كيف تتشكل تلك الروابط الخفية التي توجه مشاعرنا وسلوكياتنا منذ الصرخة الأولى في المهد وحتى أعماق تجاربنا الروحية والوجودية؟
يُقدم كتاب "سيكولوجية التعلق: خفايا الارتباطات الإنسانية من الوالدين إلى الله" دراسة نفسية متخصصة وموسعة تبحث في تطور السلوك التعلقي بوصفه نزعة فطرية وآلية تكيفية تهدف إلى حفظ البقاء وتحقيق الأمان النفسي. ينطلق المؤلفان من أطروحة مفادها أن التعلق لا ينحصر في العلاقة المبكرة بين الرضيع وأمه، بل يمتد كنسق حيوي ودينامي يحكم تفاعلات الإنسان عبر جميع مراحل نموه؛ ليشمل الارتباط بالأجداد، الصداقة بين الأقران، الحنين إلى الماضي (النوستالجيا)، العلاقة الروحية بالمقدس (التعلق بالله)، وصولاً إلى فهم الانحرافات والاضطرابات الناتجة عن بيئات الحرمان وسوء الرعاية المبكرة.
نبذة عن المؤلف
أ.م. علي عبد الرحيم صالح: أستاذ مشارك وباحث في علم النفس بكلية الآداب – جامعة القادسية في العراق. له العديد من الدراسات المنشورة في المجلات الأكاديمية المحكمة في مجالات علم النفس المعرفي، الشخصية، وعلم النفس الديني، وتطوير المقاييس السيكومترية المقننة للبيئة العربية.
حامد عاجل عبد الخالدي: باحث في علم النفس وتدريسي في معهد الفنون الجميلة التابع لمديرية تربية الديوانية، حاصل على الماجستير في علم النفس من جامعة القادسية، وله أبحاث متخصصة في سيكولوجية العلاقات الزوجية والنوستالجيا وأنماط التعلق لدى الراشدين.
غلاف كتاب سيكولوجية التعلق.pdf
مقدمة الكتاب:
لم تكن الدراسات الايثولوجية التي تهتم بدراسات السلوك الحيواني ذات تأثير على دراسات علم نفس النمو قبل منتصف القرن العشرين، إلا أن قراءة بولبي مسودة كونراد لورنس عام 1952، فتحت أبواب جديدة من العلم السيكولوجي، إذ قال بولبي حينها لقد حان الوقت لأتحاد مفاهيم التحليل النفسي مع مفاهيم علم السلوك الحيواني، بهدف الحصول على نتائج بحثية مثمرة جراء هذا الاتحاد. لذلك كانت هذه البداية نحو تقديم هذا العالم الفذ مفهوم التعلق في دراسات التطور الإنساني، الذي وجد أن البشر لديهم استعدادات فطرية تعمل على بقائهم وحفظ نوعهم من الانقراض، إذ يظهر التعلق كسلوك فطري يقوم به الأطفال من أجل إبقاء مقدم الرعاية إلى جانبهم ورعايتهم، مثل سلوك الابتسام والتحديق بوجه الأم وسلوك الرضاعة.. وغيرها، فنجد أن هذه السلوكيات تثير عاطفة الأم، وزيادة ارتباطها برضيعها، والاستجابة لحاجاته البيولوجية.
أثار هذا المفهوم دافعية الكثير من علماء النفس، وحاولوا تطويره، والبحث عنه في مجال العلاقات الاجتماعية المتعددة، وتوصلوا إلى أن التعلق لا يتحدد بعلاقة الرضيع مع والديه فحسب، وإنما يظهر في جميع مراحل الحياة، ويمكن أن يمتد إلى خارج الأسرة، وهذا ما تناوله الكتاب عبر فصوله الستة، إذ تضمن الكتاب مجموعة من الارتباطات العاطفية التي تتمثل بـ:
الفصل الأول: يتناول مفهوم التعلق وتطوره وأنماطه ونظرياته الأساسية.
الفصل الثاني: تناول كيفية تشكيل الطفل علاقته بأجداده، لاسيما عندما يغيب الوالدين بسبب الطلاق والسفر والموت.
الفصل الثالث: تضمن تعلق الطفل بأصدقائه، ومدى تأثير جودة الصداقة على حياة الطفل واكتسابه المهارات الاجتماعية والتعلم، وشعوره بالرفاهية.
الفصل الرابع: أهتم بدراسة تعلق الأفراد بماضيهم السابق، لاسيما عندما لا يجدون في الحاضر المتعة والراحة والاستقرار، لذلك يحتمون بالماضي من ألم الحاضر.
الفصل الخامس: ركز على تعلق الفرد الروحي بالله، إذ وجدت الدراسات أن هناك نمطين من التعلق الديني، أحدهما يميل إلى التعلق بالله وطلب حمايته ورضاء، في حين يتجنب الآخر هذه القوة المقدسة ويغضب عليها، ويصبح غير مهتم بها.
الفصل السادس: أهتم بدراسة انحراف التعلق عن مساره الطبيعي وذلك عندما ينشأ الأطفال في بيئات اجتماعية قاسية وعنيفة.
فضلا عن الفصول السابقة قام المؤلفان بوضع مجموعة من المقاييس المحلية والأجنبية في دراسة أنواع التعلق، لاعتقادهما أن توفير بعض الأدوات يمكن الباحثين الأخرين من دراسة التعلق، والتوصل إلى نتائج جديدة، تغني هذا الموضوع أو تكتشف أنماط جديدة في التعلق.
ويأمل المؤلفان أن يقدم هذا الكتاب خدمة للباحث العربي، وأن يحتوي على أضافات أصيلة في موضوع التعلق، ويملآن النواقص الموجودة في المكتبات المحلية والعربية في علم النفس، لاسيما أن الدراسات السيكولوجية قليلة، وأن بعضها مكرر من دون تقديم أي جديد للقارئ والباحث العربي.