ملخص كتاب الامتلاك أو الوجود - إريك فروم
ملخص كتاب الامتلاك أو الوجود – الأسس النفسية لمجتمع جديد لإريك فروم
في مستهل كتابه، يطرح إريك فروم سؤالاً وجودياً صادماً: كان الأمل، واعتقاد أجيال بكاملها في بداية العصر الصناعي في هذا الأمل، يتمثل في التقدم الشاسع والاعتقاد في تطويع الطبيعة والوفرة المادية وفي أكبر سعادة ممكنة... لماذا لم يتحقق ذاك الأمل العظيم؟ من هذا التساؤل الجوهري، ينطلق فروم في تشريح عميق لنمطي الوجود الإنساني: الامتلاك والوجود.
يُعدّ هذا الكتاب، الصادر تحت عنوانه الأصلي (To Have or To Be)، عصارة فكر فروم وخلاصة رحلته الفكرية. وقد ترجمه إلى العربية حميد لشهب وصدر عن دار جداول. يرى فروم أن الاختيار بين الامتلاك أو الوجود هو الإشكالية المحورية في فكر كبار معلمي الحياة، من بوذا إلى المسيح وصولاً إلى المايستر إيكهارت وماركس.
![]() |
| غلاف كتاب الامتلاك أو الوجود – الأسس النفسية لمجتمع جديد لإريك فروم. |
نمطا الوجود: من الحياة اليومية إلى جذور الشخصية
يؤسس فروم تحليله على التمييز بين نمطين أساسيين للتجربة الإنسانية. ففي نمط الحياة الامتلاكي، تكون علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم قائمة على الملكية والاستحواذ. يقول فروم: إذا تأسست ذاتي على الأشياء التي أمتلك، فإنني أصبح أزلياً إذا كانت هذه الأشياء غير قابلة للهدم. ويضرب مثالاً على ذلك في ميدان التعلم: يستمع الطلبة الموجهون توجيهاً امتلاكياً لمحاضرة ما... ويدونون ذلك ما استطاعوا بالكامل في كنانيشهم، ليحفظوا ما دونوه... ولكن لا يصبح المحتوى جزءاً لا يتجزأ من عالمهم الفكري الشخصي.
أما نمط الحياة الوجودي، فيتميز بالنشاط الداخلي والاستعمال المثمر للطاقة الإنسانية. في هذا النمط، لا يكون المرء يملك شيئاً ولا يرغب في امتلاك شيء، لكنه يكون مغموراً بالفرحة باستعمال كفاءاته بطريقة منتجة ويكون متحداً بالعالم. يوضح فروم أن النشاط/الحيوية تعني بالنسبة إليه 'الخروج من الذات'... فالنشاط المثمر يعني حالة النشاط الداخلي.
يستعرض فروم هذين النمطين في مختلف تجليات الحياة اليومية: في التذكر، حيث أن التذكر بطريقة وجودية هو فعل نشيط، يستحضر به المرء الكلمات والأفكار والرؤى والصور. وفي المحادثة، حيث الإنسان الوجودي يعتمد على واقعه كونه موجوداً وحيوياً... ينسى مثل هذا الإنسان ذاته وعلمه ومكانته الاجتماعية. وفي القراءة، حيث يمكن للقارئ ذي التوجه الوجودي أن يصل إلى قناعة بأن أي كتاب... قد يكون عديم القيمة نسبياً. وفي المعرفة، حيث لا تعني المعرفة امتلاك الحقيقة، بل الولوج إلى مستوى أعمق من السطح. وفي الإيمان، حيث الإيمان في نمط الحياة الوجودي ليس اعتقاداً في أفكار معينة في المقام الأول... لكنه توجه داخلي. وفي الحب، حيث يفرق فروم بين الحب كامتلاك والحب كفعل وجودي، محذراً من أن الاعتقاد في امتلاك الحب يقود إلى الكف عن الحب.
جذور المفهومين في التراث الديني والفلسفي
يعود فروم إلى النصوص التأسيسية ليؤصل لمفهومي الامتلاك والوجود. ففي العهد القديم، من بين أهم مواضيع العهد القديم هناك: 'اترك ما عندك، حرر نفسك من كل القيود، كُن'. ويستشهد بقصة الخروج من مصر حيث كانت الصحراء مفتاح رمز هذا التحرير... غياب كل ملك. وفي الإنجيل، يبرز رفض المسيحية المبكرة للتوجه الامتلاكي: لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض. ويصل التحليل ذروته في فكر المايستر إيكهارت الذي وصف وحلل بوضوح وعمق منقطعي النظير الفرق بين طريقة الحياة الامتلاكية ونظيرتها الوجودية. يقول إيكهارت عن الفقر الروحي: إنه الإنسان الفقير، الذي لا يريد ولا يعرف وليس له شيء. ويضيف: على المرء ألا يُعدّ معرفته مُلكاً له، يعطيه الشعور بالأمن والهوية.
تحليل المجتمع المعاصر: من طبع السوق إلى الدين الصناعي
ينتقل فروم إلى تحليل الأسس النفسية للمجتمع المعاصر، مبرزاً أن المجتمع الموجه نحو الربح هو أساس نمط الحياة الامتلاكي. ويحلل ما أسماه طبع السوق حيث يعيش المرء ذاته كبضاعة، أو بالتدقيق: كبائع وفي الوقت نفسه كبضاعة للبيع. ويكشف عن التناقض الجوهري في المجتمعات الصناعية: تقوم حالياً بأكبر تجربة لم يسبق لها مثيل... هل المتعة حلاً كافياً للمشكل الوجودي الإنساني؟ وقد كان جواب هذه التجربة بالسلب.
ويرى فروم أن وراء الواجهة المسيحية، قام دين جديد سري... 'الدين الصناعي'، الذي يمد جذوره في بنية طبع المجتمع الحديث. ويحذر من أن الجشع والسلم بعضهما يستبعد بعضهما الآخر، مؤكداً أن التغير الجذري للإنسان بطريقة راديكالية ليس مطلباً أخلاقياً أو دينياً... بل شرط لاستمرار الإنسان في الحياة.
الإنسان الجديد والمجتمع الجديد
في ختام الكتاب، يرسم فروم ملامح الإنسان الجديد، الذي يتأسس وجوده على النشاط المنتج والتضامن والتجاوز. يقول فروم: يتمتع الإنسان جوهرياً برغبته الفطرية في أن يكون/أن يوجد: نحب التعبير عن قدراتنا/كفاءاتنا ونكون نشيطين ونربط علاقات بالآخرين ونهرب من زنزانة حب الذات. ويؤكد أن الفرحة هي ما نعيشه في طريقنا لتحقيق هدف تحقيق ذاتنا. ويختتم بدعوة إلى تجاوز الخوف من الموت من خلال الوجود الحقيقي: كلما تحرر المرء من ضغط الامتلاك في أشكاله كافة... كان الخوف من الموت ضئيلاً، لأن المرء ليس له أي شيء يخاف أن يفقده.
يظل هذا الكتاب شهادة فكرية عميقة على إمكانية قيام مجتمع جديد، قائم على الوجود بدل الامتلاك، وعلى المحبة والتضامن بدل الجشع والتنافس.
بطاقة معلومات الكتاب:
· العنوان: الامتلاك أو الوجود – الأسس النفسية لمجتمع جديد
· المؤلف: إريك فروم (Erich Fromm)
· المترجم: حميد لشهب
· الناشر: جداول
· سنة النشر: 2016
· رابط العنوان الأصلي: To Have or To Be
أسئلة شائعة:
س1: ما الفرق الجوهري بين نمط الحياة الامتلاكي ونمط الحياة الوجودي عند فروم؟
يتمثل الفرق الجوهري في أن نمط الحياة الامتلاكي يقوم على علاقة ملكية واستحواذ مع الأشياء والأفكار والأشخاص، حيث يُعرِّف الإنسان نفسه من خلال ما يملكه: أنا هو ما أملكه. أما نمط الحياة الوجودي فيقوم على النشاط الداخلي المنتج، حيث يكون مركز الإنسان في ذاته لا في ممتلكاته، ويعبر عن ذاته من خلال الحب والعطاء والتفكير الحي. يقول فروم: في نمط الحياة الوجودي لا يكون المرء يملك شيئاً ولا يرغب في امتلاك شيء، لكنه يكون مغموراً بالفرحة باستعمال كفاءاته بطريقة منتجة.
س2: كيف يحلل فروم فشل وعد العصر الصناعي بالسعادة رغم الوفرة المادية؟
يفسر فروم هذا الفشل بأن مبدأيْ العصر الصناعي - مبدأ اللذة الراديكالي والأنانية غير المحدودة - يتعارضان مع الطبيعة الإنسانية الحقيقية. ويقول بوضوح: إننا مجتمع أناس تعسين، وحيدين، يعذبنا الخوف، مكتئبين، هدامين، تابعين. ويرى أن الجشع والسلم بعضهما يستبعد بعضهما الآخر، وأن الإشباع المادي لا يمكنه ملء الفراغ الوجودي. ويضيف: قد كان جواب هذه التجربة بالسلب عن السؤال المطروح حول إمكانية تحقيق السعادة عبر المتعة المادية وحدها.
س3: ما المقصود بـ طبع السوق الذي يحلله فروم في المجتمعات المعاصرة؟
طبع السوق هو نمط من الشخصية يعيش فيه الفرد ذاته كبضاعة في سوق الشخصيات، حيث لا تقاس القيمة الذاتية بقيمة الاستعمال (أي الكفاءات الحقيقية) بل بقيمة التبادل (أي كيفية تقديم الشخص لنفسه في سوق العمل والعلاقات). وكما يقول فروم: أصبح مبدأ تقويم البشر مبدأ تقويم البضائع. ويتميز صاحب هذا الطبع بضعف الارتباط العاطفي، وسيطرة الذكاء المتلاعب على العقل، واللامبالاة إزاء المخاطر الكبرى كالحروب والأزمات البيئية.
