادي الذي تتعلق به العلوم الطبيعية، غير أن التسمية السائدة في فرنسا هي العلوم الإنسانية، ويتوسط التقليدين الانجلو ساكوني من جهة والألماني والفرنسي من جهة أخرى تقليد الصحاب مصطلح العلوم الثقافية الذين يرون في القيم والأعراف والمعايير محور نشاط الإنسان الذي تهدر أن تدور الدراسات من حوله.

ومهما يكن من أمر تعدد التسميات التي تشى بوجهة نظر خاصة لطبيعة موضوع البحث في تلك العلوم، إلا أنها جميعاً لا تعلن نفورا من مصطلح العلوم الإنسانية" الذي يشفع له استخدامه لدى المنظمات الدولية، وخاصة اليونسكو عنواناً على العديد من لجانها وأنشطتها.

وقد آثرنا ذلك المصطلح لمبررات كثيرة. ففضلاً عن ذيوعه وانتشاره فإنه يفضل التسميات الأخرى لأنه يتسع لكل العلوم التي تبحث في الإنسان كعلم النفس والتاريخ إذا ما ذهب البعض إلى استبعادهما من العلوم الاجتماعية". كما أنه يصلح
مظلة مشتركة تضم تحتها، أو تفرض الحوار بين جوانب النزاع التقليدي في فلسفة العلم بين أصحاب النزعة الطبيعية وأنصار النزعة الإنسانية. فهنا يكون في وسعنا أن نناقش وجهات النظر على قدم المساواة وعندئذ نعرض لموقف القائلين بأن ما يطبق في مجال الطبيعة يجدر بالاحتذاء في شؤون الإنسان.

كما نناقش موقف من يرون في الإنسان جوهرا يعصى على مناهج علوم الطبيعة والتسمية بالعلوم الإنسانية إلى جانب إيحائها بالطابع الاشكالي لهذه العلوم، تفسح الطريق أمام تعقب الآثار والمتضمنات الفلسفية والأيديولوجية فيها، وخاصة تلك التصورات المختلفة عن الإنسان والطبيعة الإنسانية، وغير ذلك من أمور.

ولقد بلغنا من ثنايا البحث في الفصل الأول اقتناعا بأن الموضوعية هي المشكلة الأساسية لهذه العلوم حيث لم نقف في فهمنا للموضوعية عند دلالتها السلبية التي تجعلها امتفاعا عن التأثر بالتحيزات ، بل جعلناها للمحور الذي تدور من حوله جهود العلماء في التصدي للتحديات والصعاب التي تواجه البحث في العلوم الإنسانية من جهة النوعية الخاصة بموضوع البحث نفسه، ومن جهة علاقة الباحث بهذا الموضوع. وبهذا تصبح قضية الموضوعية في هذه العلوم هي بعينها قضية تأسيس المشروع العلمي من حيث تصور طبيعته، وإمكان قيامه، وطرق تحققه.


تحميل كتاب الموضوعية في العلوم الإنسانية عرض نقدي لمناهج البحث.pdf

تعليقات