ملخص كتاب فلسفة التواصل – جان مارك فيري

فلسفة التواصل: من نقيضة الحقيقة إلى التأسيس النهائي للعقل والعدالة السياسية

مقدمة: هل يمكننا حقاً التواصل؟ وإلى أي حد تصل حقيقة تواصلنا؟

​ما إن نفتح كتاب "فلسفة التواصل" للفيلسوف الفرنسي جان مارك فيري، حتى يصطدم القارئ بسؤال مركزي يهز ثقته المباشرة في قدرته على التواصل مع الآخر: هل ما نعتقده حقيقة هو مجرد فعالية ناجعة في سياقنا الخاص؟ أم أن هناك حقيقة موضوعية يمكن بلوغها؟ هذا السؤال، الذي يسميه فيري بـ"نقيضة الحقيقة"، يشكل جوهر الصراع الفلسفي الذي يعيشه عصرنا.

​فمنذ المنعرج الألسني وما تلاه من منعرجات تداولية وهيرمينوطيقية، أصبح من الواضح أن أي مقاربة للتواصل لا يمكنها أن تتجاهل الإنجازات الفلسفية التي ميزت النصف الثاني من القرن العشرين. غير أن هذا الاعتراف يقودنا إلى إشكالية كبرى: هل يمكننا تأسيس العقل تأسيساً نهائياً؟ أم أن كل تأسيس هو مجرد وهم ميتافيزيقي؟

غلاف كتاب فلسفة التواصل – جان مارك فيري
غلاف كتاب فلسفة التواصل – جان مارك فيري.

​نبذة عن الكتاب

المعلومات التفاصيل
العنوان الأصلي Philosophie de la communication
المؤلف جان مارك فيري (Jean-Marc Ferry)
المترجم د. عمر مهيبيل
الموضوع فلسفة التواصل، نظرية المعرفة، الفلسفة السياسية
الأقسام الرئيسية الجزء الأول: من نقيضة الحقيقة إلى التأسيس النهائي للعقل الجزء الثاني: العدالة السياسية والديمقراطية الإجرائية
المراجع الأساسية هابرماز، آبل، رورتي، فيلمر، راولس، فيتغشتين
 

لمن هذا الكتاب؟

​هذا الكتاب موجّه إلى:

​· الباحثين في الفلسفة المعاصرة، خاصة المهتمين بفلسفة التواصل، التداولية، ونظرية المعرفة.

· طلاب الدراسات العليا في الفلسفة، العلوم السياسية، وعلم الاجتماع.

· المفكرين والسياسيين المهتمين بنظرية العدالة والديمقراطية الإجرائية.

· كل من يريد فهم الأبعاد الفلسفية للتواصل الإنساني، بعيداً عن الاختزالات الخطابية السطحية.

​الجزء الأول: من نقيضة الحقيقة إلى التأسيس النهائي للعقل

​لماذا لم تعد فلسفات الشعور واللغة كافية؟

​يستهل فيري كتابه بالحديث عن التحولات الكبرى التي شهدها الفكر الفلسفي، من فلسفات الشعور (Philosophies de la conscience) إلى فلسفات التأمل (Philosophies de réflexion) ثم إلى فلسفات اللغة (Philosophies de langage). غير أن هذه التحولات، رغم أهميتها، لم تستطع وحدها تفسير كيف يمكننا بلوغ حقيقة موضوعية في عصر ما بعد الميتافيزيقا.

​هنا يأتي دور التداولية (La pragmatique) التي شكلت منعرجاً حاسماً في بلورة مبحث التواصل. فالتداولية، وعبر بنيتها القاعدية المستندة إلى اللغة كمدخل مفتاحي لأية معرفة ممكنة، كانت بمثابة الضامن لاستمرار بناء هيكلها الداخلي منهجياً ومعرفياً.

​يقول فيري نقلاً عن المؤسسين: "لقد بدا ذلك واضحاً منذ الإسهامات الأولى لأحد أقدم المؤسسين لمبحث التداولية وهو الفيلسوف الأمريكي تشارلز ساندرز بيرس (Ch. S. Pearce) مروراً بزميله تشارلز موريس (Ch. Morris)، وصولاً إلى ديتر بيلر (D. Bühler) في ألمانيا، ومن ثمة عند كل من أوستين (J. L. Austin) وتلميذه سورل (J. R. Searle) وكذلك عند غريس (Grice)."

​نقيضة الحقيقة: هل الحقيقة مطلقة أم نسبية؟

​في قلب الجزء الأول، يطرح فيري إشكالية جوهرية يسميها "نقيضة الحقيقة" (Antinomie de la vérité). هذه النقيضة تلخص الصراع بين موقفين:

  1. الموقف المطلقوي: القائل بوجود حقيقة موضوعية مستقلة عن السياقات التاريخية والثقافية.
  2. الموقف النسبوي: القائل بأن الحقيقة هي دائماً "نسبية" بالنسبة للثقافات، اللغات، المجتمعات، أو حتى الأشخاص.

​يقول فيري موضحاً هذه النقيضة: "فإذا كان الحل الثاني - أي النسبوية - يبدو متعارضاً، فإن الحل الأول - أي مطلقوية الحقيقة - يبدو أنه ينطوي على افتراضات ميتافيزيقية، وهذا ما أسميه 'نقيضة الحقيقة'."

​رورتي والبراغماتية: هل الحقيقة مجرد فعالية؟

​يتوقف فيري مطولاً عند الموقف البراغماتي للفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي، الذي ينظر إلى الحقيقة على أنها "فعالية" (efficacité). غير أن فيري يظهر تناقضاً داخلياً في هذا الموقف.

​هكذا يعلق فيري على موقف رورتي: "إني أنظر إلى الحقيقة بما هي فعالية، فعالية، هي في سياقنا، ما يمنح نظرية الحقيقة هذه قيمة أسمى." لكن فيري يتساءل: هل يمكننا اختزال مسألة الحقيقة إلى مجرد مسألة فعالية دونما مساس بالتوجه الإنساني؟

​بيتمان والعودة إلى كانط: هل يمكننا تجاوز الميتافيزيقا؟

​في مواجهة الاختزالية البراغماتية عند رورتي، يستحضر فيري موقف الفيلسوف هيلاري بيتمان (H. Putnam) الذي يعود إلى كانط من أجل إنقاذ مفهوم الحقيقة الموضوعية. فكانط، كما يشرح بيتمان، يعتقد أنه "لا يمكننا تكوين صورة أخلاقية عن العالم من خلال محاولتنا إثبات أنه توجد أحكام قيمة حقيقة إثباتاً قبلياً (a priori) [...] فاستراتيجيته تتمثل في القول أنه بما أنني كائن يقوم كل يوم بإصدار أحكام قيمة، فإن ذلك يؤدي إلى الاعتقاد بداهة بأنني ملتزم أحكام قيمة حقيقة."

​نقد "أسطورة الشفافية التواصلية"

​من أعمق مقاطع الكتاب، ذلك المقطع الذي يتناول فيه فيري ما يسميه "أسطورة الشفافية التواصلية" . فالتواصل المثالي، كما يفترضه البعض، هو ذلك التواصل الذي يتم بمعزل عن الاختلاف، خارج شروط إمكان التواصل نفسه. لكن هذا، كما يشير فيري مستلهماً دريدا، مجرد وهم ميتافيزيقي.

​يقول فيلمر (الذي يناقشه فيري): "إن فكرة جماعة مثلى للتواصل فكرة ميتافيزيقية تماماً كما يحددها دريدا، بما أنها تمثل [...] مفهوماً معيناً عن جماعة تواصلية تكون قد أفلتت من 'اللعبة المتمحورة حول نظام العالمة'، أي حالة من الشفافية الكاملة، والمعرفة المطلقة، والكمال الأخلاقي."

​"التفكير مع آبل ضد آبل": التأسيس النهائي بين الضرورة والاستحالة

​في ختام الجزء الأول، يدخل فيري في نقاش عميق مع فيلسوفين كبيرين: كارل أوتو آبل (Karl-Otto Apel) ويورغن هابرماز (Jürgen Habermas). فآبل يدافع عن فكرة "التأسيس النهائي للعقل" (fondation ultime de la raison) انطلاقاً من التداولية الترسندنتالية، بينما هابرماز يرفض ذلك بحجة الاستحالة وعدم الحاجة.

​يقول فيري ملخصاً موقف آبل: "هابرماز كما يشرح آبل، 'كان دائماً يرفض، وبحجة الاستحالة وعدم الحاجة، ضرورة أي تأسيس نهائي يكون مقبولاً قبلياً لجهة الزعم الفلسفي بصلاحية المنطوقات الشمولية التداولية المتعلقة بالافتراضات الضرورية للمناقشة الحجاجية'."

​الجزء الثاني: العدالة السياسية والديمقراطية الإجرائية

​العدالة السياسية: من العدالة الاجتماعية إلى الحقوق المعنوية

​ينتقل فيري في الجزء الثاني من كتابه إلى الأبعاد السياسية لفلسفة التواصل. فالتواصل، كما يوضح، ليس مجرد ممارسة نظرية أو لغوية، بل هو في نهاية المطاف يتموضع داخل مجتمع معين وينفذ بأدوات مجتمعية معينة.

​يطرح فيري هنا مفهوماً جديداً هو "الحقوق المعنوية" (Droits moraux) أو "الحقوق الشخصانية" . هذه الحقوق، كما يشرح، تظهر تعاطفاً خاصاً مع الهموم المعنوية للشخص، ولهشاشة الهوية المتوجب عليه بلورتها اليوم داخل وعبر التواصل الاجتماعي أساساً.

​من الناحية الفيلولوجية، كما يذكر فيري، فإن كلمة "شخص" (Persona) تعني بشكل أولي السحنة أو الوجه، ومن ثم صارت تحيل إلى مفهوم القناع. "فالمجال العام ليس مجالاً مسرحياً لتظاهر فحسب، ولكنه أيضاً مجال الإيتيقا المعرفة، إن لم أقل العرفان."

​راولس وهابرماز: الموقف الأصلي مقابل الحالة المثلى للاعتراف

​يقارن فيري بين نموذجين كبيرين للعقلنة الإجرائية:

  1. "الموقف الأصلي" عند جون راولس (John Rawls)، الذي يفترض وجود "ستار الجهل" (voile d'ignorance) يجعل المتعاقدين غير عارفين بموقعهم الاجتماعي الحقيقي، مما يضمن حيادهم في اختيار مبادئ العدالة.
  2. "الحالة المثلى للكلام" عند هابرماز، التي تفترض مشاركة فعلية لكل شخص معني في المناقشة، من أجل بلوغ توافق قائم على الحجة الأقوى.

​يقول فيري موضحاً الفرق: "إن ما يؤسس لعملية الإزاحة عن المركز هو 'المناقشة الحقيقة'، هذا من جهة، ومن جهة أخرى هو الإجراء المتعلق بستار الجهل الموافق لنوع من المحاجة الفكرية."

​نقد "الأنانية العقلية" و"ستار الجهل"

​يوجه فيري نقداً عميقاً لنموذج راولس، معتبراً أن "الموقف الأصلي" لا يحفز الذوات بشكل كافٍ على الاعتراف بالآخر. فالأشخاص، تحت ستار الجهل، "غير منهممين بسعادتهم المشتركة، بل إنهم ينغمسون في تصورات مجردة حول كلّ الأوضاع الاجتماعية الممكنة، وهي أوضاع لا يشغلونها فعلياً."

​أما هابرماز، فبدلاً من افتراض "أفراد أحرار ومتساوين" بطريقة تجريدية، يريد أن يظهر أن الأفراد المنخرطين في مناقشات حقيقية مجبرون على تكييف سلوكاتهم وفق ما هو منتظر منهم أخلاقياً.

​الديمقراطية الإجرائية: هل يمكن للتوافق المتقطع أن يحل محل الإجماع العقلاني؟

​في ختام الكتاب، يناقش فيري مفهوم "التوافق المتقطع" (overlapping consensus) عند راولس، والذي يختلف جوهرياً عن الإجماع العقلاني عند هابرماز.

​فالتوافق المتقطع، كما يشرح راينر روشليتز (الذي يستحضره فيري)، يشبه إلى حد بعيد التسوية القائمة بين التصورات الدينية والفلسفية المختلفة. غير أن هذا التوافق "لن يؤسس بمقتضى قانون الحجة الأقوى 'التي، وبموجب ذلك، تصير مقبولة من قبل كل المشاركين في مداولة معينة حول المعايير'."

​خلاصة: فلسفة التواصل في مواجهة نقيضتها

​يبقى السؤال الذي يطرحه الكتاب مفتوحاً على احتمالات متعددة: هل يمكننا حقاً تأسيس العقل تواصلياً؟ أم أن كل محاولة تأسيس هي مجرد دوغماتية جديدة؟

​ما يميز كتاب جان مارك فيري هو قدرته على الإبحار بين هذه النقيضات دون الانحياز الكامل إلى أي من الأطراف المتصارعة. فهو مع هابرماز في رفض الميتافيزيقا الشفافة، ومع آبل في ضرورة الحفاظ على فكرة الصلاحية الشاملة، ومع فيلمر في التأكيد على أن الافتراضات الضرورية للتواصل ليست بالضرورة ميتافيزيقية.

​إن فلسفة التواصل، كما يخرجها فيري من نطاقها النظري المحض إلى أبعادها السياسية والأخلاقية، تظل مشروعاً مفتوحاً، بل نقيضة حية تعكس تعقيد العلاقة بين الذات والآخر، بين الحقيقة والفعالية، وبين المطلق والنسبي.

​اقتباسات من الكتاب

​"هذا التمييز بين الفكر والتمثل كما بين مجموعة الأشياء والموضوع يحيل إلى تلك الفكرة التي مؤداها أن الفكر يتميز ببنية افتراضية من قبيل: أعتقد أنّ (ف)."

​"إن مفهوم 'الموقف الأصلي' الذي هو في الواقع عبارة عن تصور خيالي، هو المفهوم ذاته الذي يستخدمه راولس للتأكد من حقيقة أن الحسابات الاستراتيجية للأفراد تتم تحت الإرغام الذي تفرضه الشروط."

​"فهم لعبة لغة معينة، يعني أن ما يتوجب علينا أخذه في الحسبان هو أن هذه اللعبة بالذات هي التي تجيب على أسئلة معينة."

​"لا ينبغي عليك أن تضع أية صورة ليلاه [...] فنحن يمكننا أن نعرف موطن الشر، لكن لا يمكننا أن نعرف ما إذا كان صحيحاً."

​أسئلة شائعة

1. ما الفرق بين "فلسفة التواصل" عند فيري وفلسفة اللغة عند أوستين وسيرل؟

​بينما تركز فلسفة اللغة (خاصة في تقليد أوستين وسيرل) على أفعال الكلام (speech acts) وتحليل شروط نجاحها التواصلية، فإن فلسفة التواصل عند فيري تتجاوز ذلك إلى أبعاد أنطولوجية وسياسية. فهي تتساءل عن شروط إمكان الفهم البينذاتي نفسه، وعن علاقة الحقيقة بالسلطة والمجتمع، وعن إمكانية تأسيس العقل تواصلياً. بعبارة أخرى، هي فلسفة تهتم بـ"ماذا نفعل عندما نتواصل؟" بقدر ما تهتم بـ"كيف يمكننا أن نكون عقلانيين معاً؟"

2. ما معنى "نقيضة الحقيقة" وكيف يحاول فيري حلها؟

​نقيضة الحقيقة هي التعارض الظاهري بين موقفين: موقف يرى أن الحقيقة مطلقة وموضوعية (وهو ما يبدو ميتافيزيقياً)، وموقف يرى أنها نسبية سياقية (وهو ما يبدو متناقضاً داخلياً لأنه يدعي حقيقة نسبويته). لا يقدم فيري حلاً جاهزاً، بل يقتفي أثر محاولات كل من هابرماز وآبل وفيلمر وبيتمان لتجاوز هذه النقيضة عبر ما يسمى "التأمثالات الضرورية" (réflexions nécessaires) للتداولية التواصلية، وهي تأمثالات ليست ميتافيزيقية بالمعنى الدوغماتي، لكنها ليست نسبوية بالمعنى الاختزالي.

3. كيف يختلف هابرماز عن آبل في قضية "التأسيس النهائي للعقل"؟

​آبل يؤمن بإمكانية تأسيس نهائي للعقل انطلاقاً من التداولية الترسندنتالية، أي عبر الكشف عن الافتراضات التي لا يمكننا تجنبها كلما شرعنا في الحجاج. هابرماز، بالمقابل، يرفض ذلك بحجة الاستحالة (لأن أي تأسيس نهائي يفترض وجهة نظر خارج التاريخ واللغة) وعدم الجدوى (لأن ما يهم هو إعادة بناء شروط الفهم عملياً، لا تأسيسها نظرياً). هابرماز يفضل مفهوم "القابلية للخطأ" (fallibilisme) والحوار المفتوح على اليقين الترسندنتالي.

4. هل يقدم الكتاب موقفاً نهائياً من الصراع بين الليبرالية والتواصلية؟

​لا، بل يكتشف فيري أن الصراع بين راولس (الليبرالي) وهابرماز (التواصلي) ليس صراعاً حاداً كما قد يبدو. فكلاهما يبحث عن أسس عقلانية للعدالة، لكن راولس يؤسسها على "ستار الجهل" (حساب عقلي للمصالح المجردة) وهابرماز يؤسسها على "الحالة المثلى للكلام" (اعتراف متبادل فعلي). فيري يميل إلى هابرماز، لكنه يقر ببعض مزايا راولس، خاصة في قدرته على تقديم نموذج سياسي مستقر في مجتمعات متعددة ثقافياً.

5. ما هو "التوافق المتقطع" (overlapping consensus) عند راولس، وهل يختلف عن "الإجماع العقلاني" عند هابرماز؟

​التوافق المتقطع هو اتفاق بين أشخاص أو جماعات تتبنى تصورات مختلفة ومتعارضة أحياناً عن الخير والحياة الطيبة، لكنهم يتفقون مع ذلك على مبادئ سياسية معينة للعدالة، كلّ من داخل منظومته الفكرية الخاصة. هابرماز يرى أن هذا غير كافٍ، لأن الإجماع الحقيقي ينبغي أن يكون ناتجاً عن مناقشة عملية حقيقية تسمح بالحجة الأقوى، لا مجرد تسوية عملية. فيري يوضح أن "التوافق المتقطع، فيما يرى راينر روشليتز، يشبه إلى حد بعيد التسوية القائمة بين التصورات الدينية والفلسفية المختلفة."

​روابط مفيدة

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق