كتاب مقدمات فى علم النفس – جاك كوسنييه: من الفلسفة إلى علم الاتصال.

من الروح إلى الاتصال: كيف تحول علم النفس من تأملات الفلاسفة إلى علم قائم بذاته؟ – قراءة في كتاب جاك كوسنييه

​مقدمة: أزمة هوية علم النفس

​ما الذي يجعل من "علم النفس" علمًا، وهل يمكن حقًا دراسة النفس التي لا تُرى بالوسائل التجريبية ذاتها التي ندرس بها الذرة أو الخلية؟ هذا السؤال الجوهري الذي يطرحه الفيلسوف وعالم النفس الفرنسي جاك كوسنييه (Jacques Cosnier) في كتابه التأسيسي "مقدمات فى علم النفس" (Clefs pour la psychologie)، يكشف عن حقيقة قد تكون صادمة للقارئ غير المتخصص: "لم يتم الاتفاق بعد على موضوع علم النفس ولا على تحديده". ينطلق كوسنييه من هذه الفرضية النقدية ليبني رحلة معرفية شائقة عبر تاريخ هذا العلم المضطرب، متتبعًا تحولاته الجذرية من خطاب فلسفي حول الروح إلى دراسة السلوك، وصولًا إلى ما يراه مستقبل هذا المجال: علم الاتصال.

مقدمات فى علم النفس - جاك كوسنييه.
غلاف كتاب مقدمات فى علم النفس - جاك كوسنييه.

​علم النفس: مفهوم متعدد الدلالات وأزمة التحديد

​يبدأ كوسنييه كتابه بمواجهة القارئ بحقيقة مربكة، وهي أن عبارة "علم النفس" تحمل أوجهًا عديدة متناقضة. ففي الوقت الذي يتوزع فيه تعليم هذا العلم بين كليات العلوم والآداب والطب، تتنازعه ثلاثة اتجاهات رئيسية: علم الإحياء من جهة، وعلم الاجتماع من جهة أخرى، والفلسفة من كل الجهات. ويعلق كوسنييه بسخرية على هذا الوضع بقوله: "إن تعدّد الدوغاتية الملازم لعلم النفس لا يسمح بتحقيق هذا العلم إلا نادرًا".

​ويضرب مثالًا تاريخيًا لافتًا بأن غالبية أعلام علم النفس لم يكونوا في الأصل نفسانيين بالمعنى الأكاديمية الضيق؛ فبافلوف كان عالم فيزيولوجيا، وفرويد طبيب أعصاب، ولورنز عالم حيوان، وبياجيه دكتور في العلوم. هذه الخلفية المتنوعة أثرت العلم ولكنها زادت من تعقيد تعريف هويته. ويعود بنا الكاتب إلى أصل الكلمة، حيث ظهرت عبارة "علم النفس" لأول مرة في كتاب "علم النفس التجريبي" (1732) و"علم النفس العقلاني" (1734)، مشيرًا إلى أن الاسم يختزن إشكالية الروح التي ناقشها الفلاسفة واللاهوتيون طويلًا.

اقتباس من الكتاب:

"بعد خمسين سنة من الجهود المبذولة، تبين أن علم النفس لا يمكن أن يكون دراسة النفس. وكلمة النفس في عبارة 'علم النفس' تولد اللبس ولا تقدم العلم."

​المراحل التاريخية الثلاث لعلم النفس

​يُقسّم كوسنييه التطور التاريخي لعلم النفس إلى ثلاث مراحل كبرى، مستعيرًا أحيانًا نقد الفيلسوف جورج بوليتزر (Georges Politzer) اللاذع الذي وصف علماء النفس في بداياتهم بأنهم "علميون تمامًا كما يكون المتوحشون الذين بشروا بالإنجيل مسيحيين".

​1. المرحلة الفلسفية: خادم الفلسفة

​في هذه المرحلة، كان علم النفس مجرد فصل من فصول الفلسفة، حيث لعبت الثنائية الديكارتية دورًا محوريًا في إبراز النفس أو الوعي كموضوع مستقل للدراسة. لكن كوسنييه يوضح أن هذه المرحلة أبقت علم النفس حبيس الخطاب الميتافيزيقي حول علاقة الجسد بالروح، مما جعله علمًا نظريًا لا يؤدي إلى نتائج عملية حقيقية.

​2. علم الحياة النفسية: غزو الطريقة التجريبية

​مع تقدم العلوم الفيزيولوجية واكتشافات مثل قانون الطاقة الخصوصية للأعصاب وقياس سرعة السائل العصبي، حاول علماء النفس تطبيق الطريقة التجريبية على الظواهر النفسية. يمثل ج. فكنر (G. Fechner) هذه المرحلة من خلال قانون "فيبر-فكنر" الذي يربط الإحساس بالمنبه الخارجي. لكن كوسنييه يحذر من السذاجة التي اعتقدت أن هذا كاف لجعل علم النفس علمًا فعليًا، مشيرًا إلى أن علم النفس التجريبي بقي متمركزًا حول الاستبطان (Introspection)، وهو ما يعيبه بوليتزر كونه "الابن غير الشرعي للجسد الديكارتي".

​3. علم السلوك: القطيعة مع الشعور

​هنا يأتي التحول الجذري مع المدرسة السلوكية بقيادة واطسون (Watson) الذي أعلن "البيان السلوكي" ورفض دراسة الشعور لصالح دراسة السلوك الظاهر. يرى كوسنييه أن هذا "النفي الجذري لعلم النفس الكلاسيكي" كان خطوة ضرورية، لكنه لا يخفي حدود النموذج السلوكي البسيط مثير-استجابة، داعيًا إلى تجاوزه نحو نماذج أكثر شمولية تعتمد على نظرية المعلومات كما صاغها شانون.

​نحو علم النفس المعاصر: علم الاتصال ونظرية المعلومات

​يصل كوسنييه إلى خلاصته الأساسية في الفصول الأخيرة، مؤكدًا أن علم النفس الحديث قد تحول بفعل تأثير الإيثولوجيا (علم سلوك الحيوان) والألسنية (علم اللغة) إلى علم للاتصال. يرى الكاتب أن "النفساني هو دائمًا في وضعية اتصال، مع أنه يجهل ذلك تمامًا كمثل مسيو جوردان الذي كان يتكلم النثر دون أن يكون واعيًا لذلك".

​يستعير كوسنييه نموذج شانون للاتصال ليفسر السلوك الإنساني:

  • ​المرسِل والمتلقّي: يحتاج كل منهما إلى كفاية (فيزيولوجية ومعرفية) معينة.
  • ​الرسالة والقناة: تخضع لتشويش (الضوضاء) يجب تقليله.
  • ​الترميز وفك الرموز: وهو جوهر العملية النفسية.

اقتباس من الكتاب:

"كل نشاط وكل كلمة إنسانية مشروطان وخاضعان لتنظيم صارم يُقتضى تحليلها... فالنفساني يلتقط الإشارات التي يصدرها المفحوص".

​من لغة النحل إلى اللغة البشرية: الإيثولوجيا وعلم النفس

​يخصص كوسنييه جزءًا مهمًا للحديث عن الإيثولوجيا التي أسسها كونراد لورنز، موضحًا أن التواصل الحيواني يقوم أساسًا على وظائف المناداة و التعبير، بينما تتميز اللغة البشرية بظهور الوظيفة الرمزية أو المرجعية. ويضرب مثالًا باهرًا بـ لغة النحل التي اكتشفها فون فريش، حيث ترقص النحلة لتحديد مكان الطعام ومسافته، وهي منظومة اتصال متقنة ولكنها تظل محدودة بالبرنامج الوراثي.

​وعلى عكس الحيوان، يستطيع الإنسان بفضل الوظيفة الرمزية أن يحرر تطوره من البطء البيولوجي لينطلق في بناء الثقافة والعلم. ويختتم كوسنييه هذا الفصل بالتأكيد على أن مهمة النفساني المعاصر هي تحليل الصميمة الفطرية (الاستعدادات البيولوجية) ودراسة كيفية تفعيلها في المحيط الاجتماعي.

​خاتمة: درهم وقاية خير من قنطار علاج

​في القسم الأخير، يطرح كوسنييه سؤالًا مصيريًا: "من يمارس علم النفس؟". ينتقد المؤلف حالة التعليم الجامعي في فرنسا آنذاك، مشيرًا إلى أن 80% من الطلاب يدرسون علم النفس ليصبحوا ممارسين، بينما دراستهم نظرية بحتة لا تؤهلهم للميدان. يدعو كوسنييه إلى إصلاح جذري للتكوين الجامعي بحيث يصبح علم النفس علمًا تطبيقيًا يفيد المجتمع مباشرة، عبر تنمية الوظيفة النفسانية (الاتصالية) لدى كل من سيستعملها من أطباء ومعلمين ومهندسين.

​ينتهي الكتاب بتصور مستقبلي يتجاوز فيه كوسنييه عبارة "علم النفس" البالية لصالح علم الاتصال، حيث يُعتبر الكائن البشري "منظومة قادرة على الترميز وفك الرموز"، في محاولة أخيرة لإنقاذ هذا العلم من التناقضات التاريخية التي حاصرته منذ نشأته.

​بطاقة معلومات الكتاب

البند التفاصيل
عنوان الكتاب مقدمات فى علم النفس (Clefs pour la psychologie)
المؤلف جاك كوسنييه (Jacques Cosnier)
سنة النشر 1982م
المحتوى الرئيسي تاريخ علم النفس، نقد الاستبطان، السلوكية، الإيثولوجيا، الألسنية، علم الاتصال، نظرية المعلومات.
الجمهور المستهدف طلاب علم النفس، الباحثون في العلوم الإنسانية، المهتمون بتاريخ الأفكار.
 

رابط التحميل

​يمكنك تحميل الكتاب كاملاً بصيغة PDF من الرابط التالي:

اضغط هنا لتحميل كتاب "مقدمات فى علم النفس"

​أسئلة شائعة (FAQ)

س: من هو جاك كوسنييه وما أهميته في علم النفس؟

ج: جاك كوسنييه هو فيلسوف وعالم نفس فرنسي معاصر، اشتهر بمحاولاته التوفيقية بين مختلف تيارات علم النفس، وبدعوته إلى اعتماد نموذج الاتصال كإطار موحد لدراسة السلوك البشري والحيواني.

س: كيف ينتقد الكتاب المدرسة السلوكية التقليدية؟

ج: يرى كوسنييه أن السلوكية التقليدية (مثير-استجابة) كانت ضرورية لنفي علم النفس الاستبطاني، لكنها قاصرة عن تفسير تعقيد السلوك البشري، ويدعو إلى تجاوزها بنموذج اتصالي أكثر شمولية يأخذ بعين الاعتبار قدرات الكائن الحي الفطرية وسياق التفاعل.

س: ما الفرق بين "اللسان" و"الكلام" وفقًا لما ورد في الكتاب؟

ج: يعتمد كوسنييه على تقسيم دي سوسور، موضحًا أن "اللسان" هو النظام الاجتماعي المجرد للإشارات والقواعد المشتركة بين أبناء اللغة الواحدة، بينما "الكلام" هو الاستعمال الفردي والعيني لهذا النظام في مواقف التواصل اليومية.

س: لماذا يقترح كوسنييه التخلي عن عبارة "علم النفس"؟

ج: لأن عبارة "علم النفس" تحمل في طياتها إرثًا فلسفيًا يشير إلى النفس أو الروح كجوهر غامض، وهو ما لا يتوافق مع الطابع العلمي الحديث الذي يركز على دراسة السلوك وعمليات الاتصال القابلة للملاحظة والقياس.

قد يهمك: تحميل كتاب مدخل إلى علم النفس - ليندا دافيدوف PDF

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق