📁 آخر الأخبار

قراءة تحليلية في كتاب "أرخبيلات ما بعد الحداثة": تفكيك رهانات الذات بين الانغلاق والانعتاق

 قراءة تحليلية في كتاب "أرخبيلات ما بعد الحداثة": تفكيك رهانات الذات بين الانغلاق والانعتاق

​يُعد كتاب "أرخبيلات ما بعد الحداثة: رهانات الذات الإنسانية من سطوة الانغلاق إلى قرار الانعتاق" للباحث الجزائري الدكتور محمد بكاي، الصادر عام 2017، وثيقة فلسفية ونقدية هامة تسعى لاستنطاق التحولات العميقة التي مست البنية المعرفية والوجودية للإنسان المعاصر. في ظل سيولة المفاهيم وتشظي المرجعيات الكبرى، يقدم بكاي خريطة معرفية – أو "أرخبيلات" – لمحاولة فهم موقع الذات الإنسانية في عالم ما بعد الحداثة، ذلك العالم الذي يموج بالأسئلة المقلقة حول الهوية، العولمة، الفن، والوجود.

​تهدف هذه المقالة إلى تقديم مراجعة أكاديمية شاملة للكتاب، مستعرضة محاوره الأربعة (الأرخبيلات)، ومحللةً رؤية المؤلف لكيفية انتقال الذات من حالة "الانغلاق" العقائدي أو الهوياتي إلى فضاء "الانعتاق" الإنساني الرحب.

​المقدمة: ما بعد الحداثة.. من اليقين إلى القلق

​يستهل الدكتور محمد بكاي مشروعه النقدي بتشخيص "الحالة" الراهنة، مستعيراً مفهوم جان فرانسوا ليوتار عن "الوضع ما بعد الحداثي". لم تعد الحداثة بتفاؤلها العقلاني ويقينياتها العلمية قادرة على تقديم إجابات شافيّة لقلق الإنسان المعاصر. يشير الكتاب إلى أن مصطلح "ما بعد الحداثة"، الذي انتشر في الأدبيات الأنجلوسكسونية منذ خمسينيات القرن الماضي واكتسب زخماً في الثمانينيات، ليس مجرد حقبة زمنية تلي الحداثة، بل هو "حالة ذهنية" و"موقف فلسفي" يتسم بالشك تجاه السرديات الكبرى (Grand Narratives).

​يرصد المؤلف كيف أن هذا التحول النموذجي (9Paradigm Shift) لم يترك حقلاً معرفياً إلا ومسه، من الفلسفة والسياسة إلى اللغة والسوسيولوجيا. إن الهدف الناظم لهذا الفكر هو "أشكلة" (Problematization) المسلمات ونقد الأسس التي قامت عليها الحداثة الغربية، لا سيما تلك المتعلقة بمركزية العقل وهيمنة النموذج الغربي.


أرخبيلات ما بعد الحداثة : رهانات الذات الإنسانية من سطوة الانغلاق إلى قرار الانعتاق
غلاف كتاب أرخبيلات ما بعد الحداثة محمد بكاي.

الأرخبيل الأول: تفكيك الحداثة.. نهاية السرديات الكبرى

​في هذا المحور التأسيسي، يغوص المؤلف في البنية المفاهيمية لما بعد الحداثة. لا يقدم بكاي هذا المفهوم كقطيعة عدمية مع الماضي، بل كصيرورة نقدية ضرورية.

​1. سقوط المركزية

​يناقش الكتاب كيف تميزت الحداثة بالإيمان المطلق بـ"المركز": مركزية العقل، مركزية الإنسان الأوروبي، ومركزية الحقيقة الواحدة. في المقابل، تأتي ما بعد الحداثة لتعلن "موت المركز" وتشظي الحقيقة. يحلل المؤلف كيف أدى هذا الرفض للأيديولوجيات الشمولية (كالليبرالية المطلقة أو الماركسية التقليدية) إلى حالة من السيولة المعرفية.

​2. من التفسير إلى التأويل

​ينقلنا الكتاب إلى فهم أن المعنى لم يعد معطى جاهزاً، بل عملية مستمرة من البناء والتفكيك. يتميز هذا "الأرخبيل" بالتركيز على اللعب الحر للدوال، حيث تصبح اللغة أداة لإنتاج الواقع لا مجرد مرآة عاكسة له. يرى بكاي أن تجاوز التناقضات لا يعني حلها نهائياً، بل قبول التعايش معها كجزء من بنية الواقع المعقد.

​الأرخبيل الثاني: الهوية والتفرد.. الذات في مهب التغيير

​لعل أخطر ما يواجهه الإنسان في عصر ما بعد الحداثة هو سؤال: "من أنا؟". يخصص الدكتور بكاي هذا الأرخبيل لمعالجة أزمة الهوية، مبتعداً عن التعريفات الجوهرانية الثابتة.

​1. الهوية السائلة

​يستعير التحليل مفاهيم قريبة من "الحداثة السائلة" لزيجمونت باومان، حيث يؤكد الكتاب أن الهوية لم تعد "قدراً" ثابتاً يولد به الإنسان، بل هي "مشروع" قيد التشكل الدائم. يرفض المؤلف الانغلاق الهوياتي الذي يسجن الذات في قوالب العرق أو الجندر أو الطائفة، داعياً إلى هوية ديناميكية تتغذى من التفاعل مع الآخر.

​2. جدلية الأنا والآخر

​يبرز الكتاب أهمية "الغيرية" (Alterity) في تشكيل الذات. لا يمكن للأنا أن تعي ذاتها إلا عبر مرآة الآخر. وهنا يكمن رهان "الانعتاق" الذي يشير إليه العنوان؛ فالتحرر من سطوة الانغلاق لا يتم إلا بالاعتراف بحق الاختلاف. يرى بكاي أن المجتمعات ما بعد الحداثية يجب أن تكون حاضنة للتفرد (Individuality) والتنوع، حيث يُنظر إلى الاختلاف لا كتهديد، بل كثراء وجودي يعزز الابتكار ويقضي على النمطية القاتلة.

​الأرخبيل الثالث: العولمة والتنوع الثقافي.. صراع البقاء والذوبان

​ينتقل المؤلف في هذا الجزء من المستوى الفردي إلى المستوى الكوني، مناقشاً أحد أكثر المواضيع إلحاحاً: العولمة وأثرها على الخصوصيات الثقافية.

​1. العولمة: توحيد أم تفتيت؟

​يطرح الكتاب إشكالية العولمة بوصفها سيفاً ذو حدين. من جهة، هي تفتح آفاق التواصل وتزيل الحواجز الجغرافية، مما يخلق وعياً كونياً مشتركاً. ومن جهة أخرى، تحمل في طياتها خطر "التنميط الثقافي" وهيمنة النموذج الاستهلاكي الغربي، مما يهدد بمحو الذاكرة الثقافية للشعوب.

​2. استراتيجية المقاومة الثقافية

​لا يدعو الدكتور بكاي إلى الانكفاء على الذات ورفض العولمة (الانغلاق)، ولا إلى الذوبان التام فيها. بل يقترح مقاربة متوازنة تقوم على "التثاقف النقدي". يؤكد الكتاب على ضرورة الحفاظ على التنوع الثقافي كشرط لعدالة العالم. فالتعددية الثقافية هي الضامن لبقاء الإبداع الإنساني حياً، وهي الحصن المنيع ضد شمولية السوق التي تسعى لتحويل الثقافات إلى سلع.

​الأرخبيل الرابع: الفن والجماليات.. إعادة سحر العالم

​في الأرخبيل الأخير، يستكشف الكتاب البعد الجمالي لما بعد الحداثة، حيث يلعب الفن والثقافة دوراً محورياً في إعادة تشكيل وعينا بالعالم.

​1. الفن كأداة للمعرفة

​يجاوز المؤلف النظرة التقليدية للفن كترفيه، ليقدمه كأداة معرفية قادرة على سبر أغوار الواقع المعقد الذي تعجز اللغة العادية عن وصفه. في عصر "الصورة" و"السيمليشن" (المحاكاة)، يصبح الفن وسيلة للمقاومة وللتعبير عن القلق الوجودي.

​2. الابتكار في مواجهة التكرار

​يركز الكتاب على قيم الابتكار والإبداع كضرورات حتمية للمجتمعات المعاصرة. في ظل تسارع التغيرات التكنولوجية والاجتماعية، يصبح الجمود موتاً. يدعو بكاي إلى تحرير المخيلة الإبداعية من قيود الكلاسيكية والتقليد، لابتكار أشكال تعبيرية جديدة تليق برهانات اللحظة الراهنة. الفن هنا هو فعل "انعتاق" بامتياز، يحرر الإنسان من رتابة الواقع اليومي ويفتح له نوافذ على الممكن واللانهائي.

​الخاتمة: نحو إنسانية جديدة

​يخلص كتاب "أرخبيلات ما بعد الحداثة" إلى أن الرحلة من "سطوة الانغلاق" إلى "قرار الانعتاق" ليست مساراً سهلاً، بل هي مكابدات معرفية ووجودية شاقة. ينجح الدكتور محمد بكاي في تقديم قراءة رصينة لا تكتفي باجترار المقولات الغربية، بل تعيد إنتاجها ونقدها بما يتلاءم مع سياقنا الثقافي.

​إن الكتاب دعوة مفتوحة لتبني "عقلانية جديدة"؛ عقلانية منفتحة، تعددية، وتسامحية. إنه يؤكد أن النجاة في هذا العصر المضطرب لا تكمن في العودة إلى حصون الهوية المغلقة، بل في الإبحار بجرأة بين "أرخبيلات" العالم الجديد، متسلحين بوعي نقدي وذات حرة قادرة على الاختيار، الإبداع، والتعايش.

​بذلك، يُعد هذا العمل إضافة نوعية للمكتبة العربية، ومرجعاً لا غنى عنه للباحثين في دراسات ما بعد الكولونيالية، النقد الثقافي، والفلسفة المعاصرة، مقدماً رؤية استشرافية لمستقبل الإنسان في عالم متغيّر.

تحميل الكتاب أرخبيلات ما بعد الحداثة محمد بكاي

تعليقات