قراءة تحليلية في كتاب "الرعاية والخدمة الاجتماعية: التطور التاريخي، المجالات، الإدارة"
مقدمة:
يعتبر كتاب "الرعاية والخدمة الاجتماعية: التطور التاريخي، المجالات، الإدارة" لمؤلفه الدكتور سليمان علي الدليمي، من المراجع الأكاديمية الهامة التي تسلط الضوء على أحد أهم الركائز التي تعتمد عليها المجتمعات الحديثة في تحقيق الرفاهية والاستقرار، ألا وهو قطاع العمل الاجتماعي. ينطلق الكتاب من رؤية شاملة تحاول فك الاشتباك المفاهيمي بين "الرعاية الاجتماعية" كنظام مجتمعي شامل يستهدف رفاهية الأفراد، وبين "الخدمة الاجتماعية" كمهنة متخصصة تعتمد على العلم والمهارة وتلعب دوراً محورياً في تنفيذ سياسات هذا النظام. عبر خمسة فصول منهجية ومترابطة، يأخذنا المؤلف في رحلة معرفية تبدأ بالتأصيل النظري والمفاهيمي، مروراً بالتتبع التاريخي لتطور النظم الاجتماعية في الغرب، وصولاً إلى استعراض الممارسة المهنية للخدمة الاجتماعية في مجالاتها المتعددة، وانتهاءً بتسليط الضوء على الجانب الإداري والتنظيمي للمؤسسات الاجتماعية. تحاول هذه المقالة استكشاف المحتوى الجوهري للكتاب ولب موضوعه من خلال التحليل المنهجي لفصوله الأساسية.
![]() |
| غلاف كتاب "الرعاية والخدمة الاجتماعية: التطور التاريخي، المجالات، الإدارة. |
أولاً: الجذور المفاهيمية؛ الرعاية الاجتماعية والخدمة الاجتماعية:
يستهل المؤلف كتابه بتأسيس أرضية نظرية صلبة، حيث يستعرض التطور المفاهيمي للرعاية الاجتماعية التي اقترنت نشأتها بتاريخ البشرية. لقد تطورت الرعاية الاجتماعية في بداياتها الأولى من مجرد أعمال خيرية فردية ترتبط بالوازع الديني أو الأخلاقي المتمثل في الإحسان إلى الفقراء والمحتاجين من خلال دور الكنيسة في المجتمعات الغربية والمنظمات الطوعية. غير أن هذا المفهوم تطور ليصبح في العصر الحديث مسؤولية جماعية مؤسسية تقع على عاتق الدولة لضمان الحد الأدنى من مستوى المعيشة والصحة والإسكان والتعليم لجميع المواطنين كحق من حقوقهم المشروعة.
يبرز الكتاب بوضوح إشكالية الخلط الشائع بين مفهومي "الرعاية الاجتماعية" و"الخدمة الاجتماعية". يوضح الدكتور الدليمي أن الرعاية الاجتماعية هي نظام اجتماعي قديم ومجال واسع يتضمن سياسات وبرامج وخدمات تهدف إلى تحقيق رفاهية الأفراد. في المقابل، تُعرَّف الخدمة الاجتماعية على أنها مهنة إنسانية حديثة برزت كأحد إفرازات الثورة الصناعية وما نتج عنها من مشكلات معقدة كالهجرة، البطالة، والتفكك الأسري. هذه المهنة تعتمد على أسس علمية ومهارات فنية للتدخل المباشر مع الأفراد والجماعات والمجتمعات، بحيث أصبحت امتداداً طبيعياً للرعاية الاجتماعية بصورها القديمة. وبالتالي، فإن الخدمة الاجتماعية هي إحدى أهم الأدوات المهنية التي تنفذ سياسات الرعاية الاجتماعية وتحولها إلى واقع ملموس، فبينما تمثل مؤسسة الرعاية الإطار العام، تلعب الخدمة الاجتماعية الدور القيادي داخله.
ثانياً: التطور التاريخي للرعاية الاجتماعية في الغرب:
يُفرد الكتاب مساحة واسعة في فصله الثاني لتتبع المسار التاريخي للرعاية الاجتماعية في السياق الغربي، معتبراً أن فهم هذا المسار ضروري لإدراك كيفية تبلور السياسات الاجتماعية الحديثة. يحلل المؤلف التجربة البريطانية بشكل مكثف نظراً لدورها الفعال في بلورة التشريعات الاجتماعية، بدءاً من القوانين التي حاولت محاربة الفقر والتسول وصولاً إلى قانون إليزابيث للفقراء لعام 1601 الذي اتسم بملامح القسوة وربط المساعدة بالعمل الإجباري للمحتاجين، وكذلك قانون 1834 الذي ارتبط بمبدأ الردع والتشدد في منح الإعانات من خلال إجبار الفقراء على دخول بيوت العمل. غير أن القرن التاسع عشر في إنجلترا شهد ظهور حركات الإصلاح الاجتماعي كحركة المحلات الاجتماعية (التي بدأت بمحلة توينبي عام 1884) وجمعيات تنظيم الإحسان، والتي مهدت لتبني مناهج علمية في دراسة الفقر وتقديم الرعاية.
كما يعقد الكتاب مقارنات مع دول أخرى كفرنسا التي تأثرت بمبادئ الثورة الفرنسية وحقوق المواطنة وإقرارها بأن المساعدة العامة شيء مقدس بالرغم من تأخر إجراءاتها العملية بسبب الفكر الليبرالي. ويتناول التجربة في ألمانيا التي شهدت في عهد حكومة المحافظين بقيادة بسمارك أولى برامج التأمين الاجتماعي الإلزامي للعمال (كالتأمين ضد الشيخوخة والبطالة) كأداة لتحقيق الاستقرار السياسي وامتصاص غضب الطبقة العاملة وتجنب المد الاشتراكي. ويمتد التحليل ليشمل التجربة في الولايات المتحدة الأمريكية التي غلبت عليها النزعة الفردية الداروينية الاجتماعية لفترة طويلة قبل أن تتدخل الدولة بقوة إبان أزمة الكساد العظيم بإصدار قانون الضمان الاجتماعي عام 1935، وصولاً إلى تحليل الرعاية الاجتماعية في الاتحاد السوفياتي القائمة على التخطيط المركزي ومبدأ المساواة في الدولة الاشتراكية.
ثالثاً: الخدمة الاجتماعية كممارسة مهنية:
ينتقل الكتاب في فصله الثالث ليعالج جوهر الخدمة الاجتماعية كمهنة متخصصة لها مبادئها، أهدافها، وسماتها. يؤكد المؤلف أن الخدمة الاجتماعية لا تكتفي بتقديم المساعدات المادية، بل ترتكز على مساعدة الأفراد والجماعات لحل مشكلاتهم وتحقيق التكيف، والعمل على تغيير النظم الاجتماعية السائدة لكي تستجيب لاحتياجات المجتمع. يعتمد الممارس المهني (الأخصائي الاجتماعي) على مجموعة من القيم والعمليات المهنية المميزة التي توجه سلوكه أثناء التدخل.
يناقش الكتاب المناهج أو "الطرق" الأساسية التي تستند إليها هذه المهنة للتدخل، وهي: خدمة الفرد التي تتخذ من الفرد وحدة أساسية للعمل، وخدمة الجماعة، وتنظيم المجتمع الذي يتخذ من المجتمع وحدة أساسية له. هذه الطرق الأساسية، إلى جانب الطرق الثانوية، تشكل الهيكل الوظيفي لمهنة الخدمة الاجتماعية التي انتقلت بفضلها الرعاية من العمل الخيري التطوعي إلى العمل المهني المتخصص.
رابعاً: المجالات التطبيقية للرعاية والخدمة الاجتماعية:
لا تكتسب النظريات الأكاديمية قيمتها الفعالة إلا عبر تطبيقها في الواقع العملي، وهو ما يفصله الكتاب في بابه الرابع من خلال استعراض المجالات الأساسية التي تعمل فيها الخدمة الاجتماعية. إن تعقيد الحياة المعاصرة أفرز احتياجات متنوعة، مما استدعى تخصصاً دقيقاً وممارسات وسلوكاً مهنياً يؤكد دور الخدمة الاجتماعية داخل مؤسسات الرعاية.
يشمل هذا التدخل "رعاية الطفولة" و"رعاية الأسرة"، بالإضافة إلى "رعاية المسنين" و"رعاية المعاقين". ولا يغفل الكتاب "رعاية الأحداث"، و"الرعاية الاجتماعية للعمال". كما يتطرق بشكل خاص إلى "الخدمة الاجتماعية في المجال الطبي" و"المجال المدرسي"، حيث يبرز دور الأخصائي الاجتماعي كعضو فاعل يساعد المرضى والطلاب على تخطي الصعوبات الاجتماعية والنفسية والبيئية التي تؤثر سلباً على ظروفهم.
خامساً: البُعد الإداري والتنظيمي للمؤسسات الاجتماعية:
يُختتم الكتاب بفصل بالغ الأهمية يتناول "إدارة المؤسسات الاجتماعية". ينبع هذا الاهتمام من حقيقة أن جودة الخدمات الاجتماعية تعتمد بشكل مباشر على كفاءة الإطار التنظيمي الذي تُقَدم من خلاله. يستعرض المؤلف مفهوم الإدارة، والمبادئ الأساسية، والوظائف الإدارية العامة كالتنظيم والتخطيط، بالإضافة إلى المهام الأساسية للمسؤول الإداري.
يتبنى الكتاب منظور "النسق الاجتماعي" في فهم المؤسسة، مركزاً على أهمية العلاقة والتفاعل المستمر بين المؤسسة والمحيط الخارجي. هذا التفاعل يحتم على المؤسسات الاجتماعية أن تكون ذات ديناميكية عالية لتستجيب للاحتياجات المتغيرة باستمرار. فالإدارة الناجحة هنا ليست مجرد تطبيق لوائح جامدة، بل هي عملية واعية توظف الموارد لتحقيق أهداف الرعاية والتنمية بكفاءة.
خاتمة:
في الختام، يمثل كتاب "الرعاية والخدمة الااعية: التطور التاريخي، المجالات، الإدارة" للدكتور سليمان الدليمي إضافة منهجية قيّمة للمكتبة العربية وللطلبة والمهتمين بالعلوم الاجتماعية. يتجلى لب الكتاب في إيضاحه للعلاقة العضوية ذات الوجهين بين الرعاية الاجتماعية كسياسة ومجال مساعدات، وبين الخدمة الاجتماعية كأداة مهنية تنفيذية فاعلة تحدث التغيير المطلوب. من خلال الجمع بين التأصيل التاريخي المقارن في الدول الغربية، وبين التقعيد النظري للممارسة المهنية وإدارة المؤسسات، يقدم الكتاب دليلاً شاملاً يبرهن على أن نهضة المجتمعات واستقرارها مرهون بمدى متانة شبكات الرعاية الاجتماعية لديها، وبكفاءة أجهزتها المهنية المتخصصة.
لتحميل الكتاب والاطلاع عليه:
وللباحثين، والطلاب، والمهتمين بالتعمق أكثر في قضايا العمل الاجتماعي، واستكشاف التفاصيل العلمية والتاريخية الغنية التي يقدمها الدكتور سليمان علي الدليمي في هذا المُؤلَّف، يُعد هذا الكتاب مرجعاً لا غنى عنه في المكتبة الأكاديمية لتخصصات علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية. يمكنكم الحصول على النسخة الإلكترونية (PDF) من كتاب "الرعاية والخدمة الاجتماعية: التطور التاريخي، المجالات، الإدارة" والاطلاع على محتواه القيّم مباشرة من خلال الرابط التالي:
