أحدث كتب

بحث حول النظرية الماركسية في العلاقات الدولية

بحث حول النظرية الماركسية في العلاقات الدولية

بحث حول النظرية الماركسية في العلاقات الدولية

تهدف نظرية العلاقات الدولية إلى تفسير العلاقات الاجتماعية و شرحها بصورة عامة و العلاقات الدولية بصورة خاصة، و أن ليس لها مواضيع بحث بقية العلوم الاجتماعية، لكون جميع هذه العلوم تهتم و بدرجة متفاوتة، كالعلاقات الدولية، بدراسة المشاكل الدولية. و أن النظام الدولي إلي يحدد طبيعة العلاقات الدولية ليس كلا متكاملا، إنما تسوده الخصوصيات و أحيانا التناقضات، لذلك تعددت النظريات في العلاقات الدولية و تنوعت في تحديد الأسس التي تقوم عليها، و من بين هذه النظريات النظرية الماركسية حيث تنطلق من رؤية ماركسية للعلاقات الاجتماعية و التي تقوم على تناقضات طبقية، و عليه فالمشكل المطروح يتمثل في: كيف ساهم الاتجاه الماركسي في تحليل و تفسير العلاقات الدولية؟

الفصل الأول: مدخل إلى النظرية الماركسية الكلاسيكية في العلاقات الدولية

المبحث الأول: نشأة و تطور الماركسية الكلاسيكية

ظهرت الماركسية كمذهب و تيار فكري في النصف الثاني من القرن 19، في شرق أوربا و قد استوحى ماركس نظريته من التراث الفكري للفلسفة الكلاسيكية الألمانية، و الاقتصاد السياسي الكلاسيكي الانجليزي، و الاشتراكية الفرنسية، و الماركسية مصطلح يدخل في علم الاجتماع و الاقتصاد السياسي و الفلسفة و سميت بالماركسية نسبة الى مؤسسها كارل ماركس منظر الشيوعية العلمية بالاشتراك مع صديقه فريدريك أنجلز و هما من معلمي الشيوعية فقد كانا الاثنان اشتراكيان لكن مع وجود الكثير من الأحزاب الاشتراكية فقد تفرد ماركس و أنجلز بالتوصل إلى الاشتراكية كتطور حتمي للبشرية وفق المنطق الجدلي و بأدوات ثورية فكانت مجمل أعمال ماركس و أنجلز تحت اسم واحد و هو الماركسية التي تؤكد على الشروط الاقتصادية و الاجتماعية للحرية و تعتبر أنها تتمثل في تحرير المجتمع من أشكال الاستغلال الطبقي إلا أن ماركس لم يهمل ناحية أساسية للحرية بالنسبة للفرد و هي تنمية طاقاته وقدراته البدنية الخلاقة خارج العمل الاقتصادي و الحرية الحقيقية في نظره لا تتحقق و لا تنمو إلا بالتغيير الثوري للمجتمع ككل.[1]

كما تعد الماركسية التقليدية من بين أهم المدارس في العلاقات الدولية المفسرة لبعض الظواهر الدولية كالامبريالية و الصراع الدولي من الزاوية الاقتصادية، و من بين أهمى روادها كارل ماركس، انجلز، جون هوبسن، فلاديمير لينين، روزا لوكسومبورغ، هيجل.

المبحث الثاني: تعريف الماركسية

– الماركسية هي منهج أفكار ماركس و مذهبه. لقد تابع ماركس و أتم على نحو عبقري التيارات الفكرية الرئيسية الثلاثة في القرن التاسع عشر و التي تعزى الى البلدان الثلاثة الأكثر تقدما في العالم: الفلسفة الكلاسيكية الألمانية و الاقتصاد السياسي الكلاسيكي الانجليزي و الاشتراكية الفرنسية المرتبطة بالتعاليم الثورية الفرنسية بوجه عام. ان ما تتصف به أفكار ماركس من منطق رائع و انسجام تام إنما يعترف به له حتى خصومه. و تؤلف أفكار ماركس بمجموعها المادية الحديثة و الاشتراكية العلمية المعاصرة بوصفها نظرية الحركة العمالية و برنامجها في جميع البلدان المتمدنة في العالم [2].

– یبدأ تناول الماركسیة للعلاقات الدولیة من خلال تركیزھا على صلة النظام الطبقي بالدولة، من خلال مفاھیم المادیة التاریخیة، الطبقة، نمط الإنتاج، الاستغلال، الثورة، الاغتراب والإیدیولوجیة، وأن الصراع اللدولي مرتبط أساسا بالصراع الطبقي.وكیف یتم نظام الاستغلال على المستوى الدولي، وكیف یولد السوق فائض القیمة وینظمھا على المستوى المحلي والدولي. والماركسیون یرون أن التحلیل الاقتصادي والطبقي یسلط الضوء على المشاكل الجوھریة في السیاسة الدولیة، بینما یعترض الكثیر من رواد الواقعیة واللیبرالیة على الماركسیة بأنھا لاتمثل نظریة في العلاقات الدولیة، فحسب مارتن وایت بأن إسھامات ماركس وإنجلز لم تقدم إسھامات مھمة وواضحة في السیاسة الدولیة، ولذا یرى كینیث والتز كذلك أن الماركسیة كنظریة في العلاقات الدولیة جرى تعدیلھا في مابعد خصوصا عند لینین ومدرسة رفض التبعیة، أما الكثیر من رواد التبعیة فیرون بأن الماركسیة لا تمثل نظریة واحدة بل ھي إقتراب أوسع في دراسة العلاقات الدولیة والعلاقات الاقتصادة الدولیة.[3

– حرَكةٌ فِكرية واقتصاديَّة يهوديَّة، إباحيَّة، وضعَها كارل ماركس، تقوم على الإلْحاد، وإلْغاء الملكية الفرديَّة، وإلْغاء التوارث، وإشراك الناس كلِّهم في الإنتاج على حدٍّ سواء[4].

– الماركسية نظرية ثورية تتألف من 3 اقسام هي: المادية التاريخية، والمادية الديالكيتية، والاشتراكية العلمية.الطبيعة والمجتمع والفكر نفسه[5].

المبحث الثالث: مبادئ الماركسية الكلاسيكية و أفكارها

يرتبط الاتجاه الماركسي في تحليل العلاقات الدولية بمرجعية فلسفية على قدر كبير من العمق. تتمثل هذه المرجعية في ما يعرف بالمادية الجدلية، وهي تعود إلى عالم الاجتماع والاقتصاد كارل ماركس (1883-1818)، وبدرجة أقل وضوحا، رفيق دربه ومعاونه فريديريك إنجلز (1895-1820) الذي ساعده في تحرير “البيان الشيوعي communist manifesto”. غير أنها (المادية الجدلية) في الواقع لم تكن ابتكارا خاصا به، بل تعود إلى تأثره بالتراث الفكري الهائل لأستاذه جورج فريديريك هيجل (1831-1818). ويمثل الفيلسوف لودفيج فيورباخ (1872-1804) همزة الوصل بينهما، لأنه أو ل من وضع تفسيرا ماديا للجدلية الهيجلية. حيث “تصور تاريخ العالم، ليس على أنه مظهر لتطور العقل أو الروح كما قال هيجل، بل على أنه مظهر لتطور المادة. وقد ارتبط ماركس بهذا الفيلسوف ارتباطا قويا، ولكنه وقع في نفس الوقت تحت تأثير المادية العلمية [وليدة عصره آنذاك]، وهو ما يفسر حماس ماركس للعلم، وعقيدته العميقة الساذجة في التقدم وتعاطفه مع مذهب التطور الذي قدمه دترون.” [6]

وقد أخذ فلاديمير أوليانوف (المعروف باسم لينين) (1924-1870) بنظريات ماركس وإنجلز وصاغها في إطار نظام شامل انتهى إلى أن أصبح يعرف بالماركسية اللينينة. وقد مثلت هذه الأخيرة العقيدة الرسمية والثابتة للحزب الشيوعي السوفيتي (خلال النصف الثاني من القرن الماضي)، خاصة بعد حالة القدسية التي أضفاها عليها جوزيف ستالين. وتجدر الإشارة إلى أن جميع النقاشات التي عرفتها الفلسفة الروسية خلال تلك المرحلة ظلت دائما في حدود هذا الاتجاه ولم تخرج عنه، “كما أنها لم تمس أيا من القضايا الرئيسية للنظام الفلسفي الذي أقره ستالين”[7]. لدرجة أن تاريخ الفلسفة لا يذكر أسماء أي من الذين ألفوا كتبا أو مقالات في الفلسفة الماركسية، لأنهم لم يكونوا يفعلون شيئا إلا ترديد وتأكيد مقولات، ماركس ولينين.

منطلقات “المادية الجدلية”:

تستند “المادية الجدلية” إلى مجموعة من المنطلقات فيما يتعلق بتصورها للواقع الاجتماعي:

-1 الطبيعية naturalism: الإنسان ليس إلا “جزءا” من “كل”، هو الطبيعة. وتنكر المادية الجدلية بصفة عامة أن يكون الإنسان كائنا مميزا عن الكائنات الطبيعية الأخرى.

-2 التجريبية empiricism: الاعتقاد المطلق في السلطة العليا التي تمتاز بها العلوم الطبيعية، وعلى ذلك، فالواقع لا يمكن إدراكه إلا بمناهج علوم الطبيعة، وما لا تدركه تلك المناهج لا يكون إلا مشكلة زائفة، ولا يكون له بالنتيجة مغزى أو أهمية.

-3 العقلانية rationalism: التمسك بالاتجاه العقلاني، ومن ثم الاعتقاد المطلق في قيمة وأهمية المناهج العقلية والتحليلية.

فهم المادية الجدلية:

تعتبر المادية الجدلية امتدادا نقديا للنزعة المادية التقليدية في إطار منظومة الفلسفة الأوربية، حيث ترى أن العالم المادي هو وحده العالم الحقيقي، الجدير بالاهتمام والتأمل؛ وأن العقل في حد ذاته ليس سوى ظاهرة مادية لا تنسلخ عن العالم المادي، لأنه ليس إلا نتاجا لعضو مادي هو الدماغ. وتعتبر كذلك أن التعارض المزعوم بين “المادة” و”الوعي” لا قيمة له إلا في نظرية المعرفة [المجردة]، أما في نظرية الوجود [الحقيقي] فلا يوجد شيء غير المادة. ويبقى أن المادية الجدلية – كما نوهنا به قبل أسطر – لا تتعارض مع النزعة المادية التقليدية، وإنما تنتقدها لغياب العنصر الجدلي فيها، ومن ثم قصورها عن تقديم تصور صحيح عن التطور[8].

تقوم المادية الجدلية على مجموعة من المفاهيم الأساسية، هي[9]:

-1 التطور الجدلي:

ترى المادية الجدلية أن المادة في تحول وتطور دائمين، وبسبب هذا التطور تتكون دوما موجودات جديدة أكثر تعقيدا من سابقاتها. ويحدث التطور على شكل سلسلة خطية/طولية من الطفرات: فحين تتراكم مجموعة من التغيرات الكمية الصغيرة في داخل وجود الشيء، فإنه ينتج عنها نوع من التوتر والصرع.. حتى تصبح هذه العناصر الجديدة في لحظة معينة قوية إلى درجة تجعلها قادرة على كسر التوازن السابق في وجود الشيء، فتظهر كيفية جديدة انطلاقا من تلك التغيرات الكمية المتراكمة. وهكذا فإن الصراع هو القوة الدافعة للتطور، وذلك وفقا لمنطق جدلي قائم على نظام [النقلات shifts].

-2 الواحدية:

ترى المادية الجدلية أنه ينبغي أن نتصور العالم على هيئة “كل” موحد، هذا على خلاف الاعتقاد الميتافيزيقي الراسخ بوجود موجودات وكيانات متعددة لا رابط بين بعضها البعض، هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى، يتضمن مفهوم الواحدية عند الماديين الجدليين كون العالم “المتجانس” المحكوم بسلسلة قوانين سببية دائمة وثابتة هو الحقيقة الوحيدة، فلا وجود لشيء خارج العالم ، وعلى الأخص “الإله”، وبذلك فلا وجود للمبادئ الخالدة (الأخلاق والمثل).. كل ما هنالك هو عالم يتطور جدليا، والمادة هي العنصر الوحيد الخالد، من حيث هي مادة ومن حيث خضوعها لقوانين تحولاتها الثابتة عبر الزمان والمكان..

-3 الحتمية:

ترى المادية الجدلية أن عملية التطور تجري بغير هدف سابق، وهي تتم تحت ضغط مجموعة من العوامل السببية الخالصة، أي على هيئة صدامات وصراعات [غير منتهية، تتوالى تباعا وفقا] لقوانين دائمة وثابتة وقابلة للحساب والإحصاء.وفي علاقة الوعي بالمادة، ترى المادة الجدلية أن المادة هي دائما المعطى الأول، أما الوعي (العقل) فهو المعطى الثاني، وينتج عن ذلك أن الوعي ليس هو الذي يحكم المادة ويقودها بل العكس. وهنا تبرز مادية وحتمية المادية الجدلية، غير أن ماركس يبقى أقل تشددا في هذا الاتجاه، فهو يرى أن المادة لا تحدد الوعي وتوجهه بشكل مباشر، وإنما تفعل ذلك من خلال توسط المجتمع بينها وبين الإنسان. إن النقاش العميق الذي خاضه ماركس لتوضيح هذه العلاقة هو ما يبرر إطلاق تسمية “المادية التاريخية” على فلسفته، فهو يرى أن الإنسان كائن اجتماعي في جوهره، فهو لا يستطيع أن ينتج ضرورات الحياة اللازمة لبقائه إلا في إطار المجتمع. ولكن أدوات ذلك الإنتاج وأنماطه تعود بدورها لكي تحدد أول ما تحدد العلاقات الإنسانية بين البشر بعضهم وبعض، تلك العلاقات التي تنشأ بسبب الإنتاج وتعتمد عليه. وبذلك فإن دور أدوات وأنماط الإنتاج يمتد إلى تحديد وعي الإنسان. فالحاجات الاقتصادية في النهاية تحدد أنماط الإنتاج والعلاقات الاجتماعية التي يخلقها هذا الإنتاج. وطالما أن أنماط الإنتاج وطبيعة العلاقات الاجتماعية الناجمة عنها تتنوع بغير توقف [إلى حد الصدام]، فإن المجتمع يصبح خاضعا هو الآخر لقانون التطور الجدلي، الذي يعبر عن نفسه في الصراع الاجتماعي بين الطبقات.

-4 الواقعية:

طالما أن المادة هي التي تحدد الوعي، فإن المادية الجدلية ترى أن نظرية المعرفة ينبغي أن تكون نظرية واقعية [realistic] تحترم الوقائع. فالذات العارفة [Knower] لا تنتج موضوع المعرفة [Knowledge]، إنما الموضوع يوجد قائما بذاته ومستقلا عن الذات، وما على المعرفة إلا أن توجد في عقل/وعي الذات العارفة نسخ أو انعكاسات للمادة

المبحث الرابع: تقييم الماركسية الكلاسيكية

كأي نظرية وجهت إلى الماركسية بعض الانتقادات نذكر منها:

1- تركيز اهتمام الماركسيين على البنية الداخلية للمجتمع الواحد اعتقادا منهم بأن التحولات الأساسية تبدأ من التناقضات الداخلية للمجتمع الواحد.

2- لا يفصل الماركسيون بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية للمجتمع الواحد، وبالتالي فإنهم عندما يدرسون المجتمع بكل تناقضاته الداخلية لا يعني تجاهلهم للبيئة الخارجية للمجتمع، وفي هذا الصدد يقول فلاديمير لينين : ليس هناك فكرة أكبر خطأ وأشد ضررا من الفكرة المتمثلة في فصل السياسة الداخلية عن السياسة الخارجية

3- يعتبر العامل الاقتصادي محور الاهتمام وتفسير الماركسيين للظواهر .

4- عدم إلمام الماركسيين بكل الظواهر الدولية و اقتصارهم على تفسير ظاهرتي الإمبريالية والصراع الطبقي وجعلهما كمتغيرين أساسيين في تحليلهم، من خلال اعتبار الطبقة كفاعل والإمبريالية كقوة محفزة.

5- رغم أن العلاقات الدولية هي علاقات بين دول، فإن الماركسيين ينكرون دور الدول بل يذهبون إلى حد دعوتهم بضرورة زوال الدولة معتبرين أن الصراع ليس صراعا دوليا أي بين الدول وإنما صر اع طبقي بين الطبقة البرجوازية وطبقة البروليتاريا، وهو صراع إيديولوجي اقتصادي ، فهو صراع إيديولوجي لأنه بين أيديولوجيتين مختلفتين وهما: الرأسمالية والاشتراكية، وهو صراع اقتصادي لأنه يدور حول أسلوبين إنتاجيين مختلفين بشأن ملكية وسائل الإنتاج[10] .

الفصل الثاني: مدخل إلى الماركسية الجديدة في العلاقات الدولية

المبحث الأول: نشأة و تطور الماركسية الكلاسيكية

يرى المفكرون الذين أصبح يطلق عليهم اسم “الماركسيون الجدد” أفكارهم إلى الأطروحات الأساسية لفكر كارل ماركس، و دعوا إلى صياغة هذه الأفكار بطريقة ملائمة التي يرون أنها أهملت أو فهمت بشكل خاطئ من قبل الأجيال اللاحقة وفقا لما يرى كل من ستيفن هوبدن و ريتشارد جونز و من هؤلاء المفكرين نجد بيل وارن الذي ناقش ظاهرة الإمبريالية و ظهور رأسمالية العالم الثالث، أما لينين فهو يرى أن خاصية الرأسمالية تغيرت منذ بداية القرن 20، و كنتيجة لذلك لم ينظر للرأسمالية أن لها دورا تقدميا، و إنما في طبيعتها هي اعتداء عميق من حيث أنها لم تطور قاعدة إنتاجية للدول التي أصبحت تعرف بالعالم الثالث، لذلك بالنسبة للينين، تمثل الإمبريالية وجها للرأسمالية تتوقف في النهاية عن لعب أي وظيفة تقدمية و بالتالي الإمبريالية كانت المرحلة الأعلى للرأسمالية و هي المرحلة الأخيرة، أما بيل واران فمن وجهة نظره يرى أنه يجب أن ينظر إلى الإمبريالية كرائد للرأسمالية عوضا على أنها المرحلة الأعلى لها، كما درس واران بعمق تطور الرأسمالية في دول العالم الثالث إذ لاحظ أن الاستعمار حمل معه تحسين الرفاهية عبر العالم. كذا يرى روزنبيرخ أن المقاربة الماركسية سهلت إعادة التفكير في المفهوم الواقعي الآخر و هو الفوضى، يرى روزنبيرخ أن نظرية الفوضى هي منظمة في تحليل كارل ماركس للرأسمالية، و هذا يعني أن الفوضى هي سمة رئيسية للإنتاج الرأسمالي، بحيث نجد أن كلا من قوى الإنتاج و الرأسماليين موجودون في حالة تنافس مع بعضهم البعض، و بذلك تكون الفوضى هي حالة من العلاقات الرأسمالية و ليست مجموعة من الظروف مرتبطة بالعلاقات الدولية، و هي متأصلة في العلاقات الاجتماعية داخل نمط الإنتاج الرأسمالي عوضا على أنها سمة فوق تاريخية للعلاقات الدولية[11].

المبحث الثاني: مبادئ الماركسية الجديدة

تقوم الماركسية الجديدة على بعض الأسس تتمثل فيما يلي:

تحاول نظرية التبعية تفسير ظاهرة فقر وتخلف وعدم الاستقرار السياسي لدول الجنوب وترجعها إلى مسار تاريخي جعلها تابعة لدول الشمال ، التي تستفيد من وجود دول أكثر فقرا منها لضمان استمرار نموها، وه تناقض نظرية التصنيع التي تفترض أن هذه الدول في مستوى أقل مما يمكن أن تحققه من تنمية أو أنها غير مندمجة في الاقتصاد العالمي، فبالنسبة لنظرية التبعية فإن هذه الدول مندمجة في الاقتصاد العالمي إلا أنها موضوعة هيكليا في حالة تبعية مستمرة لاسيما للدول المستعمرة.

تطرق العديد من المنظرين إلى ظاهرة التبعية و حاولوا تفسيرها، وأول ما ظهرت عند المفكرين الاقتصاديين من

أمريكا اللاتينية مثل الأرجنتيني “راوول بريبيتش” الذي يرى أنه من المستحيل بالنسبة لدول الجنوب التطور لأن تطور دول الشمال مبني على تخلف هذه الأخيرة وقد سار على

نهجه الاقتصادي: “أندري غندر فرانك” .

ويرى “إيمانويل واليرستين” بأن نهب بلدان أمريكا اللاتينية أدى إلى حرمانها من مواردها وفرص نموها، ودفع الصناعة و الزراعة في أوروبا، أما “أوسفالدو سينكل” فيرى أن البلدان المتخلفة تخصصت دون إرادتها إنتاج المواد الأولية التي تخدم تطور البلدان المتقدمة و تكرس تبعيتها لها.

إلا أن الاستحالة المطلقة لدول الجنوب في التقدم، كذَّبها الواقع مع إقلاع أربع دول التنين في الستينات، والهند والصين منذ سنوات الثمانينات وهذا ما أفقد النظرية الكثير من مصداقيتها[12].

النظريات المختلفة للتبعية

أولا: نظرية تدهور معدل التبادل، نظرية سنجر وبريبيش

تعتبر نظرية المفكر الأرجنتيني “راوول بريبيتش” من أهم النظريات في موضوع التبعية، و يقسم هذا المفكر النظام الاقتصادي العالمي إلى”مركز” تمثله مجموعة الدول الرأسمالية المتطورة، و”التخوم” أو الأطراف التي تمثلها الدول المتخلفة حيث أن هذه الأخيرة تتبع المركز وتستمد حركتها وسيرورة تطورها من حركته و تبعا لمقتضيات تطوره، فقد تم إلحاق الدول المتخلفة بالاقتصاد العالمي لكونها تتوفر على مناجم المواد الأولية المعدنية و الزراعية ا للازمة لدفع وتير ة النمو في دول “المركز”، و هي في نفس الوقت تعتبر سوقا مربحة لبيع المنتجات المصنعة، و هذا التخصص خلف هوة كبيرة في التقدم الاقتصادي بين الطرفين، فبينما ازدهرت الصناعة والتكنولوجيا في دول المركز، بقيت الدول المتخلفة تقوم بالدور التقليدي مقتصرة على الصناعات الاستخراجية و التحويلية مما جعل اقتصادياتها بمثابة فروع تكميلية للاقتصاد الرأسمالي المتطور الذي يحدد لها وظيفتها و تخصصها القابل للتغيير أو الإلغاء نهائيا إن دعت متطلبات التطور التكنولوجي إلى ذلك، و هو ما أدى إلى اختلال علاقات التبادل بين الطرفين حيث:

يتمتع المركز ” الدول المتقدمة” ببنية اقتصادية قوية متطورة و متكاملة تكفل له إمكانيات النمو بعيدا عن التأثيرات السلبية التي قد تنجم عن اختلال التجارة الخارجية، في حين يملك المحيط “الدول المتخلفة”[13] اقتصادا ذو بنية أحادية التطور و لها طابع تصديري حساس يتأثر مباشرة بالإختلالات التي تمس التجارة الخارجية.

ويرى “بريبيتش” أن “سوء و تدهور شروط التجارة بالنسبة للمحيط المتخلف يعود إلى نمط التقسيم العالمي للعمل، و يعود أيضا إلى التخطيط المرسوم للسياسة التجارية و الضرائب الجمركية من جانب البلدان الرأسمالية المتقدمة” ، ويعلل ذلك بكون العلاقة غير المتكافئة تجعل ارتفاع إنتاجية العمل في البلدان المتخلفة ضعيف التأثير على اقتصادياتها، إذ أن ميكانيزمات التجارة الخارجية التي تتحكم فيها الدول الرأسمالية تجعل ارتفاع الإنتاجية سببا مباشرا لانخفاض أسعار المواد الأولية، مما يعود بالفائدة بالدرجة الأولى على الدول الصناعية، التي تستفيد من جهة أخرى من ارتفاع نسبي في طلب الدول المتخلفة على المنتوجات المصنعة نتيجة لزيادة نسبية في مداخيلها.

و يضيف “بريبيتش” أن تطبيق السياسة التجارية اللبرالية و تحكيم قوى السوق في المبادلات التجارية العالمية، يجعل من الصعب تحقيق عدالة في التقسيم الدولي للعمل حيث يقول “ليس من اليسير التوصل إلى حل أمثل لهذه المشكلة إذا ما تركت قوى السوق تعمل وحدها فهي غير قادرة على تحقيق الحل الأمثل بل ا نها على نقيض ذلك تماما فالأطراف تنقل إلى العالم الخارجي جزءا من ثمار ازدياد الإنتاجية أكبر مما تحتويه قوى السوق عند نقطة معينة إما من خلال الحماية الجمركية أو عبر أشكال أخرى من التدخل في مجرى هذه العملية. ويعتبر بعض الاقتصاديون أن فرضية سنجر وبريبيش مهمة لأنها تعتبر أن هيكلة السوق هي المسؤولة على وجود هذه اللامساواة في النظام العالمي.

إن التفسير المقبول عموما بالنسبة لفرضية سنجر بريبيش، هو مرونة الطلب على المنتجات المصنعة الأكبر من مرونة الطلب على المواد الأولية، وبالأخص الغذاء. وهذا يعني، أنه عندما يزداد الدخل، فإن الطلب على المنتجات المصنعة يزداد بصفة أكبر منه على المواد الأولية.

إن هذا التفسير يعارض التفسير النيوماركسي ل Wallerstein حول النظام العالمي، الذي يبين أن هناك اختلاف في علاقات القوة بين المركز “الدول المتقدمة” والمحيط “الدول النامية”. وقد عرفت هذه الفرضية شعبية كبيرة في سنوات الستينات والسبعينات مع الاقتصاديين الماركسيين الجدد للتنمية، وقد أعطت هذه الفرضية تفسيرا للسياسات المتبعة التي تنادي بسياسة التصنيع وإحلال الواردات وتعزيز دور المبادلات مع استخدام عملية الشراء على المدى ا لبعيد كوسيلة للتنمية[14].

تدهور معدلات التبادل: إن تدهور معدلات التبادل هي عبارة عن فرضية جيوسياسية، استعملت للتعبير عن وضعيات الانخفاض المعتبر لأسعار مواد دول الجنوب المتخلفة مقابل أسعار مواد دول الشمال المصنعة. وقد أصبح هذا التدهور أكثر إضرارا بدول الجنوب في القرن العشرين.

طورت نظرية تدهور معدل التبادل في سنوات 1950 ، وتتعلق هذه النظرية بنظرية التبعية “نظرية سنجر وبريبيش”، والتي يتوجه فيها معدل التبادل للمنتجات الأولية “المنتجات الفلاحية والمواد الأولية” مقارنة بالمواد المصنعة نحو التدهور على مر الزمن، فلا يمكن للدول التي تصدر المواد الأولية “مثل أغلب الدول السائرة في طريق النمو” إلا شراء كمية أكثر فأكثر انخفاضا من المنتجات المصنعة.

عالج كل من سنجر وبريبيش معطيات مدة طويلة فوجدا أن معدل التبادل للدول المصدرة للمواد الأولية تدهور منذ 1876 ، على عكس الدول المصدرة للمواد المصنعة، وذلك ناتج عن اختلاف التخصصات بين دول الشمال ودول الجنوب.

ولذا يجب على الدول المتخلفة أن تستورد كميات أقل بواسطة مستوى معين من التصدير كما عليها. التنويع في اقتصادها والتخفيض من تبعيتها للصادرات بتطوير الصناعة فيها.

أصبحت هذه النظرية مهمة وتستعملها منظمة الأمم المتحدة في توصياتها المحذرة للدول المصدرة للمنتجات الفلاحية منا ارتفاع الأسعار فعلى هذه الدول تجنب المرض الهولندي لأن ارتفاع العملات الصعبة ليس إلا عرضيا[15].

ثانيا: نظرية “أندريه غندر فرانك”

يدعو “غندر فرانك” إلى إتباع النموذج الاشتراكي ورفض الرأسمالية، وقد لاقت أفكاره رواجا كبيرا في أمريكا اللاتينية وعددا من البلدان النامية، ويرى هذا المفكر أن الأسباب التاريخية التي كانت وراء تأخر الدول الضعيفة “الاستعمار ومخلفاته” تجعل الفكر الرأسمالي البرجوازي غير ملائم لواقع الدول النامية.

ويفرق “فرانك” بين التخلف الذي كان يميز الدول المتقدمة في بداياتها “قبل أن تتطور” و التبعية التي تعاني منها الدول النامية حاليا حيث يقول: “لتبعية و التخلفل ليستا متأصلتان أو متوازنتان، و الدول المتقدمة حاليا لم تكن متخلفة ولا تابعة في يوم من الأيام، و لكنها ربما كانت غير متطورة.

ويرفض “فرانك” بعض التفسيرات التي تعلل التخلف بتركيبة البنية الاقتصادية والاجتماعية للبلدان المتخلفة و كذا بالأنظمة السياسية السائدة حيث يرى أن “البحوث التاريخية تبين أن جانبا كبيرا من واقع التخلف والتبعية القائمين هو النتيجة التاريخية للعلاقات الاقتصادية و غير الاقتصادية المستمرة بين التوابع و بين الدول المتطورة حاليا، يضاف إلى ذلك أن هذه العلاقات تعتبر أساس بناء وتطور النظام الرأسمالي.

و يعتقد “فرانك” أن تطوير الدول المتخلفة لا يكون بالضرورة بالاعتماد على رؤوس أموال الدول المتقدمة، لأن هذه الاستثمارات لم تشمل جميع أنشطة الاقتصاد بل اقتصرت على فروع التصدير و الصناعات الاستخراجية للمواد الأولية الموجهة لتلبية حاجة الصناعة في الدول المتقدمة، في حين بقيت الفروع الصناعية والتكنولوجيا حكرا على الدول المتقدمة.

وقد كرس النظام الرأسمالي هذه التبعية من خلال التقسيم العالمي للعمل بتخصص الدول المتخلفة في إنتاج و تصدير عدد محدود من المواد الأولية و تعاملها جغرافيا مع عدد محدود من الشركاء، مما يتيح للدول المتطورة ممارسة ضغوطها عليها إذ أن إيقاف استيراد مواد أولية لفترة وجيزة يمكنه إحداث أزمة في الدولة المصدرة لها، و نفس الشيء بالنسبة لتجميد صادراتها من المواد المصنعة باتجاه الدول المتخلفة.

و يعتقد “فرانك” أن التبعية ليست بالضرورة دليلا على التخلف، و يعر ف التخلف على أنه النمو التابع العاجز عن توليد المزيد من النمو و إدامته كما يعتقد أن العزلة أو تقليص الارتباط بالنظام الاقتصادي الرأسمالي بإمكانه المساعدة على النمو و يعطي كمثال على ذلك اليابان التي رغم ندرة مواردها الطبيعية إلا أنها استطاعت بناء اقتصاد قوي بعيد عن السيطرة الامبريالية[16].

ثالثا: نظرية التبادل اللامتكافئ

نظرية أرغيري إيمانويل:

تقدم هذه النظرية نقدا للنظرية التقليدية والتي تعتمد على فكرة قيام التبادل الدولي على أساس الميزة النسبية التي تملكها الدولة وعلى مقدار حيازتها لعوامل الإنتاج، بينما، وحسب هذه النظرية، فإن تصدير المنتجات المصنعة وتصدير المواد الأولية لا يتم وفق أسعار تحدد على أساس كمية متساوية من عنصر العمل المستعمل في هذه المواد المتبادلة. بل بالعكس، إن معدل التبادل يتميز بأن كمية عنصر العمل المستعمل في صادرات الدول المتخلفة أقل منه في الكمية المستعملة في صادرات الدول المهيمنة. وقد تناول سمير أمين كذلك التبادل اللامتكافئ، من وجهة نظر أخرى[17].

نظرية “سمير أمين”:

يقدم المفكر العربي “سمير أمين” طرحا هاما في موضوع التبعية، يدعو فيه الدول التابعة “الأطراف” إلى إتباع النموذج الاشتراكي في التنمية والابتعاد عن لعبة المركز “الرأسمالي” الذي يعد نموذجا حقيقيا للاستغلال و السيطرة، وقد توصل إلى هذا الطرح انطلاقا من محاولته تجاوز نظريات التبعية التي نشأت في أمريكا اللاتينية ومحاولة تفسير كيف انتقلت أوروبا إلى الرأسمالية رغم تخلفها الكبير مقارنة بالعالم الإسلامي في القرون الوسطى الذي كان يعتبر مركز النظام العالمي، و الذي كان يسوده نمط الإنتاج الخراجي الأكثر اكتمالا و يستحيل على أصحاب هذا النمط الانتقال إلى نمط إنتاج رأسمالي، عكس نمو الإنتاج الإقطاعي الذي كان سائدا في أوروبا و الذي يمثل النظام العالمي التابع والضعيف و غير المكتمل مما سهل عليه الانتقال إلى نظام رأسمالي، وإن هذه المقارنة بين النظام الإسلامي “الخراجي” والنظام الإقطاعي في الفترة ما قبل الرأسمالية سمحت ل”سمير أمين” بوضع قانونه ” التطور اللامتكافئ” و الذي استنتج على أساسه أن النظام الاشتراكي هو الذي سيسود العالم بعد الرأسمالية، و قد تنبأ بأن هذا التحول سيحدث انطلاقا من العالم

الثالث الذي يعتبر أطرافا للنظام الرأسمالي العالمي[18].

و يقول المفكر في نظريته أن “تغيير أي نظام اقتصادي عالمي نحو الأفضل لا يتم انطلاقا من مركزه المتقدم بل من محيطه المتخلف فقد كانت الحضارات القديمة و العظيمة لعالم ما قبل الرأسمالية منظمة بطريقة تضمن لها في نفس الوقت الاستقرار و المرونة الكفيلين بتمكينها من استيعاب التقدم المستمر، بالمقابل لم يكن للحضارات ما قبل الرأسمالية التي تكونت بصورة مستقلة صفة الإنجاز و هذه الحضارات الأقل لمعانا تصبح الأكثر استعدادا لإبداء أشكال تنظيم جديدة ملائمة أكثر لاحتياجات تطور القوى المنتجة، و هكذا يوحي تاريخ ميلاد الرأسمالية بقانون تطور لا متكافئ يقضي بأن تجاوز أي نظام لا يتحقق في مركزه و لكن انطلاقا. من محيطه” [19].

وقد كان “سمير أمين” يتوقع في بداية السبعينات أن العالم سينتقل من نظام رأسمالي عالمي إلى نظام اشتراكي عالمي غير أنه لم يستطيع التنبؤ بانهيار الاشتراكية و إخفاقها في تحقيق التنمية للبلدان المختلفة فالقول بأن الاشتراكية هي الحل الأمثل لجميع الدول المتخلفة ثبت بطلانه، و ذلك لكونه طرحا جاء كرد فعل على الرأسمالية لارتباطها بالحركة الاستعمارية، غير أن التنمية و التطور لا ينبغي أن يكون أساسه طرحا إيديولوجيا عمل الاتحاد السوفياتي على الترويج له في وجه الطرح الرأسمالي، بل فكرا جديدا و مذهبا تحكمه ضوابط.

و رغم انتقاد “سمير أمين للعديد من الجوانب في الاشتراكية إلا أن يقر أنها أكثر عقلانية نسبيا بالمقارنة مع الرأسمالية و أنها الأقرب إلى إيجاد حلوا للتخلص من التبعية و التخلف.

المبحث الثالث: تقييم الماركسية الجديدة

إن الانتقادات الموجهة لنظرية التبعية تؤكد أن هذه الأخيرة أساءت تقييم الدور الذي لعبته النخب الاقتصادية المحلية في تخلف هذه الدول،و تقدم كمثال دور الرشوة و الغياب ثقافة المنافسة التجارية في هذه الدول،و قد تطرق بعض أتباع النظرية التبعية إلى ذلك لاسيما الاقتصادي dosoarc equrfernondo hen،و تؤكد انتقادات أخرى أن نظرية التبعية عامة كثيرا،و لا تتضمن تحليلا كافيا للتباين الموجود في التنمية في دول الجنوب.

يعتبر الخبير الاقتصادي المصري”محمد السيد سعيد”من منتقدي نظريات التبعية،حيث على عكس المفكر “سمير أمين”نجده يعتب أن انتشار هذه النظريات في العالم الثالث تجعل شعوب و أنظمة هذه الدول تكتفي بتحميل مسؤولية التخلف للدول المتقدمة و للاستعمار و يعتقد “محمد السيد سعيد” أن الدولة الغربية هي نفسها من يروج مثل هذه الأفكار لكي يبقى الفكر التنموي في هذه الدول يدور في حلقة مفرغة تجاوزها الزمن،و يستدل على ذلك بتحذيرات أحد منظري مدرسة التبعية ذاتها و هو المفكر”فرناندو هوي كوردوسو”الذي قال في كتابه “التبعية و التنمية في أمريكا اللاتينية”:إن الولايات المتحدة الأمريكية أعمت النظرية السوقية لنظرية التبعية بهدف جعل العالم الثالث يحول استنتاجاتها إلى تمائم مقدسة ذات قدرات كلية على تفسير مشاكل نظرية النمو و التخلف”[20].

كما أن الأطروحة الماركسية هي إحدى الأطروحات التي ذاع صيتها في تحليل العلاقات الدولية في نهاية القرن 20، لكن هي الأخرى لم تصمد كثيرا في حقل نظرية العلاقات الدولية بسبب الطوباوية التي يمثلها فكر كارل ماركس من جهة و الفشل المأساوي في تطبيقها في الاتحاد السوفياتي الذي ظهرت عيوبه منذ الفترة الستالينية إلى الانهيار المأساوي الكبير في عام 1991[21].

من ناحية أخرى،تعد أفكار الماركسية حزبا من الترف الفكري،لأنها لم تستطع أن تقدم بديلا يثبت أمام الأطروحات الليبرالية التي في اكتساح مستمر لدول المحيط،أن الرأسمالية التي ورثت من الدول المستعمرة بقيت تعمل مرة علانية.و اليوم بعد النهاية الحرب الباردة أصبحت النمط المستمر و المقبول عبر العالم أعدت في الدول التي تسمي نفسها اشتراكية،إنها اشتراكية في السياسة و لكن في الاقتصاد تتبنى النمط الرأسمالي و في بعض الأحيان،تتبنى النمط الامبريالي المتطرف في التبني الاقتصادي للمؤسسات[22]،في المواقع تم دحض افتراضات كلنا النظريتين الماركسية و النيوماركسية حتى قبل نهاية الحرب الباردة،حيث أن نظرية التبعية بدورها قد عانت من شواهد امبريقية لا تسير في اتجاه افتراضاتها مع بروز حقيقة مفادها”أن المشاركة الفاعلة في الاقتصاد العالمي كانت بمثابة الطريق الأمثل للازدهار،و ذلك بخلاف نمج التنمية الذاتية بالمفهوم الاشتراكي”،و من جهة أخرى،فإن المديد من الدول السائرة في طريق النمو أثبت أنها قادرة على المفاوضة بنجاح مع الشوكات المتعددة الجنسيات و المؤسسات الدولية الرأسمالية “.

الخاتمة: و في الأخير يمكن القول أن النظرية الماركسية و النيوماركسية استطاعت إحداث دفعة قوية في حقل العلاقات الدولية و ذلك رغم الانتقادات الموجهة لها.

[1] محمد دويدار ، مبادئ الاقتصاد السياسي ،(مصر،ط.1.).

[2] فلاديمير لينين، كارل ماركس: سيرة مختصرة و عرض للماركسية،( تونس: دار الصمد، ب.ت.ن.)، ص 5.

[3] عبد العالي عبد القادر، محاضرات نظرية العلاقات الدولية،( الجزائر: كلية الحقوق و العلوم السياسية: جامعة الدكتور الطاهر مولاي،سعيدة،) ص.36.

[4] ناصر القفاري، وناصر العقل، الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة، (دار الصميعي للنشر والتوزيع)،ص. 90.

[6] بوشنسكي (إ. م.)، الفلسفة المعاصرة في أوروربا، ت. عزت قرني، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1992)، ص 92

[7] المرجع نفسه، ص 95

[8] المرجع السابق، ص 95.

[9] المرجع نفسه، ص ص 99-96.

[10] عبد الناصر جندلي، التنظير في العلاقات الدولية بين الاتجاهات التفسيرية والنظرية التكوينية، (الجزائر: دار الخلدونية للنشر والتوزيع، 2007 )، ص192.

[11]عامر، مصباح، نظرية العلاقات الدولية: الحوارات النظرية الكبرى، (القاهرة: دار الكتاب الحديث، 2008)، ص 122،130.

[12] مذكرة تخرج لنيل شهادة ماجستسر، يوسف بن عبد الله، التخصص الدولي: بين النظرية و الواقع حالة الجزائر، جامعة منتوري قسنطينة، الجزائر ، كلية العلوم الاقتصادية و علوم التسيير و العلوم التجارية، 2008-2009. ص 40.

[13] المرجع نفسه، المكان نفسه.

[14] المرجع السابق، ص 41.

[15] المرجع السابق، ص. 42.

[16] المرجع السابق، ص 43.

[17] المرجع نفسه، ص.44.

[18] المرجع نفسه، المكان نفسه.

[19] . لونیسي رابح، البدیل الحضاري، (الجزائر: دار المعرفة، 1998 )، ص.58.

[20] لونیسي رابح، مرجع سابق، ص.61.

[21] عامر مصباح، مرجع سابق، ص.135.

[22] المرجع نفسه، ص.

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-