📁 آخر الأخبار

نوربيرت إلياس رحلة في علم اجتماع الحضارة والتمدن

نوربيرت إلياس رحلة في علم اجتماع الحضارة والتمدن

نوربيرت إلياس (1897-1990) عالم اجتماع ألماني، يعتبر من أهم المفكرين في القرن العشرين، وعلى الرغم من عدم شهرته الواسعة في فترة حياته، إلا أن أعماله تركت أثرًا عميقًا في علم الاجتماع والفلسفة والتاريخ والأنثروبولوجيا.

عالم الاجتماع نوربيرت إلياس
نوربيرت إلياس رحلة في علم اجتماع الحضارة والتمدن


 تميز إلياس بنهجه الفريد الذي ربط فيه بين علم الاجتماع والتاريخ وعلم النفس، مُركزًا على دراسة التحولات طويلة المدى في البنى الاجتماعية والسلوك الإنساني، ما يُعرف بعلم اجتماع الحضارة والتمدن.

بدايات حياته وتأثيراته

ولد إلياس في مدينة Breslau الألمانية (فروتسواف حاليًا في بولندا) لعائلة يهودية. شارك في الحرب العالمية الأولى وعمل كمساعد في مصنع للذخيرة، ثم درس الطب والفلسفة وعلم الاجتماع في جامعة Breslau، حيث تأثر بأفكار الفيلسوف الألماني كارل مانهايم وعالم الاجتماع ألفريد فيبر. بعد وصول النازيين إلى السلطة في ألمانيا، اضطر إلياس للهجرة إلى فرنسا ثم إلى بريطانيا، حيث عمل في جامعة لندن وواصل أبحاثه في علم الاجتماع.

أهم أعماله ومفاهيمه

عملية التمدن

يُعتبر كتابه "عملية التمدن" (The Civilizing Process) أهم أعماله، والذي نُشر في جزئين عامي 1939 و1969. في هذا الكتاب، يدرس إلياس عملية التحول التاريخي الطويلة التي مرت بها المجتمعات الغربية من العصور الوسطى إلى العصر الحديث، مركزًا على التغيرات في السلوكيات والأخلاق والعادات. يرى إلياس أن هذه العملية تميزت بزيادة ضبط النفس والتحكم في الانفعالات، وتطور آداب السلوك والنظافة، وانحسار العنف، وتبلور الدولة القومية الحديثة. يربط إلياس هذه التغيرات بتطور البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مثل تزايد تعقيد تقسيم العمل وتمركز السلطة في الدولة.

الشخصية ومجتمع البلاط

في كتابه "مجتمع البلاط" (The Court Society)، يدرس إلياس ديناميات السلطة والعلاقات الاجتماعية في البلاط الملكي الفرنسي في القرن السابع عشر، كنموذج مصغر للمجتمع الأرستقراطي. يوضح إلياس كيف أن التنافس على السلطة والمكانة الاجتماعية في البلاط أدى إلى تطور آداب السلوك واللياقة، والتحكم في الانفعالات والرغبات، وتشكيل "الشخصية البلاطية" التي تتميز بالكياسة واللباقة والقدرة على التلاعب والتمويه.

الموت والانفعالات:

 اهتم إلياس أيضًا بدراسة التغيرات التاريخية في المواقف تجاه الموت والانفعالات. في كتابه "وحدة الموتى والموت" (The Loneliness of the Dying)، يبحث إلياس في تطور المواقف تجاه الموت في المجتمعات الغربية، من قبول الموت كجزء طبيعي من الحياة في العصور الوسطى، إلى الخوف والإنكار في العصر الحديث. وفي كتابه "بحث في الزمن" (Time: An Essay)، يتناول إلياس مفهوم الزمن وتأثيره على تجربة الإنسان، ويربط بين تصورات الزمن والتغيرات الاجتماعية والثقافية.

تأثير إلياس على علم الاجتماع

أثر إلياس بشكل كبير على تطور علم الاجتماع في النصف الثاني من القرن العشرين، خاصة في مجالات علم اجتماع الثقافة والتاريخ وعلم النفس الاجتماعي. من أهم إسهاماته:
التأكيد على البعد التاريخي في دراسة المجتمع: حث إلياس على دراسة البنى الاجتماعية والسلوك الإنساني في سياقها التاريخي الطويل، والتركيز على التحولات والتغيرات التي تطرأ عليها عبر الزمن.
الربط بين البنى الاجتماعية وعلم النفس: رفض إلياس الفصل التقليدي بين البنى الاجتماعية وعلم النفس، وركز على دراسة تأثير البنى الاجتماعية على تشكيل الشخصية والسلوك الإنساني.
مفهوم "التمثيلات الاجتماعية": طور إلياس مفهوم "التمثيلات الاجتماعية" الذي يشير إلى الصور الذهنية المشتركة التي يحملها أفراد المجتمع عن العالم الاجتماعي، وكيف تؤثر هذه الصور على سلوكهم وتفاعلاتهم.
التركيز على الجسد والانفعالات: اهتم إلياس بدراسة دور الجسد والانفعالات في الحياة الاجتماعية، وكيف تتأثر بطرق التنشئة الاجتماعية والتحولات الثقافية.

نقد وإرث إلياس

وجهت بعض الانتقادات إلى أعمال إلياس، منها تركيزه على المجتمعات الغربية وإهماله للمجتمعات الأخرى، وتبسيطه لعملية التمدن، وإغفاله لدور الصراع والتغيير الاجتماعي المفاجئ.
على الرغم من هذه الانتقادات، يعتبر إلياس أحد أهم علماء الاجتماع في القرن العشرين، وأثرت أعماله بشكل كبير على تطور علم الاجتماع والمجالات ذات الصلة. ولا يزال تأثيره مستمرًا في الدراسات الاجتماعية والإنسانية المعاصرة.
تعليقات